|
إطلالات
> الهدف السامي للحياة
الإنسانية
الهدف
السامي للحياة
الإنسانية
هدف
الخلقة:
يعتبر
البحث في (هدف الحياة) هو إحدى المسائل
الأساسية التي ينبغي أن يركز عليها
الفكر الإنساني. فلقد ارتسم أمام
الإنسان دائماً هذا السؤال: ما هو الهدف
من هذه الحياة؟ أي لماذا يعيش الإنسان؟
أو ما هو الهدف الذي ينبغي أن يستهدفه
الإنسان من حياته وفي هذه الحياة؟
وإذا
حاولنا أن نبحث الموضوع من وجهة النظر
الإسلامية للزمنا أن نطرحه على النحو
التالي: ما هو الهدف من إرسال الأنبياء؟
وما هي الغاية الأصلية لذلك؟
من
المسلّم به أن هدف بعث الأنبياء لا
ينفصل ـ بحال ـ عن الهدف الحياتي لأولئك
الذين بُعث إليهم الأنبياء ليرشدوهم،
فإن الأنبياء بعثوا ليقودوا البشرية
ويوصلوها إلى هدفها النهائي.
وهذا
يستدعي الولوج في بحث آخر حول (الهدف من
الخلقة) وهو بدوره يؤدي إلى طرح مسألة
خلق الأشياء، ومن جملتها خلق الإنسان
والهدف منه. ولذا ينبغي توضيح الموضوع
على النحو التالي:
إن
تعبير (هدف الخلقة) ما هو؟ تارة يطلق
ويراد منه التساؤل عن هدف الخالق من
عملية الخلق هذه، أي ما هي الدوافع
والعوامل التي دفعته لهذه العملية؟
وهذا التساؤل ـ بهذا العرض ـ لا معنى له،
ولا يمكن أن يكون لعملية الخلق هنا هدف،
أي لا معنى لأن يستهدف الخالق تحقيق شيء
من عملية الخلق. والهدف هنا إنما يعني
العامل والدافع المحرك للفاعل ليقوم
بهذا العمل، ولولا وجود هذا العامل
والدافع لما قام به.
إننا
لا نستطيع أن نقول بوجود هدف وغرض في
المجال الآلهي، بمعنى ان الفاعل يريد
عبر فعله أن يصل إلى غرض معين ليحقق
كمالاً ما، وهذا يستلزم نقص الفاعل،
وهذا النقص من صفة المخلوقات، أما في
الخالق فهو غير متصور.
ولكن ـ
وتارة أخرى ـ يتركز الحديث عن هدف الخلق
لا لجهة غاية الفاعل وهدفه وإنما لجهة
هدف الفعل ومعنى غاية الفعل. أن أي فعل ـ
نركز عليه ـ لا بدّ أن يكون باتجاه هدف
معين، ونحو كمال خُلق لأجله، فالفعل خلق
ليصل إلى هذا الكمال، لا أن الفاعل عمل
هذا العمل ليصل هو إلى كمال، بل ليصل
الفعل إلى كماله، أي أن نفس الفعل يسير
باتجاه الكمال.
فإذا
قلنا إن ناموس الخلقة يقضي بأن أي فعل
يتحرك منذ بدئه باتجاه الكمال، فإنه ـ
والحال هذه ـ تكون للخلقة غاية وهذا هو
الواقع، فإن أي شيء يوجد له ـ أساساً ـ
كمال منتزع، وإنه خلق ليصل إلى كماله
المنتزع، وإن ناموس هذا العالم ـ بشكل
عام ـ قائم على أن أي شيء يبدأ وجوده من
النقص، وتكون مسيرته مسيرة الكمال، لكي
يصل إلى كماله اللائق والممكن.
إن
مسألة (ما هي الغاية من خلق الإنسان)؟)،
ترجع إلى التساؤل عن (ماهية الإنسان)،
وما هي الإمكانات الكامنة في الوجود
الإنساني، وما هي الكمالات الممكنة له؟
لذا يجب البحث عن الكمالات التي يمكن
للإنسان أن يبلغها.
إن
الإنسان خلق لتلك الكمالات، وطبيعي أن
الحكمة ـ بهذا الاعتبار ـ تعبر عن أن
يكون عملٌ ما لأجل هدف معين، فلا يختلف
الحال إذا عبّرنا عنها بالحكمة أو
الغاية.
وعلى
هذا فلا داعي لأن نبحث بشكل مستقل عن
غاية الخلقة الإنسانية وهدفها، وإنما
يرجع هذا البحث إلى التساؤل عن هذا
الإنسان. ما هو؟ وما هي الإمكانات فيه؟
وبعبارة
أخرى: ما دمنا ننظر للبحث من زاوية
إسلامية لا عقلية فلسفية، فإن علينا أن
نعرف نظرة الإسلام للإنسان، والكمالات
التي يمكنه أن يبلغها في التصور
الإسلامي.
وطبيعي
أن بعثة الأنبياء كانت تستهدف تكميل
الإنسان. ومما يتفق الجميع عليه أن
الأنبياء جاءوا ليعينوا الإنسان،
ويأخذوا بيده إلى الكمال.
إن في
حياة الإنسان ـ في الواقع ـ نوعاً من
الخلأ والنقص لا يمكن للإنسان الفردي،
بل وحتى الإنسان الاجتماعي أن يسده
بمعونة طاقات الأفراد العاديين، فيتعين
عليه أن يستعين بالوحي ليكون قادراً على
التحرك باتجاه مجموعة الكمالات الممكنة
له. فكون الهدف من بعثة الأنبياء هو
تكميل الإنسان وإيصاله إلى غاية خلقته
بشكل عام، أمر لا ينبغي البحث فيه لأن
الكل مسلمٌ به.
كما
أنه لا مجال للبحث في ماهية الهدف
الحياتي ـ بشكل عام ـ لكل فرد من الزاوية
الفردية، فإنه ـ وحسب ما يمكننا أن
نكون، وماهية الاستعدادات المتوفرة في
وجودنا بالقوة والتي نستطيع إلى أن
نوصلها إلى المرحلة الفعلية يكون هدفنا
الحياتي مطابقاً لذلك تماماً.
إلا أن
هذا المقدار من البحوث يبقى كلياً
ومبهماً ويلزمنا حينئذ أن نعود إلى
القرآن ليحدثنا ـ بشكل أكثر تفصيلاً
وأشد تعييناً ـ عن هدف الإنسان، وهل
تحدث عن الهدف من خلق الإنسان؟ وهل
ذكرنا الهدف من بعثة الأنبياء؟ وهل تحدث
عن الهدف الذي يعيش له الإنسان؟
إننا ـ
في الغالب ، نتحدث عن المفهوم العام ـ
وهو صحيح بدوره. فنقول: إن الإنسان خلق
للسعادة، وأن الله لا هدف له من خلق
الإنسان، ولا يصله نفع من ذلك وإنما
خلقه ليصل إلى سعادته، منتهى الأمر أن
الإنسان يقف في مرتبةٍ من الوجود وموضعٍ
يجب معه أن يختار سبيله بكل حرية، وأن
الهداية الإنسانية تكليفية وتشريعية لا
هداية تكوينية وغريزية وجبرية.
ولما
كانت له حريته فإن الإنسان بعد أن هدي
السبيل، إما أن يحسن الاختيار وإما أن
يسيء: {إن هديناه السبيل إما شاكراً
وإمّا كفوراً}(الإنسان/3). وهذا أمر صحيح
بلا ريب ولكن أين يشخص القرآن هذه
السعادة الإنسانية.
يقال ـ
عادة ـ: إن الهدف من خلقة الإنسان، والذي
ترتهن به السعادة الإنسانية، وبالتالي
يكون الهدف من بعثة الأنبياء هو تقوية
الإنسان في جانبي (العلم)و (الإرادة)،
فالله خلق الإنسان للعلم والمعرفة ـ
وكماله في معرفته الأكثر ـ كما خلقه
للقدرة ليحقق ما يريد، فتقوى إرادته
ويصبح قادراً على تحقيق ما يشاء.
وعلى
هذا فإن الهدف من خلق حبة الحنطة (أو ما
هو استعدادها) هو أن تكون بشكل نبتة
الحنطة، وأن سعادة الخروف ـ في حدها
الأقصى ـ تكمن في التهامه علفه وصيرورته
سميناً، أمّا ما في إمكان الإنسان فهو
يعلو فوق هذه المسائل وهو أن (يعلم) و(يقدر).
وكلما علم أكثر وقدر أكثر، كان إلى
الغاية والهدف الإنساني أقرب.
وتجدهم
تارةً يقولون إن الهدف من حياة الإنسان
هوالسعادة. بمعنى أن يقضي الإنسان نصيبه
من الحياة الدنيا بشكل أفضل وأسعد...
يتمتع أكثر بمواهب الخلقة والطبيعة،
ويقلل من تألمه فيها، سواء من جانب
العوامل الطبيعية أو من جانب أمثاله من
أبناء نوعه الإنساني، وليست السعادة
شيئاً غير ذلك، فالهدف من خلقنا، وفق
هذه النظرة، هو أن نستفيد في هذه الدنيا
من وجودنا ومن الأشياء التي حولنا غاية
الاستفادة، أي أن نحصل على (الحد الأعلى
من اللذة) و(الحد الأقل من الألم).
وانطلاقاً
من نظرة أخرى يمكن القول إن الأنبياء
جاءوا ليحققوا هذا الغرض، فتكون حياة
الإنسان قرينة السعادة، أي الحد الأكثر
من اللذة الممكنة والحد الأقل من الألم
الممكن. وإذا كان الأنبياء قد عنونوا
مسألة الآخرة بعد ذكر مسألة (الحياة)،
فإنما ذلك لأنهم عينوا سبيلاً للسعادة
الإنسانية. وبالطبع فإن سلوك هذا السبيل
يستلزم ثواباً، كما أن مخالفته تستدعي
عقاباً خاصاً. ومن هنا جاءت الآخرة
تبعاً للدنيا، كما أن كل جزاء يتبع وضع
أي قانون (قانون الثواب والعقاب) فلكي لا
تكون القوانين في هذه الدنيا عبثاً
ولغواً ـ خصوصاً وأن الأنبياء لم يكونوا
قوة تنفيذية ولم يستطيعوا أن يثيبوا أو
يعاقبوا الأشخاص ـ فقد طرحوا مسألة عالم
الآخرة لكي يعاقب المذنبون ويثاب
المحسنون...
العبادة
هدف
في
الواقع، لا يؤيد القرآن مثل هذا الطرح،
فالقرآن يصرح في موضع منه: {وما خلقت
الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات/56) أي
أن غاية خلق الإنسان والموجود الآخر
المسمى بـ(الجن) هي العبادة.
وربما
كان هذا أمراً صعب القبول، فما معنى هذا
الهدف؟ وما هي الفائدة التي تعود بها
العبادة على الله؟ وهي حتماً ليست بذات
فائدة له، لأن الله غني عن العالمين،
لكن ما هي فائدتها العائدة على البشر
ليخلق البشر لأجل العبادة. ولكن القرآن
ـ على أي حال ـ يذكر هذا الموضوع بكل
صراحة (أي أن العبادة هي غاية الخلق
الإنساني).
وعلى
العكس من النظرة السابقة التي تجعل
الآخرة أمراً طفيلياً تبعياً، تصرح بعض
الآيات بأنه لو لم تكن القيامة لكان
الخلق عبثاً، وهذا يعني أنها جعلت
بمنزلة الغاية. وقد تكرر هذا المفهوم في
القرآن الكريم كثيراً. {أفحسبتم أنما
خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون}(المؤمنون/115).
والعبث
يطلق على الشيء الذي لا غاية حقيقية له،
وهو يأتي في قبال الحكمة. إن الانكار هنا
بمعنى أنكم حسبتم أن لا حكمة في خلقكم،
وأن ليس هناك غاية حكيمة، ولذا اعتبرتم
هذه الخلقة عبث وخواء. ثم يأتي عطف
البيان {وإنكم إلينا لا ترجعون} وهذا
يعني أنه لو لم يكن هناك رجوع إلى الله
فالخلقة عبث.
وإننا
لنجد القرآن يكرر المقارنة بين مسألة
القيامة من جهة، ومسألة كون الخلق
بالحق، وعدم الباطل واللغو واللعب فيه
من جهة أخرى، وهو في الواقع نوع من
الاستدلال، ذلك أن أحد أنماط الاستدلال
القرآني على الآخرة هو الاستدلال اللمي
ـ حسب المصطلح المنطقي ـ ، بمعنى أنه بعد
الإيمان بوجود إله لهذا العالم، وأنه لا
يفعل عبثاً، وأن عمله إنما هو بالحق ولا
مجال للباطل واللعب فيه، نعم، بعد
الإيمان بأن الخليقة لها خالق حكيم،
يأتي الإيمان بالرجوع إلى الخالق. في
الواقع إن القيامة والرجوع إلى الله هي
التي تبرر خلق هذا العالم وهذا ما يركز
عليه التعبير القرآني. وإننا لن نعثر في
القرآن الكريم على ما يوحي بأن الإنسان
خلق ليعلم أكثر ويقدر أكثر لكي يصل إلى
هدفه حين يعلم ويقدر، وإنما خلق الإنسان
ليعبد الله، وإنما عبادة الله هي الهدف.
فلو أن الإنسان علم وعلم أكثر، وقدر
وقدر أكثر، ولم تكن في البين معرفة الله
التي هي مقدمة العبادة، ولم تكن هناك
عبادة لله، فإن الإنسان لم يخط على طريق
هدف الخلقة ولا يُعد من وجهة نظر القرآن
إنساناً سعيداً. أما الأنبياء فقد جاءوا
ليوصلوا البشرية إلى السعادة وهي في
نظرهم عبادة الله.
وبهذا
المعنى فلن يكون الهدف الأصلي من الحياة
في منطق الإسلام ـ بالطبع ـ شيئاً سوى
المعبود، فالقرآن يريد صياغة الإنسان و
لا غير، وأي شيء غير ذلك ليس إلاّ مقدمة
لا أصالة له ولا استقلال، وليس هو الهدف
الأصلي.
فالأيات
التي تصف الإنسان الكامل، أو تتحدث على
لسان هذا الإنسان، تعرف هذا الإنسان
بأنه الذي حدد هدفه بوضوح واتجه نحوه
وعمل لأجله، ويقول القرآن الكريم على
لسان إبراهيم: {إني وجهت وجهي للذي فطر
السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من
المشركين}(الأنعام/79) و{إن صلاتي ونسكي
ومحياي ومماتي لله رب العالمين}(الأنعام/162).
وتوحيد
القرآن هذا ليس توحيداً فكرياً يعتقد
الإنسان معه بأن مبدأ العالم واحد،
وخالقه واحد فحسب، وإنما هو توحيد في
المرحلة الخاصة للإنسان أيضاً، بمعنى
أن الإنسان من الجانب العقائدي يعتقد
بأن خالق العالم واحد لا شريك له. ومن
جانب الهدف يصل إلى الحد الذي لا يرى
هدفاً يستحق أن يستهدف إلا الله لا غير.
وبالطبع تكون الأهداف الأخرى منبعثة
ونابعة من هذا الهدف، فلا استقلال لها
ولا أصالة وإنما تستمد من هذا الهدف
وجودها، ذلك أن كل شيء في الإسلام يدور
حول المحور الآلهي سواء من حيث الهدف من
بعثة الأنبياء، أو من حيث الهدف الحياتي
للفرد.
ولندرس
الآن مسألة جعل العبادة هدفاً للخلق في
القرآن: فعن الإنسان الكامل وعن هدفه
الحياتي يقول القرآن الكريم: {إن صلاتي
ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}(الأنعام/162)
فالإخلاص هو المقصود قبل كل شيء، والعبد
المخلص هو الذي لا يجد في وجوده حاكماً
غير الله.
وأما
مسألة هدف الأنبياء فللقرآن فيها
تعبيرات مختلفة. فهو يقول تارة: {يا أيها
النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً
ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه
وسراجاً منيراً}(الأحزاب/45)، ويقول أخرى:{يخرجهم
من الظلمات إلى النور}(البقرة/275)، وهذه
بعض التعبيرات صريحة في دعوتها الناس
للتعرف على الله، وأن الأنبياء هم حلقة
اتصال بين المخلوق والخالق والرابط
بينهما.
هل
العدالة هدف؟
في
المقابل نجد آية أخرى تذكر بصراحة تامة
شيئاً آخر كهدف لبعث الأنبياء، وهو "العدالة
الاجتماعية":{لقد أرسلنا رسلنا
بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان
ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه
بأسٌ شديد ومنافع للناس}(الحديد/25)ـ فما
هو هدف البعثة ـ طبق الآية ـ وهي من
أفعال الله التي لا يمكن أن تكون بلا
هدف؟
إن
القرآن يقول بأن البعثة تمت لإقرار
العدالة بين الناس فكل الأنبياء جاءوا
للعدالة وهنا نجد فلسفة البعثة قد طرحت
بشكل آخر من خلال فرضين:
الفرض
الأول: إن الهدف الأساس هو إقرار
العدالة بين الناس، ولما كانت العدالة
الواقعية لا تقوم بين الناس، ـ كما
يستدل أمثال الفيلسوف أبو علي بن سينا ـ
إلا أن يقوم قانون عادل بينهم، ومثل هذا
القانون العادل لا يمكن أن يضعه البشر
لعلتين:
الأولى:
لأن البشر غير قادر على أن يشخص
الحقيقة، ويتخلَّص من الميول والأغراض
المصلحية.
والثانية:
لعدم وجود ضمان للتطبيق، فإن الطبع
الإنساني يدفعه لتقديم نفسه على الغير
وتشريع القانون إلىالحد الذي يحقق
منافعه، فإذا كان هناك أي ضرر رفضه،
وعليه فيجب أن يكون القانون قانوناً
يخضع له الإنسان، ومثل هذا القانون لا
سبيل له إلا أن يكون من الله بحيث يحس
الإنسان من عمق وجدانه بالخوف من عصيانه.
ولما كان الأمر كذلك أي لكي تتم
العدالة، نحتاج إلى القانون العادل،
وهذا القانون يجب أن يكون له ثواب وعقاب
موضوعان من قبل الله. ولكي يؤمن الناس
بالثواب والعقاب، يجب أن يعرفوا الله.
فمعرفة الله صارت عبر عدة وسائط مقدمة
لإقرار العدالة. وكذلك فإن العبادات
قررت لهذا الفرض، أي لكي لا ينسى الناس
مقنن القانون، ويبقوا دائماً على
ارتباطهم به، ويتذكروا أنّ لهم رباً
يراقبهم، وهو الله الذي شرع القانون
العادل لهم.
ووفقاً
لمثل هذا السير الفكري ـ ولو بقينا نحن
وهذه الآية ـ وجب أن نقول أن الهدف
الأصلي من بعثة الأنبياء هو إقرار
العدالة بين الناس. وتكون الدعوة إلى
الله ثانوية لكي يتعرَّفوا على مقنن
القانون، ويحسبوا له حسابه، وإلا فليست
لمسألة الدعوة إلى الله ومعرفة الله
أصالة، وإنما تقوم على أساس الآنف.
غايات
متداخلة:
فلدينا
هنا في الواقع ثلاثة أنماط من المنطق
يجب أن نعرف القابل منها للقبول.
الأول:
هو المنطق الذي عرضناه والذي يعتبر أن
هدف بعثة الأنبياء هو إقرار العدالة بين
الناس، فالحياة السعيدة ـ في الواقع ـ
للناس هي في هذه الدنيا. ومسألة المعرفة
والإيمان بالله والإيمان بالمعاد هي ـ
تماماًَ ـ مقدمة ذلك، لأن العدالة لا
تتم إلا بمعرفة الناس لإلههم وإيمانهم
بالمعاد. فالإيمان مقدمة العدالة.
أما
المنطق الثاني ـ فعلى العكس من ذلك ـ
يؤكد أن الهدف الأصلي هو معرفة الله
وعبادة الله هي الهدف الأصيل، والتقرب
إلى الله هو الهدف الحقيقي، أما العدالة
فهي هدف ثانوي، ذلك لأن البشرية لكي تصل
إلى المعنوية وتفوز بها، عليها أن تعيش
هذه الحياة الدنيا، ولأن الحياة
الإنسانية لا تستقر إلاّ في ظل الشكل
الاجتماعي المناسب، وهذا الشكل
الاجتماعي لا يتم إلاّ باستقرار
العدالة. فالقانون والعدالة هما
مقدمتان لأن يقوم الإنسان في هذه الحياة
الدنيا ـ باطمئنان ـ بعبادة الله. وإذا
لم يكن الأمر كذلك فلا قيمة للعدالة.
وعليه
فإن المسائل الاجتماعية التي نقول
بأهميتها إلى هذا الحد، ونطرحها في مجال
العدالة، هي هدف الأنبياء، ولكن لا
الهدف الأولي وإنما الهدف الثانوي أي هي
مقدمة لهدف آخر.
وهناك
رأي ثالث، يتساءل: ما الداعي لأن نفترض ـ
لبعثة الأنبياء وبالتالي للخلقة
والحياة ـ هدفاً أصيلاً ونعتبر باقي
الأهداف مقدميةً. فإن بالإمكان القول
بوجود هدفين لذلك، وإنهم بعثوا لهدفين
مستقلين عن بعضهما: الأول، لكي يكونوا
واسطة الاتصال بين البشر وخالقهم
وليعبدوا الله، والثاني: لاقرار
العدالة بين الناس.
وليس
أي من هذين الهدفين مقدمة للآخر بل كل
منهما هدف أصلي، خصوصاً وإننا رأينا
القرآن الكريم يذكر كلا الهدفين. فما
المانع من أن يكونا هدفين أصليين ولا
يكون أيٌ منهما مقدمة للآخر؟ ولهذا
الأمر نظائر في مجالات أخرى تعرض لها
القرآن فمثلاً نجد القرآن الكريم يؤكد
على تزكية النفس كثيراً، أنه يؤكد على
هذا التهذيب والتنمية النفسية كثيراً
فيقول:{قد أفلح من زكاها وقد خاب من
دساها}(الشمس/9). ففلاح الإنسان رهين
تزكية النفس في نظر القرآن وهنا يقال: هل
أن تزكية النفس هذه هي بنفسها هدف في
تصور الإسلام؟ هل أن تزكية النفس هدف
لحياة الإنسان وبعثة الأنبياء وخلقه
الإنسان؟ أم أنها مقدمة؟ وإذا كانت
مقدمة فهي مقدمة لأي شيء؟ هل هي مقدمة
لمعرفة الله، ومقدمة للاتصال بالله
وعبادته؟ هل هي مقدمة لإقرار العدالة
الاجتماعية؟
ربما
يقال أن الأنبياء جاءوا لهدف إقامة
العدالة الاجتماعية، وأنه من الضروري
لكي تقوم بين الناس أن تعتبر بعض الصفات
التي لا تنسجم مع الحياة الاجتماعية
رذيلة، والأخرى المنسجمة معها فضيلة،
وحينئذ فلا بد للإنسان أن ينزه نفسه من
الصفات التي لا تنسجم مع الحياة
الاجتماعية ويخلصها من الحسد والكبر
والعجب، وعبادة الذات والهوى وغير ذلك،
ويزين نفسه بتلك الصفات التي تعتبر
أخلاقاً اجتماعية، وتساعد على إقرار
العدالة الاجتماعية مثل الصدق والأمانة
والإحسان والمحبة والتواضع وغيرها.
أو قد
يقال: إن تزكية النفس ـ أساساً وبقطع
النظر عن أيِّ هدف آخر ـ هي بنفسها هدف
مستقل؟
الطريق
المستقيم
والآن
أي هذه الآراء ينبغي قبوله؟ إننا نرى أن
القرآن يرفض أي نوع من الشرك وبأي معنى
كان. إنه كتاب توحيدي بكل معنى الكلمة:
*
توحيدي بمعنى أنه يرفض وجود أي مثل لله (التوحيد
الذاتي: {ليس كمثله شيء})[الشورى/11].
* وهو
توحيدي بمعنى أنه يصف الله بكل الصفات
التي تعطي الحد الأعلى من الكمال له {له
الأسماء الحسنى}[الحشر/24] والأمثال
العليا {ولله المثل الأعلى}[النحل/60].
وهو
توحيدي، بمعنى أنه يرفض أي فاعل في قبال
الله، ويرى أن أي فاعل؛ يأتي بعد الله
وفي طوله ـ كما يصطلح ـ وهذا هو معنى {لا
حول ولا قوة إلا بالله}.
*وهو
كتاب التوحيد بمعنى أنه لا يرى للكائنات
هدفاً أساسياً مستقلاً ونهائياً إلا
الله.
* وخلال
كل ذلك فهو لا يرى للإنسان ـ سواء في
حركته التكوينية أو حركته التكليفية
والتشريعية ـ هدفاً غير الله.
إن
البون يتسع باتساع البعد بين السماء
والأرض... بين الإنسان الذي تريده
المدارس الفلسفية البشرية وذلك الذي
يريده الإسلام. فهناك الكثير من الأشياء
التي يقول بها الإسلام والتي تشبه ما
يقوله الآخرون، ولكن ليس من زاوية نظر
واحدة. إن الإسلام ينظر للأمور دائماً
نظرة توحيدية إلهية.
فنحن
نعرف أن الإنسان في تجاربه الفلسفية
والعلمية توصل إلى وجود قوانين ثابتة
غير متغيرة حاكمة في هذا الكون، والقرآن
الكريم يقول بهذا الرأي، ولكن ليس بهذا
التعبير؛ وإنما يقول به من زاوية إلهية:{فلن
تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة
الله تحويلاً}[فاطر/43]. وعلى هذه القاعدة
يقبل القرآن مبدأ العدالة، بل هو يعطيه
قيمة غير عادية وأهمية خاصة، ولكن لا
بعنوان أن العدالة هي هدف نهائي، أو أن
العدالة مقدمة ليسعد بها الإنسان في هذه
الحياة بهذا الشكل الذي نعرفه من
السعادة، بل إنه يعتبر الحياة السعيدة
في الدنيا لا يمكن أن تتحقق إلا بالنحو
الذي يرضاه الإسلام في ظل نوع من
التوحيد العملي، أي أن يكون الإنسان
خالصاً لله.
إن
إنسان القرآن موجود لا يستطيع تأمين
سعادته أحد إلا الله، بمعنى أن الإنسان
موجود لا يروي ظمأه إلى السعادة، ولا
يؤمن له سد الخلأ، ولا يحقق رضاه
الكامل، ولا يقوده في مسيرته الحقيقية؛
إلا الذات الإلهية {الذين آمنوا وتطمئن
قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن
القلوب}[الرعد/28] وهو تعبير عجيب ومعجز!
وقد ذكر هؤلاء مثبتاً لهم هذه الصفة وهي
اطمئنان قلوبهم بذكر الله... ولكن هل
تطمئن قلوب الآخرين بأشياء أخرى؟ كلا إن
القرآن ينفي ذلك بعد أن يمهد بذكر كلمة (ألا)
التنبيهية! إنه يذكر وينبه ويعلن أمراً
هاماً، ويقدم كلمة (بذكر الله) وحقها أن
تتأخر نحوياً ولكنه يقدمها لتنفيد
الحصر كما يقول أهل البيان، ويعلن أنه
بذكر الله لا غير، بنسيان ما عدا الله،
تطمئن القلوب، وأن الذي يؤمن سعادة
القلب المضطرب الباحث عن الحقيقة ليس
إلا الله أما كل شيء عداه فما هو إلاّ
مقدمة له، إنه موقف من المواقف
الإنسانية في مسيرتها الطويلة لا
المقصد النهائي، وحتى العبادة كذلك، إذ
يقول {وأقم الصلاة لذكري}[طه/14] وفي آية
الصلاة {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر}[العنكبوت/45] يذكر القرآن خاصية
الصلاة ويقول عن هدفها {ولذكر الله أكبر}[العنكبوت/45].
إن
الإسلام يريد الإنسان للعبادة وسبيل
التقرب إلى الله والتعرف عليه وذكره.
وطبيعي أن يحصل الإنسان على قدرته هنا،
إلا أن العلم والقدرة بالنسبة لكل
الأشياء أيضاً مقدمة لا أصل. وكذلك
تزكية النفس فإنها جميعاً أهداف
ثانوية، فهي أهداف لشيء ووسائل لشيء آخر.
|