|
إطلالات
>حول
المشهد الثقافي الإيراني

حول
المشهد الثقافي الإيراني
د. نجف علي
الميرزائي
رأى
مدير عام معهد الرسول الأكرم العالي
للدراسات الإسلامية د. «نجف علي ميرزائي»،
وهو باحث ومؤلف، أن المشهد الثقافي
الإسلامي في إيران لا يقتصر على
الإصلاحيين والمحافظين، بل إن هناك
تشكيلة واسعة جداً ومشهداً كبيراً
تتحرك فيه الأطياف المتعددة جداً.
وقال:
إن الخصوصية الثقافية للشعوب لم
تتراجع، إلا أن العولمة ما زالت تحدياً
كبيراً لن يصل إلى مرحلة الحسم بعد، وإن
الخطاب الديني الإسلامي لم يستطع
اختراق الحصون بعد ليصل إلى المخاطب،
وما زال متجمّداً ولا يمثِّل جوهر الدين
الإسلامي، وهو بحاجة إلى النشاط على
مستوى التعبير والبيان وآليات النقل.
وأكد
أن إيران لا تتعامل مع القضية
الفلسطينية أو المقاومة في لبنان من
موقع مذهبي، وتعتبر أن الصورة المطروحة
للمقاومة العراقية مشوَّهة بصورة
مقصودة لإثارة الفتنة، معتبراً أن
مصالح الأوطان وسيادة الأنظمة
وحاكميتها تتطلب التكتلات الكبرى بعد
تراجع دور الحماس المذهبي والوطني
والقومي في عصرنا الحالي.
جاء
ذلك في حوار خاص مع «اللواء الإسلامي»
هذا نصه:
الإصلاح
والمحافظة
* ما
بين إصلاحيين ومحافظين، يبدو المشهد
الثقافي الإسلامي في إيران منقسماً إلى
فريقين متخاصمين، فما هي الصورة
الحقيقيّة له من الداخل؟
- من
الواجب أن يستفزّنا غياب التعدد
والاختلاف لا وجوده، لأن مبدأ التنوع
والاختلاف والتعدد مقدَّس وليس مرغوباً
به أو مطلوباً فحسب، كما إن هذا التنوّع
ليس منقسماً إلى قسمين فقط كما يصوِّر
سؤالكم، بل يبدو أنه يتجاوز وجود تيارين
وإن كانت العناوين العامة تعطي ذلك
الانطباع. لأن الحقيقة تشير إلى وجود
تشكيلة واسعة جداً، ومشهد كبير تتحرك
فيه الأطياف المتعددة جداً في المشهد
الثقافي في إيران، وهذا أمر هام،
انطلاقاً من أن التنوع هو المدخل الأساس
لنموّ الحياة، معرفةً وسلوكاً
واقتصاداً وسياسةً.
إنَّ
عنواني الإصلاح والمحافظة قد يكونان
تعبيرين «شبه دقيقين» عن المجريات
السياسية، لكنهما ليسا كذلك على الصعيد
الثقافي، ولذا نتحفّظ على تقسيم
التيارات الثقافية على أساس الإصلاح
والمحافظة، إنما نستطيع القول بوجود
ارتباط بين تياري الإصلاح والمحافظة،
وبينهما وبين الثقافة، وبالتالي فلا بد
من وجود منطلقات ثقافية لهذا التنوع وإن
كانت الثقافة تقبل تنوعاً أكبر مما يقبل
المجال السياسي.
فالتيار
الإصلاحي يتّكل في مطالبه السياسية على
تكوينة معرفية أكثر تنوعاً من التكوينة
المعرفية التي يستند إليها التيَّار
المحافظ في عمله السياسي أو الثقافي،
لأن التيَّارات الإصلاحية عادةً ترفد
نفسها بالمعطيات الثقافية العصرية،
ونسبة العصرنة في معالجة التيار
الإصلاحي للشأن الثقافي معرفياً أكثر
اتساعاً مما هي عليه لدى المحافظين في
الشأنين السياسي والثقافي.
المشهد
الثقافي والمذهبية
* في
هذا السياق، نتساءل عن السر في إلإصرار
على الامتداد مذهبياً ضمن الدول
المحيطة دون الامتداد الثقافي إلى كل
المسلمين من كل المذاهب؟
- لا
أعتقد أن التعامل الإيراني الإسلامي مع
المحيط العربي الخليجي، وفيه السعودي،
كما مع اللبنانيين، ينطلق من التفاصيل
المتعلّقة بالمذهب، بل إنه تعامل مع كل
أطياف المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي،
وحيث نلاحظ أيضاً أن هناك تركيزاً
مصيرياً وأساسياً في التعامل الإيراني
مع العالم على أساس القضايا المحقة
والإنسانية.
وأقوى
دليل على أن صناع القرار السياسي
الإيراني الخارجي بعيدون كل البعد عن
الحيثيات المذهبية بل وخضوعهم للتوجهات
الإسلامية العامة والإنسانية، هو
موقفهم من القضية الفلسطينية التي لا
ينتمي فضاؤها إلى التوجه المذهبي
السائد في إيران، وقد دفع الإيرانيون
ثمناً باهظاً جراء ثباتهم في هذا
المجال، والأمر نفسه يمكن أن يقال عن
دعم المقاومة في لبنان التي تجاوزت
المطلب المذهبي لتكون مطلباً وطنياً
عربياً وإسلامياً عاماً. فإيران لم
تتعامل مع المقاومة في لبنان كقضية حزب
ينتمي إلى مذهب شيعي، بل على أساس
التعامل مع مقاومة صاحبة حق، ولو كانت
هذه المقاومة الإسلامية في لبنان أو
موجودة في أي دولة أخرى بنفس الحيثيات
ويحتضنها مذهب آخر، لكان التعامل
الإيراني معها أيضاً بذات الزخم
والأهمية والدعم.
أما في
الموضوع الداخلي الإيراني فالأمر
مختلف، وذلك لكون إيران تمثل أكبر تجمع
عددي للشيعة في العالم، وتركيبتها
الاجتماعية ذات غالبية تنتمي إلى
المذهب الإمامي الإثني عشري، ما يجعل
الدستور والقوانين الداخلية تسمح
بسيادة وحاكمية تنسجم مع الأصول
الإسلامية طبقاً للرؤية الاجتهادية
الشيعية، وهذا أمر يتحلى بالواقعية
أكثر مما لو تم اعتماد المذاهب الأخرى،
دون أن يؤثر ذلك على انطلاقتها
الديمقراطية.
العولمة
والخصوصية
* ألا
ترى أن العولمة تجاوزت كلَّ الخصوصيات
الثقافية في العالم، لأن هناك سيلاً
فكرياً يطل علينا عبر وسائل الإعلام
العالمية، فيجتاح في طريقه كل شيء من
إصلاحي ومحافظ، ويدفع الفكر الخاص لكل
أمة للتراجع؟
-
الخصوصية لم تتراجع بعد، والعولمة لا
تعدو كونها تحدياً كبيراً لم يصل بعد
إلى مرحلة أو لحظة الحسم، وإن كانت هذه
العولمة تهدد كل الأفكار والمبادئ في
مواجهتها.
إن
القيم عندما تصل إلى مرحلة الحضارة
وتشكل هويةً وثقافةً، تصبح قادرةً على
المواجهة والتصدّي والحوار، وبالتالي
لا يحسم أمرها إلا من خلال نوعية
تعاملها الداخلي أولاً ثم الخارجي
ثانياً. فالتعامل الداخلي يكمن في مدى
وجود عناصر ومكوّنات التجدد على مستوى
التعاطي العصري، وليس على مستوى الجوهر
بالضرورة، حيث تدفعها تلك العناصر
باتجاه التجديد والتأقلم والتناغم مع
الواقع، فإذا توفرت حضارة ما على عناصر
التجدُّد، فإنَّ استئصالها سوف يكون
أصعب من التعاطي مع الحضارات والثقافات
المنغلقة على ذاتها غير القادرة على
تجاوز حدودها الظاهرية والشكلية.
وفي
اعتقادي، إن الثقافة المتعولمة، أو
الحضارة المركزية، كما يحلو لهم
تسميتها اليوم، لن تكون حاسمةً في
المستقبل في ظل وجود نظريات فلسفية
وفكرية جديدة تلامس الواقع، وتثبت أن
الحركات التجديدية في الغرب ومبادئ
حداثتها لم تعد المنقذة للحياة
الاجتماعية أو السياسية وحتى الطبيعية
والبيئية.
الخطاب
الديني السياسي
* هذه
المواجهة، أليست بحاجة إلى تجديد
الخطاب الديني الإسلامي؟
-
الخطاب الديني الإسلامي لا يزال يعاني
المشاكل في أكثر من ناحية وعلى أكثر من
خطّ، ولا يزال غير قادر على اختراق
الحصون المتينة والمنيعة جداً ليصل إلى
المخاطب الحقيقي، ونحن لا نشهد حتى
اللحظة تحقق حوار حقيقي مع الغرب، أو
حتى داخل الشرق، بل ما زالت الإشكاليات
التي تمس علوم النفس والاجتماع
والاقتصاد والسياسة، قائمة دون أن تأخذ
القسط المناسب اللائق من الاهتمام عند
أصحاب صياغة هذا الخطاب في المناقشات
الداخلية رغم أهميتها على الساحة
الدولية.
فالخطاب
الديني الإسلامي الموجود حالياً، لا
يمثل جوهر الدين الإسلامي، وهو متجمد في
أكثر من ناحية على الجانب الشكلي أو
الظاهري، وبحاجة للانطلاق مع الذات
الإسلامية والقيم والأبعاد والملامح
الإنسانية والفطرية والعقلية في
الإسلام. وهذا الخطاب إذا لم يتحرك
وينشط في الساحة العالمية اليوم، فلا
يمكن لأصحابه أن يراهنوا على التزام
العالم بمضمونه.
لذا
نقول إنه بمقدار ما يكون الخطاب الديني
الإسلامي خصباً، ويحظى بالإمكانيات
العقلية والإنسانية التي تتجاوز الحدود
الضيقة، ويستخدم أصحابه أحدث تطورات
التكنولوجيا والمعرفة والحضارة،
بمقدار ما يستطيع النفاذ إلى داخل
الحضارة الإنسانية العالمية، وأن يلقى
الترحيب الدولي به، ولذا نتمنى أن يحظى
الخطاب الديني الإسلامي بالنشاط الواسع
على مستوى التعبير والبيان وآليات
النقل، ليتحوَّل إلى قناعات عقلية عند
الآخرين.
دور
المرأة
* ألا
ترى أن الإسلاميين فشلوا في تحويل
الخطاب الإسلامي إلى قناعةٍ في شارعهم
الإسلامي أولاً، بدءاً من عدم قدرتهم
على تجديد وتحديد دور المرأة في مواكبة
روح العصر وأطره السياسية والاقتصادية
والاجتماعية، بحيث إنها تأتي في هذا
الخطاب كاستكمال لصورة المشهد دون
المضمون الثقافي الفعلي لدورها؟
-
موقعية المرأة في الخطاب الديني
الإسلامي المعاصر ليست هي الموقعية
الصحيحة التي تكرسها الشريعة التي تريد
أن تتحقق القيم الإنسانية كاملةً في
المرأة كما في الرجل، وهي لا تسقط
المرأة كعنصر فاعل يلعب الأدوار
التربوية والاجتماعية في بعض الأبعاد
أحسن من الرجال، والشريعة تريد أن تدفع
المرأة باتجاه تحقق الذات الإسلامية
فيها أيضاً، وهذه الأمور كلها لا تحصل
من خلال النظرة المتشدّدة والمتطرّفة
إلى المرأة.
لكننا
نؤكد هنا، أن القيمة الإسلامية التي
يتسم بها خطاب الإسلاميين المتشددين
تجاه المرأة، أفضل بكثير من القيم
المعتمدة للمرأة الغريبة وللنماذج
الغربيّة السائدة في بلادنا الإسلامية
التي أساءت فهم تحرير المرأة، وبدلاً من
أن تساعد على إطلاق طاقاتها الإنسانية
والتعامل معها كإنسان مقابل الرجل
كإنسان، حوَّلت المرأة التي تمثل إحدى
القيم الإنسانية إلى سلطة للإغراء
وإسالة لعاب شهوات الرجال وتلبية
مطالبهم.
لذا،
فإنّنا في الوقت الذي ننتقد فيه بعض
الرؤى التي تتبنّاها بعض الجهات
الإسلامية تجاه المرأة، وندعو إلى
تصحيح التعامل معها اجتماعياً وتربوياً
وإنسانياً، لا نعتبر أن النماذج
الغربية التي غزت عالمنا الإسلامي كانت
أكثر نجاحاً من النماذج الإسلامية في
جميع الأحوال. ولذا فنحن ننتقد
النموذجين، المتشدِّد والمتغرِّب،
وندعو إلى نموذج إسلامي متأصّل أكثر.
فالمرأة ليست سلعةً أو أداةً للترويج
والتسويق، وإنما تمثِّل إنساناً لا
يختلف عن الرجل أبداً في الإسلام، إلا
في بعض التفاصيل والأدوار التي لا تلغي
الجانب الإنساني.
دور
المذاهب
* هل
تتصوَّر أن الصورة الكيسنجرية لقوس
شيعي يواجه قوساً سنياً في العالم
الإسلامي قد انتهت؟
-
العنصر المذهبي سيبقى عنصراً أساسياً
ومهماً في حسم كثير من القضايا المتعلقة
بالسياسة والثقافة والمجتمع، وأن ندّعي
بأنه لم يعد يؤثر في صياغة القرارات
وصناعة الأوضاع السياسية والاجتماعية،
فهذا تصور غير صحيح حتى ولو كان مطلوباً.
ولا شك
في أن التعامل الغربي مع المجتمعات
الشرقية ينطوي في داخله على اللعب على
عناصر المذهبية والعرقية والطائفية،
وهو من مكوِّنات السياسة الاستراتيجية
للأميركيين في تعاملهم مع الشعوب
العربية والإسلامية، وما زال ضمن
مخطّطاتهم.
وعلى
كل حال، فاللافت في موضوع التعاطي مع
المذاهب والطوائف، هو أن العنصر
المذهبي والطائفي لم يعد هو الحاسم في
الحفاظ على المصالح الوطنية والقومية
في الدول والأنظمة السياسية المعاصرة،
وحتى إن الحماس الوطني والمصلحة
الوطنية، كما الغيرة المذهبية والحماس
المذهبي، تتعرض لاهتزازات كثيرة،
فالمصالح العليا للأوطان والأنظمة تفرض
درجةً عاليةً من الترابط مع الآخرين،
والحفاظ على هذه المصالح وعلى السيادة
والحاكمية للأنظمة السياسية صارت تتطلب
جهداً للوصول إلى تكتلات كبرى جديدة.
وقد سقطت كثير من الشعارات القومية التي
كنا نرفعها في الستينات والسبعينات،
ولا يمكن لأي نظام سياسي أن يتصور نفسه
داخل جزيرة منقطعة عن العالم؛ لذا فلن
يكون العنصر المذهبي حاسماً حتى في بعض
المستويات الداخلية، إلا في حال ترشيده
ليكون خطابه منسجماً مع التعددية
والخطاب الإنساني العام.
المقاومة
العراقية
* إذاً
لماذا لا تدعم إيران المقاومة العراقية
ضد الأميركيين؛ بحيث إن الواقع بات
يصوَّر اليوم وكأن السنة يقاتلون
والشيعة يتفرَّجون؟
- أنا
على يقين أوَّلاً بأنَّ الإيرانيين في
قرارة نفوسهم وقلوبهم يتمنَّون أن لا
يرتاح الأميركيون في العراق وأن
تستنـزف طاقتهم، ولكن القرار العراقي
داخل العراق يصنعه العراقيون على ضوء
مصلحتهم الوطنية، وهم الذين يكرّسون
هذا القرار.
ولو
طلب هؤلاء العراقيون بكل أطيافهم دعماً
إيرانياً كما حصل في لبنان من خلال
المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكان
هذا الدعم يخدم السياسة الاستراتيجية
والعقيدية للإيرانيين، لبادرت
الجمهورية الإسلامية إلى تقديم هذا
الدعم، لكننا لم نسمع حتى الآن طلباً
كهذا، ولا يتقاعس إيراني عن تلبيته.
وأحب
أن أضيف هنا، بأنني أتردد في تقبل صحة
التقارير التي تحاول تصوير الواقع في
العراق وكأن السنّة يقاتلون الأميركيين،
والشيعة لا يقاومون، فهذا تشويه حقيقي
مقصود يستهدف إثارة الفتنة، لأن
الخلفية المذهبية والسياسية للمقاومة
العراقية الحالية غير واضحة، وأعتقد
أنه عندما يتخذ الشعب العراقي قرار
المقاومة الشاملة، سيكون فيها الشيعي
والسني، يؤازر أحدهما الآخر، ولا أعتقد
أن التاريخ العراقي يبخل بشواهد مشرفة
في مجال المقاومة والرفض للاستعمار،
سواء في ذلك السنة والشيعة. فليس ما يحصل
اليوم هو النموذج الأسمى والأكمل
للمقاومة العراقية.
بين
الثورة والدولة
*
التشيع نجح تاريخياً كثورة وفشل كدولة
أكثر من مرة، فما الذي يمنع من تكرار
الأمر مع الجمهورية الإسلامية في الغد؟
-
السلطة السياسية التي تبلورت في
الجمهورية الإسلامية تحظى بالتكوينات
الديمقراطية للسلطة أكثر بكثير من
التجارب العربية والإسلامية في العالم،
بحيث يمكننا القول إن الثورة تحوَّلت
إلى دولة إسلامية بالمعنى الحقيقي، وهي
لا تقاس بأي تجربة سابقة في نظمها
ورشدها، وقدرتها على الاستيعاب
والتعاون الشمولي مع العالم ومع
الديانات الأخرى بكل تنوّعاتها، دون
وجود أي حساسية انتمائية داخلية، وقد
نلحظ تطوراً كبيراً قد يصل إلى حدِّ
الطفرة في التنمية السياسية، حيث توجد
في الجمهورية الإسلامية أكثر
الانتخابات حريةً وديمقراطيةً على
مستوى المنطقة وربما العالم، والتجربة
تتطور وتنمو، وقد خاضت كل المراحل من
أجل أن تصل إلى قمة الرشد والوعي، وقد
تكون تجاوزت كل التجارب الأخرى من ناحية
مكونات السلطة ومفهوم الدولة.
|