|
إطلالات
>
الإنسانية مقياس تقدم
المجتمع وتأخره
الإنسانية
مقياس تقدم المجتمع وتأخره
الامام
السيد موسى الصدر
مقياس
التقدم والتأخر
من دون
أن نفلسف كثيراً ونتعمق كثيراً،
بإمكاننا أن نضع المقياس للتقدم
والتأخر، وأن نلخّصه المقياس بكلمةٍ
واحدة هي «الإنسانية». وبما أن المجتمع
يتكوّن من أجل الإنسان، فإن بإمكاننا
عندها تفسير المجتمع المتقدّم بالمجتمع
الأكثر إنسانية، وتفسير المجتمع
المتخلف بالمجتمع الأقل إنسانية. أما
تقدم الصناعة، وتقدم التنظيم، وتقدم
الأسلحة الفتاكة، وتقدّم أنماط المعاش
من جهة السكنى والمواصلات والمأكل
والملبس... فما هي إلا طرق ووسائل للتقدم
الإنساني.
إذا
افترضنا أن مجتمعنا قد أحرز تقدماً
باهراً في العلم والتكنيك والتنظيم،
ولكنه لم يقطع شوطاً إلى الأمام على
الصعيد الإنساني، لم يكن هذا المجتمع
مجتمعاً متقدماً، لأن المجتمع قد نشأ
وتكوّن لأجل خدمة الإنسان، فإذا لم
تتقدم الإنسانية فيه وتتطوّر، فإن ذلك
المجتمع لن يكون موسوماً بالمجتمع
المتقدم المتطور.
ومن
هذا المنطلق والمقياس، لا أوافق على نعت
الولايات المتحدة التي هي في قمة التقدم
العلمي والتكنيكي بالبلد المتقدم، لأن
المقياس الذي وضعناه لا ينطبق على
الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي
أو بريطانيا أو ألمانيا أو أي بلد آخر.
نحن
إذا تعمقنا في وضع هذه الدول، وعلى سبيل
المثال الولايات المتحدة، ولاحظنا
تقدمها الصناعي والعلمي، ثم ألقينا
نظرة على الإنسان الذي يعيش هناك،
الإنسان المطلق لا الإنسان الخاص في
إقليم أو عنصر أو لون، للمسنا فيها
مشاكل إنسانية أكثر بكثير من المشاكل
التي تواجهها البلاد التي نسميها
بالبلاد المتخلفة.
التفرقة
العنصرية
مثلاً
التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة
مستتبة ومتحكّمة.
قد
يقال مثلاً إن القانون لا يفرِّق في
الولايات المتحدة بين الأبيض والأسود،
ولكن أعتقد أن هذا الأمر غير صحيح، إذ إن
القانون في بعض الولايات يفرق بين
الأبيض والأسود.
ولو
افترضنا بأن القانون لا يفرق، لكن
يكفينا حجة على المشاكل في الولايات
المتحدة أن الشعب يفرق بين الأبيض
والأسود، ومحتوى هذه التفرقة بين
الأبيض والأسود هو عدم الاعتراف
بإنسانية الإنسان. ولو كان مطلق إنسان _
لا الإنسان المتأقلم بإقليم أو المنحدر
من عنصر خاص _ مكرماً، لما كان هناك فرق
بين الأبيض والأسود.
وإذا
كُرّم الإنسان الأبيض فإنّ المكرّم
العنصر لا الإنسان، وإذا شئنا أن نكرم
الإنسان المطلق لما فرقنا بين الأبيض
والأسود.
فمشكلة
التفرقة العنصرية في الولايات المتحدة
معروفة، وموقف الولايات المتحدة من
الدول النامية أو الضعيفة أو البلاد
المستعمرة أو البلاد الآسيوية أو
الأفريقية، ينعكس تماماً في فيتنام وفي
الشرق الأوسط وإسرائيل وأفريقيا
وأميركا اللاتينية. فما الفرق بين
الإنسان الأميركي الذي يُكرّم وبين
الإنسان الفيتنامي أو الأفريقي أو
الأميركي اللاتيني أو العربي الذي لا
يُحترم ولا يُكرّم؟ وتمجيدها للإنسان
الأميركي ينبثق من تمجيدها للعنصر لا
للإنسان، تماماً مثل بعض القبائل
العربية أيام الجاهلية قبل الإسلام،
حيث قالوا عنها إنها كريمة تكرم الضيوف،
والحقيقة أن كرمها كان بدافع الأنانية
ولم يكن كرماً، بدليل أن الضيف كان
يتمتع بالتكريم حينما كان في بيت هذا
الرجل، وإذا غادر البيت سطا عليه صاحب
البيت وسلبه وقتله. ومثل هذا التكريم لا
يُعدُّ تكريماً للإنسان، وإنما يكرم
نفسه لأنه يعتقد متى دخل داره أحد استحق
التكريم والضيافة، وإذا تركها وخرج
منها سقطت عنه هالة التكريم. وهذا ليس
تكريماً للإنسان..
أما
موقف الولايات المتحدة تجاه الأموال
والشركات واستثمار البشر واستخدام
العمال على ضوء العلم والصناعة
والتنظيم، فهو موقف معروف. فالعلم
والتكنيك أوصلاهم إلى القمر، والتنظيم
الدقيق عندهم بلغ مستوى أن الشركة
الواحدة تدير خمسة عشر مليون عامل في
منتهى الدقة، وهذا مكسب من مكاسب
الحضارة الحديثة، ولكن هل الإنسانية
تقدمت بالنسبة نفسها؟ أنا أشك في أن
يكون الجواب إيجابياً. وبصورة موجزة،
إنّ الحضارة المادية الحديثة لم تتمكن
بعد أن تسعد الإنسان وتخفف من آلامه
وتعالج مشاكله ككل.
هل
الإنسان المتحضر يتألم بآلام الآخرين؟
وهل إنه يرغب في خدمة الإنسان بعيداً عن
التعويض؟.
وهل
الضمير الغربي المعاصر يتألمَّ أمام
الظلم في المناطق المتخلّفة في العالم؟
أنا أشك في ذلك. وبهذا المقياس أيضاً،
أشك في تصنيف العالم إلى بلاد متقدمة
ومتأخرة.
الشرق
على الرغم من أنه لا ينتج السيارات، ولا
يصنع القنابل، وليس عنده تكنولوجيا أو
تنظيم كما هو عند الغرب، ولكن على الأقل
توجد في الشرق الأحاسيس الإنسانية
بصورة جزئية. فالشعور العائلي والشعور
بالضيافة والشعور بالتعاون والتألم
لآلام الآخرين، والإخلاص النسبي
والإيمان بالصدق... هذا معناه أن
الإنسانية في الشرق متقدمة أكثر من
الغرب، بالرغم من أن العلم والصناعة
والتنظيم متقدم في الغرب ومتخلّف في
الشرق.
علاقة
التقدم العلمي بالدين
إن
التقدم العلمي والتكنيكي والتنظيمي لا
يرتبط بنوعية الدين أبداً. فالعالم
الإسلامي لا يُعدّ من البلاد المتقدمة،
بل يعدّ من المناطق المتخلفة، أو بتعبير
مهذب، يعتبر من البلاد النامية. ومستوى
التخلف في هذه البلاد يختلف من منطقة
إلى أخرى، ولكن الطابع العام هو التخلف.
ولذلك حينما تريد البلاد المتقدمة أن
تبعث سفراء أو مندوبين أو ممثلين إلى
هذه المنطقة، تعمل على إضافة أجورهم
بحجة أنهم يعيشون في بلاد متخلّفة تفتقر
إلى وسائل الحياة المتقدمة، إذ لا نجد
في هذه المنطقة بلاداً مصنّعة، أو تصدر
مواد صناعية، ويستعان بها لخبرائهم
وعلمائهم، في حين أن قسماً من العالم
المسيحي مثل أميركا وأوروبا متقدم.
ويطرح
السؤال نفسه: هل إن نوعية الدين تبعث على
التقدم العلمي أو التخلف؟ وهل إنَّ
الدول الإسلامية المتخلّفة في الإنتاج
وفي مستوى الحياة وفي الأخلاق وحتى في
ممارسات النشاطات الدينية... هل هذا
الواقع المؤلم الذي نعيشه، والذي لم يرد
الله لنا أن نعيشه، هل هو من نتاج
الإسلام؟
الحقيقة
هي أن الشيء الذي نعرفه، أنّ في العالم
مناطق مختلفة، متقدمة ومتأخرة، غير
مرتبطة بنوعية الدين. فهناك بلاد غير
متدينة، مثل الاتحاد السوفياتي والصين
وتعتبر بلاداً متقدمة، وهناك بلاد
تتدين بدين آخر غير المسيحية والإسلام،
مثل اليابان هي أيضاً بلاد متقدمة،
وهناك بلاد مسيحية متخلفة مثل الحبشة
التي كانت مسيحية قبل أوروبا، وهناك
بلاد إسلامية في التاريخ كانت في منتهى
الرقي والتقدم. فنحن نجد في تاريخنا قبل
القرن الخامس الهجري تقدماً هائلاً في
المجتمعات الإسلامية، ومن أراد أن يطلع
على ذلك فليقرأ كتاب «تاريخ التمدن
الإسلامي» لـ «غوستاف لوبون»، وكتاب «تاريخ
تمدن العرب» للأستاذ جرجي زيدان، أو
كتاب «مختصر تاريخ العرب» للسيد أمير
علي الهندي، وغيرها من الكتب التي تشهد
بأن المجتمعات الإسلامية كانت في منتهى
التقدم العلمي والتكنيكي والتنظيمي
والإنساني.
وعلى
سبيل المثال، أذكر لكم بعض العلوم
الحديثة التي تأسست في المجتمعات
الإسلامية: علم الكيمياء كان موجوداً
لدى اليونانيين كنظرية وفلسفة، حيث
كانوا يؤمنون بأن أساس جميع الموجودات
واحد، فيمكن تحويل الرصاص إلى ذهب
والحديد إلى فضة... أما تطبيق هذه
النظرية وتبديل الفلسفة إلى علم
الكيمياء فكان من شغل المسلمين وإنتاج
المجتمعات الإسلامية.
والجبر،
والجراحة، وخريطة العالم، والبوصلة،
واكتشاف الدورة الدموية، وقوانين
النور، وانكسار النور، وانعطاف النور...
ومئات من الاكتشافات العلمية، كان من
إنتاج المسلمين والمجتمعات الإسلامية.
ونجد
أنه كان قبل ألف ومائتي سنة في دمشق _
الشام _ كان هناك نظام توزيع المياه،
عندما كان نهر بردى يقسم إلى أربعة
أقسام في أربع برك كبيرة، في أربع مناطق
حول دمشق، وكانت المياه تدخل في كل بيت
من تحت الأرض لتنظيف البيوت، فكان نظام
المياه الذي هو من آثار الحضارة الحديثة
موجوداً في الشام.
وأما
بناء البيوت والزراعة والمستشفيات
العقلية والعصبية، فقد كانت موجودة
ومتوفرة في مصر بعد دخول المسلمين إليها.
وبلغ الإنتاج القومي في مصر بعد دخول
الإسلام هناك عشرة أضعاف ما كان عليه
قبل الفتح الإسلامي.
ولم
يكن الإسلام حينما يدخل بلداً جديداً
بمستعمر له، إذ إن الجيش الإسلامي كان
يفتح البلد ويدعو أهله إلى الإسلام،
فإذا أسلموا أسلم إليهم الحكم، وإن لم
يسلموا نصبوا حاكماً وعادوا ولم يأخذوا
معهم إنتاج البلد وأرباحه وثرواته كما
تصنع البلاد الاستعمارية الحديثة.
والجزية التي كانت تدفع لم تكن بأكثر من
الضرائب التي كان يعطيها المسلمون
لحكومتهم المسلمة.
كل ذلك
كان في البلاد الإسلامية في القرون
الأولى من الهجرة. وفي هذا الوقت، كانت
أوروبا تهجع في التخلف والانحطاط،
وعندما تنكَّر قادة الحضارة الحديثة
للدين في أوروبا بدأوا بتأسيس الحضارة
المادية الحديثة.
نستخلص
من هذا العرض السريع، بأن التقدم العلمي
أو التخلف لا يرتبط بنوعية الدين أبداً.
|