قضايا فكرية > الخطاب الإسلامي والتيارات المعاصرة

الخطاب الإسلامي والتيارات المعاصرة

بدعوة من المركز الثقافي، ومجلس مدينة حمص، حاضر سماحة آية اللّه العظمى السيّد محمَّد حسين فضل اللّه تحت عنوان: «الخطاب الإسلامي والتيارات المعاصرة»، في 12/3/2001 بحضور عددٍ من الشخصيَّات الثقافيّة والاجتماعيّة من حمص وجوارها يتقدّمهم محافظ المدينة، وقيادة فرع حزب البعث فيها، ومدير أوقافها، وحشدٌ من المواطنين الذين غصّت بهم قاعة المركز الثقافي في المدينة.

افتتح سماحتُهُ المحاضرة قائلاً: أن نتحدّث عن الخطاب أيّ خطاب، أن نتحدّث عن الإنسان كيفَ ينقُلُ فكره للآخر! وكيف يعيش الآخر في فكره! لأنَّ مشكلتنا في كلِّ عصور التخلُّف أنَّ بعضنا كان يُحاولُ أن يُحاصِرَ الآخرَ، ويفرضَ فكرهُ عليه، أن يضطهده ويمنعه من التنفس، وبذلك عشنا أنانية الفكر في مواقع التخلُّف، لأنَّ قصّة الفكر الإنساني هي قصة حركة الإنسان من خلال عقلهِ في عقل الآخر، وفي ذلك يتجلّى الإبداعُ، ويتبلور، ويتأصّل، ولكنَّ الفكرَ حين يختنق ويعيش الأنانيّة، فإنَّهُ ينهارَ ويزحفُ نحو الموتِ والزوال.

وقد تكون مشكلتنا في هذا الشرق، والعالـم العربيّ تحديداً أنَّنا لا نُتقِنُ الخطاب المنفتح عمّا نفكّر فيه، وأنَّنا نحدّقُ في أنفسِنا قبل التحديق بالآخر، وأنَّنا نُحاوِلُ من خلال هذا الخطاب الدينيّ أو الثقافيّ أو السياسيّ، أو الاجتماعيّ، الاستماعَ إلى صداه في داخلنا لا في الآخر، وبهذا كففنا عن أن يفهمنا الآخر، لأنَّنا لسنا معنيين بالآخر… إنَّنا في عالمنا العربيّ نعيش تنوّع الفكر الدينيّ والعلمانيّ والقوميّ، وكما أنَّ هناك تمذهُباً يصِلُ إلى حدّ العصبيّة في الدِّين، ففي العلمانيّة تمذهبٌ قد يصِلُ إلى حدّ العصبيّة في الانتماء، لأنَّ قضيّة العصبيّة في هذا الشرق ليست قضيّة خصوصيّة الدِّين في إنتاج العصبيّة في الإنسان، وإنَّما هي قضيّة الإنسان الذي يعيشُ الانفعال والغرائزيّة ويتحرّك من خلال كثيرٍ من مفرداتِ التخلُّف، وهو ما يُنتِجُ العصبيّة والحقد.

إنَّ العصبيّة تنطلقُ من الضعف الثقافيّ الدينيّ والسياسيّ والعلمانيّ، لأنَّ من يملكَ زمامَ الفكر الذي يُؤمِنُ به لا يخافُ من أن يُعطي الحريّة للآخر… فالذين يُصادرون الحريّة هم الخائفون من أن تُصادِر الحريّة تخلُّفهم وضعفهم وتردّدهم.

إنَّ الاستكبار العالميّ الذي فرضَ نفسَهُ علينا قد رتّب لنا عصورَ التخلُّف والتراجع، وأراد لهذا التخلُّف أن يعيش بطريقةٍ مدنيّة لا تحمِلُ أيّ عمقٍ للمدنيّة، ولكن فيها صباغها… وقد بذر فينا فتنة ليؤكّد العصبيّة العشائريّة والدينيّة والمذهبيّة والحزبيّة، وبدأنا نندفِعُ إلى داخلِ ذواتِنا ليعيش كلٌّ منّا عصبيّة الذات…

إنَّنا عندما نواجِهُ التحدّيات في العالـم والتي تُحاولُ إلغاء هويتنا باسم العولمة، وتُصادرُ كلّ مفاصلِ حياتنا بمختلفِ الوسائل التي تريدُ جعلنا هامشاً سياسياً من هوامش سياستها، وهامشاً اقتصادياً على هامش اقتصادها، وكذلك هامشاً أمنياً من هوامش أمنها، فلا بُدَّ لنا من التفكير: كيف نُخاطِبُ العالـم؟ وقبل ذلك كيف نُخاطِبُ بعضنا البعض؟

لأنَّنا لا نعرِفُ أسلوبَ التخاطب الموضوعي، ولهذا تحرّكت كلّ العصبيات لتَفْتِنَنَا مذهبيّاً وسياسيّاً وحزبيّاً وطائفيّاً، فنتمزّقُ ونتناحرُ ونتنابذُ. إنَّ الخطابَ الإسلاميّ والتيارات المعاصرة، هو الخطاب الذي يجبُ أنْ نوسِّعَ آفاقه، ليشمَلَ خطاب الإنسان للإنسان، فإسلامُكَ هو عيشٌ للإنسانيّة فيه… لأنَّ هذه الإنسانيّة هي صورةٌ داخلنا، وصورةُ عقلنا المفكّر، وقلبنا النابض في الذات، وطاقتنا المتفجِّرة في الواقع…

فتعالوا لنتساءَل لماذا نُخاطِبُ بعضنا بعضاً؟ أليسَ لأنقُلَ بعضي لبعضك! وفكري لفكرك؟ وعاطفتي لعاطفتك؟ وطاقتي لطاقتك؟ حتّى يتزاوج الفكران ليتفاعلا، والقلبان ليكتشفا النبضة الموحّدة بينهما وبين الطاقات…

لماذا نُدخلُ انفعالاتنا وغرائزنا في فكرنا، ونحنُ نسعى للتوافقِ والحوار؟ ودورُ الفكرِ هو عَقْلَنَةُ الغريزة، لا الخضوع لها، فإذا كان الخطابُ ليكون الاثنانُ واحداً، والتعدديّة في ما هو الجسمُ الواحد المتعدّد، والفكر الموحّد، والعاطفة والطاقّة الموحّدة، فلماذا لا نتخاطبُ؟ حتّى نكتشف الموضوعيّة في عناصر الفكرة لنفهمها وندرسَها… لأنَّ قضيّة الحوار ليست لتسجيل النقاط، وإنَّما هي طريقة البحث عن الحقيقة والوصول إليها…

وأضاف: لكَ الحريّة في أن تختارَ الفكر الذي تريدُهُ، ولكنَّ دورك هو دور المسؤول في عمليّة الاختيار، فإنَّ من لا يتحسَّسُ المسؤوليّة في ما يختارُهُ من خطٍّ فكريّ أو من سلوكٍ عمليّ فإنَّه يتحرّك دون هدفٍ وعمقٍ… فلهذا أن تضعَ في حسابِ تفكيرك كلّ النتائج السلبيّة والإيجابيّة دليلٌ على فهمك لمسألةِ الاختيار وسط التيارات المعاصرة…

وتابع: إنَّنا إذا أخلصنا في ثقافتنا الاجتهاديّة العلميّة، ومما استجدّ في العصر، فلربَّما نحقّق ما نُريد أكثر من الآخرين، لأنَّهم انطلقوا في اجتهاداتٍ داخل عصرٍ محدود، ثُمَّ جاءت عصورٌ حرّكت اجتهاداتٍ أخرى، حتّى أنَّ قضيّة فهم النص صارت مسألة مسألةً ذات جدل، كيف نفهمُ النّص؟ وما هي قواعد فهم النّص؟ فلماذا نتجمّدُ في ما يُمكِنُنَا التحرُّك فيه، ولتكن القاعدة علميّة موضوعيّة فكريّة… لتنطلق الكلمة الحسنى والسّواء سعياً وبحثاً عن الحقّ…

قد نلتقي مع التيارات الماديّة والدينيّة في بعض القضايا الاجتماعيّة المحتاجة إلى جهدنا معاً، وإلى حلّ قضيّة اقتصاديّة في البلد أو سياسيّة داخل الأمّة، مما لا يكفي فيها أن يتحرّك فريقٌ واحد حيث تكونُ القضيّة من الخطورة فينبري كلّ الأفرقاء لحلّ هذه المشكلة… كمشكلةِ العولمة التي تحاولُ إلغاءنا جميعاً… أن نقفَ على قاعدةِ الكلمة السواء لمواجهة الغدّة السرطانيّة في المنطقة وهي إسرائيل، على رغم الفواصل بين فكرٍ وفكر، لأنَّ المرحلةَ مرحلةُ تحدّيات كبرى وخطيرة فلنعمل على مواجهة ومقاطعة من يُريدُ إسقاط واقِعنا، فالآخرون يفكرون بإسرائيل وأخشى أن أقول إنَّ سياستنا صارت سياسة التعب من القضيّة الفلسطينيّة، وإنَّ المسألة ليست كيف نُحرّر فلسطين، بل كيف نحُرّر أنفسنا من فلسطين؟!

* * * * *

الأسئلة التي تلت محاضرة حمص

«الخطاب الإسلامي والتَّيارات المعاصرة»

س: كيف نتحاور مع أمريكا وإسرائيل إذا كانتا تريدان الحوار وانفتحتا علينا؟

ج: لا مانع أن نتحاور، شرط أن نكون أقوياء عندما نتحاور، فالظروف التي نعيشها الآن ليست ظروف الحوار، لأنَّها الظروف التي يُراد فيها للقوي أن يفرض نفسه باسم الحوار على الضعيف. فلنأخذ بأسباب القوّة ثُمَّ نتحاور.

س: كيف نستطيع الردّ على الغربيين بطرحهم: أين المساواة بين الرّجال والنساء في الإسلام من خلال قوله تعالى: [ فرجلٌ وامرأتان] في موضوع الشّهادة؟

ج: هل بقيت المسألة بيننا وبين الغربيين في مسألة الشّهادة فقط؟ إنَّ القرآن حين تحدّث عن مسألة الشّهادة لـم ينتقص من المرأة، لأنَّ النّص القرآني واضح: [ أن تضلَّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى] أي الاحتياط بالعدالة، فإذا نفت إحداهما أو خانتها العاطفة، فالصِّفر لا يغطي صفراً، لذلك ففي البيِّنة الشّرعية «إنَّما أقضي بينكم بالبيِّنات والإيمان» في البيِّنة الشرعية نحتاجُ لرجلين عادلين، فهل نقول: هذا انتقاصٌ من كرامة الرّجل؟ فكلا الشاهدين موثوقان وعادلان، فهذا احتياط بالعدالة، وليس انتقاصاً من شخصية المرأة. ونحن نلاحظ عدم تفريق الإسلام بين رجلٍ وامرأة في الحقوق العامّة في المواطنية في الجانب القيمي، في قيمة العمل، لا فرق... [ وضرب اللّه مثلاً الذين آمنوا نوحٍ وامرأة لوطٍ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئاً وقيل أدخلا النّار مع الّداخلين، وضرب اللّه مثلاً للذين آمنوا من الرجال والنساء امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابنِ لي عندك بيتاً في الجنّة ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين] ، ومريـم بنت عمران.

والقرآن يقدّم لنا امرأة، أوحى لنا أنها أعقل من الرجال وهي ملكة سبأ، حين جاءها كتابُ سليمان وكانت الملكة والحاكمة بأمرها، وتستطيع أن تفرض نفسها على الجميع، [ قالت يا أيُّها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتّى تشهدون] .

فهذه المرأة أرادت أن تستشير قومها كأي حاكمٍ يشعر بالمسؤولية، فقد حضر الرجال، فماذا قالوا لها؟ لقد أرادت لهم أن يستعرضوا عضلاتهم الفكريّة [ قالوا: نحن أولو قُوّةٍ وأولوا بأسٍ شديد والأمر إليكِ فانظري ماذا تأمرين؟] وهي تعرف أنَّها إذا أرادت الدخول في حربٍ فقد تكون خاسرة؟ ومن هو سليمان هل هو ملك أم هو نبيّ؟ [ قالت: إنَّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذّلة وكذلك يفعلون * وإنّي مرسلة إليهم بهدّية فناظرة بِمَ يرجع المرسلون ] .

فالقرآن قدّم هذه المرأة الحاكمة أنها أعقل من الرجال. فعلينا عدم دراسة المسائل في الإسلام من جانب واحد، بل دراسة القضيّة من جميع الجوانب.

س: من خلال ما تشهده الساحة العالمية من صراع شديد بين التيارات الفكريّة المعاصرة، كيف يمكن للإسلام الصمود ضمن هذا الصراع؟ بعد أن تاه قسمٌ كبير من المسلمين عن الإسلام في مفهومه الواسع؟

ج: لقد ثبت الإسلام، في مدى خمسة عشر قرناً أمام كلّ التيارات الفكريّة، وإذا كان بعض المسلمين قد خرجوا على الإسلام فهناك بعض آخر يملكون ثقافة الإسلام وقوّته وعقلانيته، وهم قادرون على متابعة المسيرة.

التاريخ:22/جمادي الأول/1422هـ،الموافق:12/8/2001م