إطلالات > نحـو منهـج نقدي للتراث

نحـو منهـج نقدي للتراث

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

 * ما هو موقفكم الخاص من التراث، وهل كل قديم يعدّ تراثاً؟

ـ من الطبيعي أننا عندما نريد أن نقف عند مصطلح هذه الكلمة، فإن كل ما تركه الآخرون يمثل تراثاً، أما فيما يتعلق بقيمة هذا التراث، فإن القدم لا يصلح أساساً لتقديره إيجابياً على أساس أن كل قديم يمثل قداسةً خاصةً في وعينا، لكن الله علّمنا أن ندرس كل شيء من خلال ما نملكه من المقاييس العقلية والإسلامية، التي تميز بين الصحيح والفاسد.

* ما رأيكم في التراث من حيث قيمته، وهل يحق لأحد مصادرة التراث.. وفي تقديركم، ماذا نأخذ وماذا نترك؟

ـ هناك اتجاهان متطرفان في هذه المسألة، فهناك من يدعو إلى مصادرة هذا التراث وإهماله كلياً، باعتباره معطّلاً لحركة نموّنا وتقدمنا الفكري، لأنه يجعلنا مشدودين إلى الفكر الماضي وأسلوبه وآفاقه، بحيث يخلق لنا شخصيةً تاريخيةً، تنظر إلى الحاضر بعين الماضي، وتعتبر التاريخ أساساً لكل النظرة العامة للأحداث والمتغيرات، وبذلك يضع التراث شخصيتنا في قالب جامد، تحاصرنا فيه كل أفكاره، وكل قواعده، وكل أوضاعه وأساليبه.

ولذلك، فإنّ هؤلاء يقولون إنّ علينا أن ننطلق إلى جوِّ الحداثة الذي ينفتح على تطوّرات العصر، لينشأ لدينا فكر جديد ينطلق من المعاناة الفكرية المعاصرة وينشأ عندنا أسلوب جديد في ما استحدثه التقدم الفكري في دائرة الأساليب. وهكذا تولد لدينا شخصية جديدة تستند إلى الحداثة في قاعدتها الفكرية وفي تطلّعاتها الروحية، وتحاول التعامل مع العصر من خلال خصائص هذا العصر، أو مواكبة حركة التطور في العالم.

وفي ضوء ذلك، يرى هؤلاء أن التراث هو فكر الماضين، الذين عاشوا خصائصهم الفكرية وأخلصوا لها. وهو ما يستدعي أن نولِّد نتاجاً جديداً لفكرنا، من خلال ما نعيشه في عصرنا.

في المقابل ثمّة رأي آخر متطرف يدعو إلى الاستغراق في التراث، وذلك استناداً إلى أن الذين تقدمونا من علماء ومفكرين وفلاسفة هم أقرب إلى الحقيقة، باعتبار أنهم أقرب إلى مصادرها ومنابعها في الرموز الروحية والفكرية، التي كانت تجسد لنا الحقيقة، ولا سيما الحقيقة الإسلامية.

وهكذا نجد أن هذا الاتجاه يقول: إنه كلّما كان الصحابة أو العلماء أو المفكرون أقرب إلى العصر الأوّل للإسلام أو العصر الثاني للإسلام، الذي عاش فيه الأئمة(ع)، كلما كانوا أقرب إلى الحقيقة. ولذلك فإن علينا أن ننفتح على التراث، وأن ننظر إلى الواقع من خلال المفاهيم التي يؤكدها هذا التراث، سواء في نظرته الفقهية أو الكلامية أو الفلسفية أو السياسية أو الاجتماعية.

وبناءً على ما تقدم، يرفض هذا الاتجاه كل ما جاءت به المعاصرة والحداثة من أفكار وأساليب، لأنها انطلقت من مواقع كافرة، تعتبر المادة أساساً وقاعدة فكرية، وتتحرك في مفاهيم الضلال التي تغفل دور الحقائق الدينية، ولا سيّما الإسلامية، وذلك لانتمائها إلى العلمانية، ما يتطلّب أن يحكم الماضي الحاضر. أما الفكرة التي يحملها هذا الاتجاه فهي: (ما ترك الأول للآخر من شيء) في مقابل من يقول (كم ترك الأول للآخر).

إننا عندما نواجه هذه المسألة بطريقة علمية واقعية، فإننا لا نقف مع الذين يهملون التراث بالكلية، كما لسنا مع الذين يؤكدون أن التراث هو كل شيء، بحيث يقف التقدم عنده.

فنحن ننظر إلى التراث على أساس أنه يمثل الخطوط الفكرية المتنوعة في قواعدها وأساليبها ومضمونها، من خلال اجتهادات الذين حركوها، سواء كان ذلك في المجال الكلامي أو الفقهي أو الفلسفي أو السياسي أو في المجالات الأدبية والفنية المتنوعة... إنه جهد الآخرين الذين عاشوا في الماضي، وجهد الآخرين لا يمثِّل الحقيقة إلا من خلال قناعاتهم، في ما يرونه.

إنّنا كمسلمين نرى الحقيقة في كتاب الله، من خلال أنه النص الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت:42]، فليس هناك شك في أن القرآن كتاب الله، ولكن كلمات القرآن تبقى خاضعة لاجتهاد المفسرين والعلماء، الأمر الذي لا يسمح لنا اعتبار ما اجتهد به العلماء وما فسّر به المفسرون القرآن، أنّه يمثل الحقيقة الكاملة، فقد نستطيع أن نكتشف كثيراً من الأخطاء في هذا التراث، كما اكتشف الذين عاشوا في داخل حركة هذا التراث في الماضي أخطاء بعضهم البعض.

وهكذا، فإننا لا نستطيع أن نرى الأفكار التي انطلقت من خلال الاجتهاد في أحاديث النبي(ص) أنّها تمثل الحقيقة، فهناك مدخلان لمعالجة مسألة السنة النبوية الشريفة، المدخل الأول يتصل بجهة الصدور هل هي من النبي(ص)؟ أما المدخل الثاني فيتصل بجهة المضمون، أي يتصل بطريقة فهمنا لكلام النبي(ص) من خلال أحاديثه؟ وهكذا بالنسبة إلى الأئمة(ع) في دائرة الشيعة الإمامية، الذين يرون أن الأئمة(ع) هم خلفاء النبي(ص) وأنهم معصومون عن الخطأ، فإن المسألة هنا تتعلق أيضاً بصحة صدور هذا النص عن الإمام أو عدم صدوره؟ وكيف صدر؟ وكيف نفهم ما صدر منه؟.

ونحن نعتقد من خلال ذلك، أن كل ما جاءنا من تراث فقهي وكلامي وفلسفي هو نتاج المجتهدين والفقهاء والفلاسفة والمفكرين، من خلال معطياتهم الفكرية، ولا يمثل الحقيقة إلا بمقدار ما نقتنع به من تجسيده للحقيقة، على أساس ما نملكه من مقاييس الحقيقة، وبهذا فإننا نعتبر أن كل الفكر الإسلامي ـ ما عدا الحقائق الإسلامية البديهية ـ هو فكر بشري، وليس فكراً إلهياً، قد يخطىء فيه البشر في ما يفهمونه من كلام الله وكلام رسول الله(ص)، وقد يصيبون.

وعلى هذا الأساس، فإننا نعتقد أنه من الضروري جداً أن ننظر إلى التراث المنطلق من اجتهادات المفكّرين ـ أينما كانت مواقع تفكيرهم ـ نظرةً بعيدة عن القداسة في توجّهاتهم، وهم مَن هم في مؤهلاتهم الروحية سواء كانوا على مستوى المراجع أو الأولياء في تقواهم لله سبحانه وتعالى، لأن ذلك شيء ومسألة الفكر شيء آخر. ولذلك فإننا ندعو إلى دراسة التراث دراسة ناقدة، نعيش فيها شخصيتنا الفكرية ونعيش فيها انفتاحنا الفكري الذي عاشه الأقدمون في ما مارسوه من تجربتهم الفكرية.

لذلك نحن نرى أن إغفال التراث هو خطأ كبير، كما هو الحديث عن الاستغراق في التراث خطأ كبير. فمن الضروري أن ننفتح على كل معطيات عصرنا، سواء تلك التي انطلقت في دائرة الفكر المادي أو التي انطلقت في دائرة الفكر الديني أو في أية دائرة من الدوائر الحائرة بين ما هو الدين وما هو الكفر، حتى ندرس كلّ ركائزها وقواعدها ومعطياتها من موقع الحرية الإنسانية، التي تبحث عن الأصالة من موقع القناعات الأصيلة للفكر. ومن خلال ذلك، لا بد من الدخول في المقارنة بين ما لدينا من تراث، استطاع أن يؤثر تأثيراً لا شعورياً في تركيبتنا الذهنية والشعورية والعملية، وبين ما عندنا من معطيات فكرية جديدة في الواقع المعاصر، لنستخلص من خلال هذه المقارنة المنهج الجديد الذي يملك الأصالة في مواقعه الفكرية، ويملك الحداثة في أساليبه وتطلعاته.

إننا ننطلق من فكرة حاسمة في هذا المجال، وهي أن القداسة تكون للحقائق، التي لا يختلف فيها الناس، أما كل شيء غير ذلك فهو ممكن أن يقع فيه الخلاف، ولا بد للناس أن يدرسوه على قاعدة الاستقلال الفكري الذي يبحث عن الحقيقة من خلال قناعاته، وبذلك فإن كل شيء قابل للنقد وللدراسة، وكل شيء قابل للانفتاح عليه والتعاطي معه ـ سواء كان قديماً أو حديثاً ـ ونحن عندما ندرس القرآن الكريم، فإننا نجد فيه دراسةً لكل الماضي ونقداً للكثير منه، وتأكيداً على الحقائق الجديدة، وتوجيهاً للإنسان لأن يبقى في حالة انفتاح فكري دائم متحرك، وتأكيداً لكل الناس بأن الجيل الحاضر لا يتحمل مسؤولية الجيل الماضي، كما أن علىكل جيل أن يكسب فكره وعمله بنفسه، وذلك ما توحي به الآية الكريمة: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} [البقرة:134].

ومن الواضح أن هذه الآية تحمل إيحاء أنّ لكلِّ أمة كسبها، وعليكم أن تكسبوا أنتم كما كسبت تلك الأمة، وأن تتحملوا مسؤولية كسبكم كما تحمّلت تلك الأمم مسؤولية كسبها، سواء كان الكسب كسباً فكرياً أو عملياً. نحن نعتقد أنّ الذين يتحدّثون عن مصادرة التراث هم المنبهرون بمظاهر الحضارة الحديثة، التي هي نتاج حضارات قديمة، استطاعت أن تركز لها قواعدها حتى أمكنها أن تتحرك وأن تنطلق، وإن الذين يتحركون في دائرة الاستغراق في التراث هم أناس يعيشون قداسة الماضي ويغفلون عما حفل به الحاضر من تطورات إنسانية، وإن كان للماضي دخل فيها، ولكن كان للطاقات الإنسانية المنفتحة على الله وعلى الحياة وعلى الإنسان الدور الكبير في هذا المجال.