قضايا مختلفة> الانتفاضة... الراهن والآفاق

 الانتفاضة... الراهن والآفاق

على ضوء المستجدات التي طرأت على القضية الفلسطينية، لا سيما بعد حوادث الحادي عشر من أيلول، وما أعقب ذلك من تبدلات جذرية في حركية الصراع الدائر على كامل مساحة فلسطين، والساحة الدولية، حيث تحاول الإدارة الأمريكية وبالتعاون مع حليفها الاسترتيجي الكيان الصهيوني، استكمال ما أسمته الحرب على "الإرهاب" بقصد الاستيلاء والسيطرة على ثروات الشعوب المستضعفة، وتركيع كل من يبدي ممانعة لمشروع الهيمنة الأمريكي، ولذلك رأينا من الضروري كشف ملابسات هذه التطورات، ودراسة خلفياتها، وما يمكن أن يترتب عليها،وذلك من خلال مواقف ورؤية سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، ومن على أكثر من منبر وحديث تلفزيوني وإذاعي وصحافي، آملين أن نقدم رؤية متكاملة حول هذه القضية.

 العمليات الاستشهادية في فلسطين 

 المشروع الصهيوني بين الاستراتيجية والتكتيك

المبادرة العربية ومسلسل التنازلات

 أمريكا: دعم لإسرائيل ومخططات للسيطرة

 المشروع الشاروني إلى أين؟

القضية الفلسطينية: التفاعلات والمكاسب

هجوم المقاومة على مواقع الاحتلال

فتوى بالمقاطعة للشركات الأمريكية وأساليب الدعم

العمليات الاستشهادية في فلسطين

بين الساحتين الأمريكية والفلسطينية

عمل العدو الصهيوني في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول، على إدراج حربه ضد الانتفاضة الفلسطينية في إطار الحرب العالمية التي أخذت تشنها الولايات المتحدة على ما سمته بالإرهاب، وكان التركيز الإسرائيلي على العلميات الجهادية لا سيما الاستشهادية التي اعتبرها شارون مماثلة لما حدث في أمريكا. وكان رأي سماحة السيد فضل الله أنه لا مجال للمقارنة " بين الساحتين، لأن الساحة الفلسطينية هي ساحة الحرب الحارة التي تستخدم فيها إسرائيل كل ما تملكه من الأسلحة الأميركية، التي جهزت للحروب الكبرى، من طائرات الـ" إف16" وطائرات الأباتشي والصواريخ والدبابات والمدافع ضد الفلسطينيين العزّل الذين لا يملكون إلا حجارة، أو بعض الأسلحة الخفيفة، أو بعض قنابل الهاون، هذا فضلاً عمّا يمارس عليهم من حصار جغرافي واقتصادي، والقيام بأبشع أنواع الجرائم، وهو ما يجعل الفلسطينيين، بفعل فقدان التوازن في موقفي الهجوم والدفاع، مضطرين إلى أن يواجهوا الدمار الإسرائيلي بإسقاط الأمن الإسرائيلي. لذلك فإنهم لا يهدفون إلى قتل المدنيين، بل إلى قتل المشروع الإسرائيلي الذي انطلق فيه آرييل شارون كعنوانٍ لحكومته. ومن الطبيعي أن "إسرائيل" التي تعتبر أن قتلها للمدنيين الفلسطينيين يتم على أساس خطأ، أو نتيجة لظلامات الحرب، فإن ظلامات الحرب، في المقابل، هي التي تبرر ما يقوم به المجاهدون في فلسطين من عمليات استشهادية، حتى لو كانت في مواقع مدنية.

لكن في أمريكا ليست هناك حرب حارة كي يردَّ فيها هؤلاء بهذا الأسلوب، وهذا خلاف ما قد يفكر فيه البعض أن من الممكن القيام ببعض الأعمال، التي هي غير مبررة من ناحية المبدأ.

وإذا كنا في القضايا الكبرى، نقول أن الغاية تبرر الوسيلة وتنظف الوسيلة، كما ورد في فتوى العلماء المسلمين، أنه في حال احتماء الكفار بأسرى المسلمين، فإن الفتوى تجيز قتل الأسرى المسلمين حين يتوقف تحقيق النصر على موت هؤلاء، فإننا أمام ما قام به هؤلاء من هجمات في أمريكا، نقول إن هذه الأعمال قد أفادت أميركا ولم تفد الإسلام ولا المسلمين، إذا كان المسلمون قد قاموا بها، بل إنها أثرت تأثيراً سلبياً على المسلمين في كل العالم، وهيأت لأميركا فرصة لأن تقمع كل حركة رافضة للسياسة الأميركية في المنطقة على جميع المستويات باسم الحرب على "الإرهاب"، لأنها تتهم كل من يقف ضدها وضد المصالح الأميركية بـ"الإرهاب"، وقد استطاعت أن تفتح لأميركا أبواب العالم، وأن تجعل العالم خاضعاً لأميركا، في البداية على الأقلّ، بقطع النظر عمّا سيأتي من نتائج، ولهذا فإنني أقول للذين قد يفكرون في أن مثل هذه العمليات مبرّر إذا كان الهدف الكبير لا يتحقق إلاّ بهذه الطريقة، أقول لهم إنها من الممكن أن تؤدي إلى عكس النتائج المطلوبة.

بعض المفتين لا يملكون ثقافة سياسية

أما بالنسبة لمن أطلقوا فتاوى يحرِّمون فيها العمليات الاستشهادية، وتحديداً بعد العمليات الجهادية التي نفِّذت في حيفا والقدس، فقد رأى سماحته: "إن مشكلتنا مع هؤلاء المفتين ـ مع احترامنا لمواقعهم ـ أنهم لا يملكون ثقافة سياسة الواقع، لأنهم ينظرون إلى الأمور بطريقة تجريدية. أن تقتل مدنياً هذا أمر محرم شرعاً إذا كان هذا المدني مسالماً أو إذا كان ذمياً. إنه عنوان كبير في الفقه الإسلامي، ولكن الفقيه إذا أراد أن يحرك عنواناً فقهياً عريضاً بالفتوى الإسلامية، يجب عليه دراسة حركية هذا العنوان في الواقع، فقد يكون الموضوع في عناصره بحسب الظروف المحيطة به حراماً في ذاته، ولكنه يصير حلالاً بلحاظ بعض الظروف الموضوعية إسلامياً، وفي هذا الإطار، نقدم نموذجاً لذلك في ما اتفق عليه المسلمون من أن الكفار إذا تترَّسوا بأسرى المسلمين وتوقف النصر على قتلهم جاز للمسلمين أن يقتلوهم، بل وجب عليهم أن يقتلوهم، ونحن نعرف أن قتل المسلم حرام، ولكنه صار بفعل الظروف الموجودة واجباً.

ولذلك علينا أن نناقش المسألة من ناحية واقعية، وهي أن اليهود احتلُّوا فلسطين كلها بما فيها القدس، وسكنوا الأراضي الفلسطينية، وهم يملكون الأسلحة التي أعدتها أمريكا لتتفوق على كل المنطقة العربية امتداداً إلى بعض انحاء المنطقة الإسلامية لتكون مواقع استراتيجية لهم. أما الفلسطينيون، فهم لا يملكون إلا الكثير من حجارة بلدهم وبعض الأسلحة الخفيفة وبعض قذائف الهاون التي يصنعونها بطريقة بدائية، ومن الطبيعي أنه ليس هناك توازن بين آلة الحرب العسكرية الإسرائيلية وبين ما يملكه الفلسطينيون. وهي ليست حرباً بين أشخاص هنا وأشخاص هناك، ولكنها حرب بين الأمن الفلسطيني الذي تريد إسرائيل أن تسقطه وأن تمرغه بالوحل حتى لا يبقى للفلسطيني أيُّ أمن في بيته أو مدرسته أو في كل موقع من مواقعه إلا بالبركة الإسرائيلية ، وبين الأمن الإسرائيلي الذي يمثل العنوان الكبير لحكومة شارون. لذلك فإن الفلسطينيين الذين عملت إسرائيل على تدمير أمنهم، بحاجة إلى سلاح يدافع عن هذا الأمن ليهز الأمن الإسرائيلي، بحيث يؤدي ذلك إلى تحقيق مكاسب سياسية تفرض على إسرائيل أن تنصاع مرغمة للتسليم ببعض حقوق الفلسطينيين المشروعة.

لذلك فإن الذين يفجرون أجسادهم في سوق إسرائيلي في أرضهم، وهي القدس، أو في مقهى أو ملهى إسرائيلي، إنما يعملون على قتل الأمن الإسرائيلي، ولا نوافق على أن غالبية الإسرائيليين هم من المدنيين، لأنهم في غالبيتهم جنود احتياط لإسرائيل، وهم عسكريون باحتلالهم لبيوت الفلسطينيين، فالحرب إذاً هنا ليست قتل مدنيين، ولكنها قتل الأمن الإسرائيلي، وهذا أمر جائز في الحرب، عندما تضطرك حرب الآخرين عليك والتي تحاصرك في أكثر من زنزانة وفي أكثر من زاوية، ونحن نعرف أن العالم كله يعتبر أن سقوط المدنيين في الحرب أمر طبيعي تفرضه شرعية الحرب، لهذا فإن هؤلاء المفتين بحاجة إلى ثقافة سياسية ميدانية واقعية تضع المسألة في ظروفها الواقعية التي قد تعطي عمل الفلسطيني معنى الاضطرار، ونحن نقرأ قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}.

وبهذه المناسبة، فإننا في الوقت الذي نتحفظ على فتوى شيخ الأزهر وفتوى العالم السعودي، فإننا نقدر الفتوى التي صدرت عن مفتي مصر التي تحدثت عن شرعية العمليات الاستشهادية في القدس وحيفا".

ولفت سماحته من جهة ثانية إلى أن هذا الأمر لا يقتصر على المسلمين فحسب، بل عرفته شعوب وأمم أخرى، حيث قال: "هذا ليس أمراً جديداً، اليابانيون قاموا بمثل ذلك في الحرب العالمية الثانية، وفي حرب قناة السويس سنة 1956، قام طيار سوري مسيحي بعملية استشهادية بطائرته ضد السفن الحربية ، هذا مع ملاحظة فكرية هامة، وهي أنه ليس هناك فرق بين الجندي الذي يذهب إلى المعركة ليقاتل وهو يعرف أنه سوف يموت بيد العدو، سواء اصطدم بلغم أرضي، أو بقنبلة يمكن أن تنفجر به، وبين من يقوم بتحويل نفسه إلى قنبلة، حيث تختلف فقط آليات المعركة، لعل المشكلة هي أن الغربيين يحملون ذهنية لا يتصورون فيها هذا الأسلوب كجزء من حركة المعركة، إننا نعرف أن هناك أسلحة مألوفة اعتادها الناس وأخرى لم يعتادوها، والعمليات الاستشهادية هي سلاح جديد اكتشفه فعل الإيمان، ولذلك نرى أنه لا فرق بين ذهنية الجندي الذي يقاتل بالطريقة التقليدية وذهنية الاستشهادي، لأن كلاهما ينطلق من خلال محاولة تحقيق الهدف الذي يؤمن به".

وإذا كان هذا الأمر غير مألوف في الذهنيات الغربية، فقد وجّه سماحته للغربيين، لاسيما للأوروبيين، نداءً دعاهم فيه إلى إعادة النظر في سياساتهم، والأخذ بعين الاعتبار بوجهة نظر المسلمين، وذلك في قوله: "نحبُّ للغربيين، وخصوصاً الأوروبيين منهم، الذين نريد أن نعيش معهم ضمن مصالح متبادلة وحوار متبادل، أن يفهموا وجهة نظرنا ولا يأخذوا بوجهة النظر الإسرائيلية".

الشهيدات يصنعن تاريخاً مجيداً للأمة

ولم يقتصر سماحته على إجازة العمليات الاستشهادية للرجال، بل ذهب إلى أكثر من ذلك، حين أجاز للاستشهاديات دخول ساحة المعركة، حاسماً الجدل والنقاش في هذا الموضوع وذلك بقوله: "لقد شكل الجهاد حالة واحدة للرجال والنساء معاً. وصحيح أن الإسلام لم يكلِّف المرأة بالجهاد، ولكنه أجاز لها أن تجاهد، لا سيما إذا كانت ضرورات الحرب الدفاعية تتطلب أن تنطلق النساء في أي عملية عسكرية عادية أو عسكرية استشهادية... لذلك، فإننا نعتقد أن اللواتي ينفذن العمليات الاستشهادية هن من الشهيدات اللواتي يصنعن تاريخاً جديداً ومجيداً للمرأة العربية المسلمة. من هنا، نتحفظ على كل الكلمات التي تحفظت على عمليات المرأة الاستشهادية، ونقول إنها جهاد كأية عملية جهادية أخرى، لأن الله لم يحدد لنا آلية للجهاد، فالآليات تفرضها حاجة المعركة".

وفي موقع آخر يعتبر "أن حركة المرأة أكثر ثواباً وفضلاً وإيثاراً من الرجل، لأن الرجل يتحرك من خلال أن الجهاد في مواقعه فرض عليه، أما المرأة فقد وضع الله عنها الجهاد، ولذلك فإن جهادها هو جهاد تطوّعي ينطلق من عمق إنسانيتها وعمق إيمانها بدينها وبأمتها، ولذلك فإن استشهاد المرأة في هذا الخط هو بألف شهادة إذا كان استشهاد الرجل بشهادة واحدة".

العلماء واجبهم توعية الناس

وأنحى سماحة السيد باللائمة على العلماء الذين يقفون موقف المتفرج من قضايا الصراع مع أعداء الأمة فقال "أما بالنسبة للعلماء، فإنني أتصور أن مسؤوليتهم هي أن ينطلقوا من أجل دراسة الواقع كله ومعرفة كيفية مواجهته، وأن ينطلقوا لمواجهة الأخطار المحدقة بالعالم العربي والإسلامي.. لأن القضية هي أن يقفوا وقفة واحدة من أجل توعية الأمة كلها، حتى يشعر كل فرد من الأمة أن مسألة الجهاد ضد إسرائيل هي مسألة شرعية لا بد لنا من تحريكها في الواقع على طريقة رسم الخطة، والبحث عن أية ثغرة يمكن أن ينفذ منها المتطوّعون والمسلحون لمشاركة الشعب الفلسطيني.

كما اعتبر أن من واجبهم أن يقوموا بتوعية الناس، لأن" دورهم هو تعبئة الشعوب من الناحية الدينية، ليعرف كل شعب أن مسألة دعم الفلسطينيين تكليف شرعي مباشر على كل مسلم ومسلمة، وإصدار الفتاوى الشرعية الملزمة بمقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية التي تدعم إسرائيل بالمطلق، وكل دولة تدعم إسرائيل بالمطلق، وبالدعوة الشرعية الملزمة لمقاطعة إسرائيل من الناحية الدبلوماسية... إننا نعتقد الآن أن المرحلة هي مرحلة الجهاد بكل معانيه، باعتبار أن الاستكبار برز مع الكفر كله إلى الإسلام والإيمان كله، وأن انتصار إسرائيل في فلسطين يمثل خطراً على المسلمين والعرب جميعاً. لذلك، إذا كانت الشعوب لا تستطيع الدخول إلى فلسطين لتقاتل من خلال الظروف المعقَّدة المحيطة بذلك، فإن عليها الجهاد بكل وسائل الدعم لهذه المعركة الفاصلة، بالمال وبالموقف السياسي وبالمظاهرات، وبكل المجالات.. إن على العلماء المسلمين أن يكونوا القيادة الإسلامية المتحركة إلى وحدة تلغى فيها كل الحساسيات بينهم، ليصدروا فتوى موحدة وموقفاً موحداً، لأن القضية تتجاوز كل الشخصيات والمرجعيات، وتتجاوز الحزبيات والحساسيات، القضية هي أن أمريكا تعمل على إضعاف الإسلام والمسلمين ..

فلا يجوز أن نتلهى بالقضايا الصغيرة عن القضايا الكبيرة، وإلا فإن العدوّ سوف يسقط كل مواقعنا، سواء الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو ما إلى ذلك، إن هناك معركة متواصلة، وعلينا الارتفاع إلى مستواها، لأنها معركة الحقِّ ضدَّ الباطل".

المشروع الصهيوني بين الاستراتيجية والتكتيك

استغلال الظروف

ومن أجل امتلاك معرفة أفضل بالعدو انطلق سماحة السيد أيضاً ليحلل خطط اليهود، وأهدافهم الاستراتيجية الرامية إلى إقامة دولة إسرائيل الكبرى، وذلك الإستفادة من كل الظروف التي تلف العالم، وخاصة الولايات المتحدة، وممّا جاء في تحليله قوله: "إن المسألة الاستراتيجية هي كيف يمكن لليهود أن يسيطروا على فلسطين كلها بطريقة واقعية من خلال الظروف الموجودة داخل فلسطين، أو التي تحيط بفلسطين في العالم العربي، أو الظروف التي تتحرك في اللعبة الدولية، لأن الاستراتيجية الإسرائيلية كانت تفكر في فلسطين كلها، وهي الساعية دائماً لتحقيق الحلم المستقبلي الذي لم تبتعد عنه بالمطلق، وهو إقامة دولة من الفرات إلى النيل، لهذا فإنها كانت تتحرك بطريقة مرحلية فبعد نجاحها في تقسيم فلسطين، امتدت ذراعها العسكرية إلى منطقة الضفة وغزّة، وإلى ما حول فلسطين، وعندما فرضت عليها الظروف السياسية الدولية أن تنكمش في طموحاتها الواقعية، بدأت تخطط كيف يمكن أن تقضم الضفة الغربية وغزة بأكثر من طريقة وفي مقدمتها الاستيطان، وعندما طرحت مسألة الدولة الفلسطينية، كانت هناك لعبة سياسية أمنية إسرائيلية، تحاول أن تخدر الفلسطينيين ببعض الاتفاقات لتتمرد عليها بعد ذلك ولتحمل الفلسطينيين مسؤولية خرقها.

وهكذا ارتدت اللعبة السياسية الأمنية الإسرائيلية لتستفيد من كلِّ الظروف الدولية، ولا سيما السياسة الأمريكية الخاضعة في سياستها الخارجية لمعطيات السياسة الداخلية من أجل استكمال إستراتيجيتها، لتكون هناك دولة فلسطينية تمثل سجناً للفلسطينيين، ولا يملكون فيها شيئاً، لينطلقوا إلى العالم كشعب مستقلّ. كما أنها حاولت الاستفادة في المرحلة الأخيرة من بعض الأحداث الداخلية في فلسطين، ولا سيما العمليات الاستشهادية، مقارنةً بعناوين الحرب الأمريكية على أفغانستان التي انطلقت بها ضد نظام طالبان تحت شعار إيوائهم للإرهابيين، باعتبار أن حركتي الجهاد وحماس والجبهة الشعبية حركات إرهابية. بهذا استطاعت أن تحكم على السلطة الفلسطينية بأنها داعمة أو مؤوية للإرهاب، لهذا تمت المسألة، بحيث انطلقت إسرائيل وأمريكا في الحرب الأمريكية الثانية ضد الإرهاب بيد إسرائيلية، لتحقق لإسرائيل مطامعها، وتحاصر الفلسطينيين في دائرة ضيقة قد تسميها دولة. وما زالت اللعبة تتحرك بتحالف دولي ضد السلطة الفلسطينية لأول مرة، مع بعض التحفظات التي تترك ثغرة هنا وثغرة هناك للاتحاد الأوروبي تارة أو لروسيا أخرى. ويمكن أن تتحسن ظروف هذا الوضع ولكن لمصلحة إسرائيل. إنها الحرب الأمريكية الثانية بنفس الشعارات بيد إسرائيلية وبغطاء دولي".

ضغوط للإخضاع وإيقاد الفتن

ولذلك نجد أنَّ إسرائيل ومن ورائها أمريكا، لم تقتصرا في حملتهما على ما يسمى بالإرهاب على بن لادن والمنظمات الفلسطينية، بل وسعتا من دائرة اتهامهما ليشمل المسلمين في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، وهذا ما أفصحت عنه أمريكا وظهر إلى السطح بعد أحداث 11 أيلول، حيث كان معظم المعتقلين والمطلوبين والمتهمين من الشرق الأوسط ومن المسلمين، فرأى سماحته أن دوافع هذه الحملة ترجع إلى "أن أمريكا تعرف بأن الشرق الأوسط هو خزَّان الرفض للسياسة الأمريكية، سيما وأن حلفاءها بدأوا يشعرون أن سياستها المفروضة عليهم بدأت تهدد مواقعهم لدى شعوبهم، والجميع يعرف بأن هذه الحركات التي تسمى "إرهابية" نشأت من خلال ضغوط السياسة الأمريكية على الواقع العربي في المسألة الفلسطينية وعلى أكثر من واقع عربي يخضع للحصار الأمريكي باسم الأمم المتحدة، لهذا فإن أمريكا قد تشعر، ومعها أوروبا، بأن هذا المناخ السياسي الرافض للسياسة الأمريكية أولاً، ولسياسة الدول الكبرى ثانيا،ً يتحرك في خط الحرية، وأنها إذا استطاعت السيطرة عليه، فإنها تجهز على كل مواقع الرفض للسياسة الأمريكية أو الغربية، لأن تأثير المنظمات الإسلامية في العالم العربي امتد إلى الساحة الإسلامية بشكل كبير، وهذا ما يفسر الحديث عن تنظيم القاعدة الذي يمتدُّ لأكثر من بلد إسلامي، وربما لاحظنا ذلك من خلال الصرخات التي كانت ترتفع في أكثر من دولة إسلامية غير عربية ضد حرب أمريكا على أفغانستان، والتي تشير إلى أن ضرب حركة الرفض في الشرق الأوسط، ولا سيما العربي، يعني إضعاف أو إلهاء الحركات الأخرى خارج أمريكا".

وتعتبر أمريكا أن الحرب على الانتفاضة في فلسطين استكمالاً للحرب على "الإرهاب"، التي لم تتوقف عند إعطاء شارون الضوء الأخضر في قتال الانتفاضة، بل تطورت حتى شملت سلطة الحكم الذاتي، وذلك للإجهاز نهائياً على آمال الفلسطينيين في الحرية والاستقلال، وإقامة دولة فلسطينية على القياس الشاروني، وهذا ما لفت إليه سماحته بقوله: "أمريكا تخوض حربها الثانية ضد ما تسميه "الإرهاب" في فلسطين ممثلاً بكل المجاهدين ضد الاحتلال، كحماس والجهاد وفتح وغيرها، ولكن بيدٍ إسرائيلية، بعد أن منحتها الشرعية السياسية في القيام بحرب كبيرة بالأسلحة المتطورة، بما في ذلك طائرات (إف16)، وتطورت القضية إلى مستوى اعتبار سلطة الحكم الذاتي في أجهزتها الأمنية "إرهابية" و"داعمة للإرهاب"، ما يجعل من قصف كل مواقعها ـ بحسب المنطق الأمريكي ـ أمراً مشروعاً و"دفاعاً عن النفس". ويدخل في ذلك قصف التلاميذ الخارجين من مدارسهم، وتبرير عملية الاغتيال للكوادر الفلسطينية، وتدمير البنية التحتية للشعب الفلسطيني..

إنها حرب أمريكا الثانية بقيادة صهيونية مدعومة بالموقف السياسي الأمريكي والبريطاني والدولي من حلفائها والمساعدات العسكرية والأمنية.

إن المطلوب ـ أمريكياً ـ هو إنهاء الانتفاضة بكل تنظيماتها، وتدمير أسلحتها وإسكات صوتها، لأن الهدف هو دولة فلسطينية على الطريقة الشارونية التي يملك فيها شارون كل القوة العسكرية والسياسية الأمريكية، في الوقت الذي لا يُراد للفلسطينيين أن يملكوا أية ورقة رابحة في لعبة القمار التفاوضي، لأن الانتفاضة ـ وحدها ـ هي الورقة الضاغطة على إسرائيل، ولا بد لها أن تسقط، ولأن الوحدة الشعبية الفلسطينية على قاعدة هدف التحرير والاستقلال تمثل ورقة رابحة أخرى، ولا بد لها أن تسقط تحت تأثير اللعبة السياسية الجديدة التي تملك تأييداً دولياً، وهي ملاحقة المجاهدين حتى في حركة فتح واعتقالهم ونزع سلاحهم وفرض الإقامة الجبرية على قياداتهم الدينية والسياسية باسم الانسجام مع الشرعية الدولية، ما قد يخلق حالة انقسام في الشعب الفلسطيني الذي يرى أنه ـ بأجمعه ـ يمثل الانتفاضة وليس فريقاً معيناً منه.. ويرى أنه معتقل من قِبَل إسرائيل في الحصار الكبير الذي حوّل كل قرية فلسطينية سجناً يمنع الخروج منه والدخول إليه".

ولكي تحقِّق مشروعها في القضاء على الانتفاضة، لم تدَّخر "إسرائيل" وسيلة إلاّ واستخدمتها، محاولةً إضعاف الممانعة الفلسطينية، فمارست مع حليفتها أمريكا ضغوطاً فوق العادة على السلطة الفلسطينية لاعتقال عناصر الانتفاضة، وهذا ما جعل البعض يتخوَّف من أن ينعكس هذا الوضع سلباً ويؤدي إلى صراع فلسطيني ـ فلسطيني، ما قد يؤدي إلى إجهاض الانتفاضة، ولكن سماحته دفع هذا القلق بقوله: "إنني أتصور أن الشعب الفلسطيني بمنظماته قد بلغ درجة الرشد السياسي في وعي اللعبة السياسية الإسرائيلية التي تريد أن تربح الحرب بتفجيرها الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني، ولكن هذا الشعب لا يمكن أن يدخل في أيِّ حرب داخلية، بل إنه يعضُّ على جراحه. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تصل باعتقالاتها إلى مستوى خلق الظروف الملائمة لحرب فلسطينية ـ فلسطينية، ولذلك فإن إسرائيل سوف تبقي السلطة في دائرة الاتهام بأنها لا تقوم بالاعتقالات بشكل جديّ، وبأنها تتم بالتراضي على الرغم من الصرخات التي تنطلق من المجاهدين خصوصاً. إن المطلوب إسرائيلياً وأمريكياً ليس اعتقال المجاهدين ومحاكمتهم، بل تدمير أسلحتهم وإلغاء تنظيماتهم، ومعنى ذلك هو إلغاء الشعب الفلسطيني الذي قد لا يكون منتمياً إلى هذه المنظمات بأجمعه، ولكن هذه المنظمات دخلت في عمق وجدانه ما يعني أن إلغاءها بهذه الطريقة هو إلغاء له. إن المشكلة المستعصية في هذه المرحلة هي أن أمريكا تنظر إلى حركة حماس والجهاد والجبهة الشعبية وبعض مواقع فتح تماماً كما تنظر إلى نظام طالبان، وكما كان المطلوب في حرب أفغانستان إسقاط نظام طالبان فالمطلوب إسقاط حركة الجهاد الفلسطيني والانتفاضة المسلحة المتحركة ضد إسرائيل".

بين التخطيط الصهيوني والانفعالات العربية

توقّف سماحة السيد أمام الحالة المأساوية لبلاد العرب والمسلمين، حيث القادة يراعون ويدرسون مواقف الاخرين وردود فعلهم، دون أن يحسبوا حسابات المصالح والأهداف، في حين يتحرك الصهاينة وفق منطق مقابل، وفي هذا المجال حثّ سماحته على ضرورة الاستفادة "من تجربة إسرائيل، على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي، التي تملك أغنى تجربة ناجحة في العالم، إن إسرائيل التي كانت تمثل خيالاً أسطورياً، حتى في نظر اليهود، إذ كانوا لا يصدقون أن تقوم لهم دولة، لا سيما في فلسطين، ولكنهم حوّلوا هذا الخيال إلى حقيقة، معتمدين سياسة النفس الطويل لتحقيق مشروع بهذا الحجم الخطر، واللعب على قضايا الزمن، وخططوا بشكل دقيق جداً في دراسة كل مواقع القوى في العالم، وركزوا على نقاط الضعف في هذا الموقف أو ذاك، وفي عملية التكامل بين كل مفاصله. وهكذا كان الشعار إلى أورشيلم، وهذا هو الذي جعل هيرتزل يقول في المؤتمر الصهيوني الأول إننا سندخل فلسطين بعد 50 عاماً ودخلوها بعد 50 عاماً، ثم حاولوا أن يستفيدوا مما حدث في ألمانيا، مستغلين عقدة الغرب غير الألماني من النازية، وزيّفوا التاريخ، وقدّموا إحصائية 6 ملايين يهودي في المحرقة، وحاصروا العالم الغربي بمعاداة السامية، ومنعوا هذا العالم الذي يقدس الحريات من أن يناقش حتى على المستوى التاريخي الأكذوبة اليهودية، أقله في العدد الذي قتله هتلر من اليهود، وأهملوا كل من هم من غير اليهود ممن قتلهم هتلر، ممن قد يزيد عددهم على اليهود، ثم حاولوا من خلال ذلك أن يقتربوا من مواقع القرار، فركزوا كل قوتهم في فرنسا. ولكن عندما استلم ديغول السلطة، وحاول أن يرسم بعض التحفظات في العلاقة بإسرائيل، وجهوا كل مواقعهم إلى أميركا، باعتبار أنها القوة الأولى في العالم، واستطاعوا أن ينفذوا أيضاً إلى الاتحاد السوفياتي، وإلى كل مواقع القوة، وأن يستخدموا الإعلام والسياسة، وأن يؤكدوا اقتصادهم من خلال حماية العلماء. فقد جمعوا كل علمائهم في العالم داخل كيانهم من أجل أن يكونوا حاجة للعالم. ولذلك أصبحت إسرائيل حاجة للصين وللهند ولأكثر من دولة إفريقية، وحاجة حتى لبريطانيا ولبعض الدول الأوروبية التي تستورد بعض أسلحتها، وحتى بعض خبراتها منها.

ثم لم يقبلوا الاستماع لأيّ نقد لما يقومون به داخل فلسطين، لأنهم يعتبرون أن مصلحة أمنهم وكيانهم فوق كل اعتبار. كانوا لا يخافون من أي جريمة يقومون بها لمجرد أنهم يحسبون حساب الانتقاد العام. وكانوا في حالات اشتداد الضغط عليهم، يحاولون أن يلعبوا على الأحداث وعلى المواقف بالطريقة التي تبعدهم عن دائرة الضغط القوي المباشر.

مشكلتنا أننا نحدّق بالعالم لأيّ عمل نعمله، ونخاف من احتجاج أميركي هنا، واحتجاج بريطاني هناك، وحملة صحافية وإعلامية هنالك. إن علينا أن نحسب حسابنا، لكن علينا ألا نسقط أمامه، لأن المسألة أن هناك حرباً صهيونية تتقاطع مع حرب استكبارية تحاول أن تسقطنا مع أنفسنا قبل أن نسقط في المعركة مع الآخرين".

المبادرة العربية ومسلسل التنازلات

خيار التسوية... قوة لإسرائيل

وأشار سماحته إلى الوضع الخطير الذي تعيشه المجتمعات العربية، حيث تخلَّت الأنظمة العربية عن كل خيارات المواجهة والردع، وأبقت على خيار التسوية، الذي يسمح للعدو الصهيوني أن يمعن بغطرسته بشكل مستمر، ويعمل على تحقيق أحلامه بحرية أكبر، بل إعطائه مزيداً من القوة : "لقد عملت اللعبة الأمريكية ـ الإسرائيلية على إبقاء التسوية كخيار للمرحلة.. أما المظاهرات الأخيرة لليهود في فلسطين المحتلة والرافضة للانسحاب، فهي دليل إضافي يثبت للعالم أن الحقد اليهودي والعنصرية الإسرائيلية لا تزالان تمثلان الوجه البشع لإسرائيل.

إن المستقبل لن يتحرك في اتجاه السلام حتى لو نجحت التسوية، لأن الشعوب العربية لا تزال تعيش القهر السياسي والأمني والاقتصادي أمام الواقع السياسي الجديد الذي ترعاه أمريكا وتخطِّط له إسرائيل، حتى تَّحول الكيان الصهيوني إلى قوة عظمى في المنطقة أشبه بأمريكا صغيرة، بحيث تفرض شروطها الأمنية والسياسية والاقتصادية على الواقع العربي كله في مرحلة التسوية وما بعدها، وهذا هو الذي نتمثَّله في هذه المرحلة في عملية الشدِّ والجذب في المفاوضات السورية - الإسرائيلية، وفي أسلوب النفاق الأمريكي في حركة أمريكا في المفاوضات.. وهذا ما سوف يواجه الموقف اللبناني في المستقبل القريب.

إننا نؤكد أن التسوية مهما كانت النتائج، لن تحمل قوةً للعرب، وأن العرب لن يحققوا التوازن في الموقف إلا إذا اكتشفوا سرَّ وحدتهم وتضامنهم في مواجهة الموقف الجديد الذي سوف يتولى التوقيع الأخير على الهزيمة العربية في ساحة الصراع.. وعليهم أن يعرفوا جيداً أن أمريكا سوف تستمر في عملية التمييع والتضييع، لأن هدفها الأول والأخير هو الأمن الإسرائيلي ضد كل أمن عربي وإسلامي. ولا بد أن يكون التعامل معها على أساس أنها ليست الصديق ولا الحليف ولا الوسيط النزيه، بل هي العدوّ والخصم في جميع الاتجاهات".

المبادرات دليل ضعف

اعتبر سماحته أن واشنطن تمارس ضغوطاً مكثفة على الأنظمة العربية، لإستدرار تنازلات مستمرة، معتبراً أن إطلاق المبادرات العربية هو دليل ضعف، وهذا ما عبر عنه بقوله: "لقد أعطت أمريكا لـ "شارون" الضوء الأخضر لكي يدمَّر ويقتل خلال كل هذه الفترة التي تمتد لأكثر من سنة.. وهكذا عادت لنا كربلاء في فلسطين، وعادت كل أنهار الدماء، وبدأت الأسئلة حول كيفيات الحل ومن الذي يقدّم المبادرة، هل يقدمها الظالم أم المظلوم؟ وانطلقت الأمور بشكل عكسي منذ رفع شعار: "لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف"، فيقدم المظلوم المبادرة، لأنَّ العالم وصل إلى طريق مسدود، فأريد للعرب وللقمة العربية أن تقدم مبادرات جديدة مع العدو لإخراج المناخ السياسي من المأزق، ونحن نسأل: ماذا تتضمن هذه المبادرات، وماذا كان هناك في مؤتمر مدريد، ألم ينطلق من مقولة: "الأرض مقابل "السلام" كما يدّعون، والذي يعني الاعتراف بالكيان الصهيوني.. ولكن المسألة هي أنه يراد للعرب أن يواصلوا تقديم المبادرات، وهذا ما يراد للقمة المقبلة أن تقوم به".

وبمختصر مفيد "إن هذه الحرب المدمرة، وهذه المذابح التي انطلقت ضد الفلسطينين، وفي المقابل، هذه الوقفة الصلبة للشعب الفلسطيني، جعلت العالم يبحث في إخراج الجو السياسي من المأزق، وأريد للعرب أن يقدموا المبادرات لتكون حركة لإخراج الواقع السياسي من المأزق، حتى تندفع المفاوضات تحت عنوان المبادرة، ليُقال إن عليكم أن تقدموا تنازلات مؤلمة تحت عناوين أن لا ضرورة للقدس القديمة أو أرجعوا بعض اللاجئين، واسحبوا اليهود من بعض المستوطنات وهكذا.. لأنه معروف أن أية مبادرة لا تُقبل إلا كعنصر مفاوضات، وهذا ما عبرت عنه أمريكا، وهذا ما عبرت عنه إسرائيل وهي تتحدث عن التطبيع قبل أية مفاوضات".

ومن هذا المنطلق، حذَّر سماحته من أن تتحرك القمة العربية المقبلة في هذا الخط، مؤكداً "أن الانتفاضة استطاعت أن تصنع لنا تاريخاً في المعنى، وإن عاشت كل الجراحات والآلام في الواقع، كما صنعت المقاومة في لبنان تاريخاً، وقيمة هذا التاريخ أنه أثبت للعالم العربي والإسلامي أنه من الممكن أن ننتصر إذا كانت لنا الإرادة، المهم أن نعرف ماذا نريد، لأن الكثيرين منا لا يعرفون ما يريدون، والمهم أن نخطط، لأن الكثيرين منّا يرتجلون الحماس والانفعال، وقد قتلنا الارتجال السياسي والاقتصادي والأمني".

أما مؤتمر القمة العربية المنعقد مؤخراً في بيروت، وما صدر عنه من مقررات، وخاصة المبادرة التي أطلقتها السعودية وتبنتها القمة، فإنها حققت بعض التضامن العربي في الشكل، ولكنها جاءت من حيث طبيعتها، وفي الظروف التي انطلقت فيها، لتعبر عن مأزق سياسي دولي أنتجته المسألة الفلسطينية، ولذلك جاءت نتائجها لتصبَّ في اتجاه تبريد الأزمة لا لتحلّها، ولتعبر بطريقة وبأخرى عن مدى ارتهان الإرادة العربية وعجزها، وهذا ما عبر عنه سماحته بقوله:"في تصوري أن قيمة المبادرة هي أنها مثلت عنواناً للتضامن العربي على الأقلّ في الشكل أو المضمون، لأن تاريخ العلاقات العربية حتى في داخل الجامعة العربية، كان تاريخ التمزق، باعتبار أنه ليس هناك عالم عربي، بل هناك دول متعددة تعيش خصوصياتها، تلتقي في أنها تنطق باللغة العربية، لذلك فإن قيمة هذه القمة هي أنها أعطت وجهاً من وجوه التضامن العربي، بالرغم من الخلفيات التي دلّلت على هشاشة هذا التضامن، ذلك أن عدم حضور المسؤولين الفاعلين الذين تمثَّل بلادهم موقعاً متقدماً، لا سيّما في القضية الفلسطينية، أوجد ضعفاً في هذه القمة، لا سيما إذا لاحظنا أن هناك خصوصيات لدى هذا المسؤول أو ذاك المسؤول فرضت عليه عدم الحضور للقمة، ما يبتعد عن إحساس بضخامة المسؤولية".

طبيعة المبادرة

"أما في طبيعة المبادرة، فإننا نتصور أن المبادرة كانت من أجل إخراج الواقع السياسي الدولي الذي وصل إلى طريق مسدود للمسألة الفلسطينية، من المأزق الذي عاشه، لأن هذا الواقع قد وصل إلى مرحلة الجمود، بحيث وقف الجميع أمام الحائط المسدود، فضعفوا وضعف الكيان الصهيوني أمام كل حركة واقع الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ولذلك فإنني أتصور أن هذه المبادرة كانت حركة لا تبتعد عن بعض الخلفيات الدولية لإخراج المسألة السياسية الدولية من المأزق، لأننا من خلال متابعتنا لردود الفعل الدولية التي انطلقت حول المبادرة، سواء قبل القمة أو بعد القمة، نجد بأنها كانت تتحدث عنها كما تحدث الرئيس الأمريكي أنها مجرد حافز للمفاوضات وليس خطة للتنفيذ، الأمر الذي يعني أن القضية انطلقت من أجل أن تخرق هذا الحاجز، وإلا فإن الخطاب العربي في القمة تحدَّث عن أن المبادرة تمثِّل الانفتاح العربي على مسألة السلام؛ وذلك بهدف وضع الكرة في ملعب إسرائيل. ونحن نعتقد أن مؤتمر مدريد كان يمثل مبادرة، لأنه طرح مسألة الأرض في مقابل السلام، والمبادرة لا تزيد عن ذلك، بل كانت المبادرة العربية متخلّفة في بداية انطلاقتها لو لم تتحرك بعض التعقيدات العربية في سدّ بعض النقص فيها في مسألة عودة اللاجئين وفي مسألة رفض التوطين وما إلى ذلك".

المبادرة وجهُ من وجوه التنازلات العربية

"لهذا، فإنني أتصور أن المبادرة تمثل وجهاً من وجوه التنازلات العربية التي بدأت في قمة الجزائر مع اللاءات الثلاث: لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف، ثم توالت في قمة المغرب، واستكملت في الصلح مع إسرائيل، سواء كان بشكل مباشر على مستوى الدبلوماسية، أو بشكل غير مباشر على مستوى التحركات الاقتصادية وما إلى ذلك. إن المسألة هي أن العرب الذين هم المحرومون وهم المقتولون وهم المشردون، يقدمون إلى المجرم عرض السلام وهو لا يملك سلاماً إلا على أساس شروطه، فردّ الفعل الإسرائيلي الأولي ينسف المبادرة، لأنه يتحدث عن أن الرجوع إلى حدود 1967 يدمّر إسرائيل، وأن عودة اللاجئين تدمّر إسرائيل، ثم تكرّ المسبحة بعد ذلك في مسألة المستوطنات وفي مسألة القدس.

إن العرب الذين طرحوا المبادرة لم يكونوا واقعيين في دراسة المعطيات، لأنهم أرادوا أن يسجِّلوا نقطة على إسرائيل، أو أن يدفعوا بالكرة إلى ملعب إسرائيل، وهم يعرفون أن إسرائيل تعني أمريكا، وأن أمريكا لا تسمح بأيِّ ضغط على إسرائيل يبتعد بها عن كل استراتيجيتها، والأهداف الاستراتيجية الأمريكية تتلخص بدور لدولة العدوّ يقوم على استنزاف كل ما يمكن استنـزافه من المنطقة سياسياً وأمنياً، حتى تعود لتمدَّ يديها إلى ما يسمى بالسلام وفق المفهوم الإسرائيلي، لقد أُريد للعرب أن يقوموا بمبادرة، فكانت المبادرة".

التوقيت السيىّء

إضافةً إلى ملاحظاته السابقة حول عدم جدوائية القمة العربية، وفشلها في التعبير عن هموم الأمة وقضاياها، خلا بعض الأمور الشكلية، شكَّل التوقيت الذي عقدت فيه عاملاً إضافياً من عوامل الفشل، حيث رأى سماحته أنه" أسوأ وقت تطرح فيه المبادرة، فالانتفاضة تعيش في أصعب ظروفها، بعد أن استهدفتها أمريكا في إطار حربها على ما يسمى "الإرهاب"، واعتبرت إسرائيل حليفة في هذه المواجهة، في حين أرادت للانتفاضة أن تنهي نفسها بأن يحارب بعضها بعضاً باسم محاربة "الإرهاب" تماماً كما لو لم يكن هناك وطن محتلٌ يراد تحريره، ولم تكن هناك قضية يراد حلها، لذلك عندما ندرس مؤتمر القمة، فإننا نجد أنه كان يعيش على السطح، ولكنه لم ينفذ ولو إلى شبر في الأرض".

أمريكا: دعم لإسرائيل ومخططات للسيطرة

الكلمات للعرب والمواقف للعدو

وفي ضوء أحداث 11 أيلول/ سبتمبر وما نشأ عنها من مضاعفات وانعكاسات على القضية الفلسطينية، سواء على ما يسمى التسوية السلمية، أو على صعيد مستقبل الانتفاضة وتطورها، خاصة في ظلّ دعوات الاحتجاج والمسيرات في معظم البلاد العربية والعالم، كانت لسماحته تصورات حول هذا الموضوع : "إنني أتصور أن السلبية التي واجهت القضية الفلسطينية في أحداث أيلول، هي أنها أبعدت القضية الفلسطينية إعلامياً وسياسياً في اهتمامات العالم عن دائرة الضوء، وأصبح الحديث عنها أشبه بالحديث الهامشي الذي لا يثير القارئ أو المستمع في أي مكان في العالم، ولا سيما مع قيام الإعلام الأميركي بحجب كل الجرائم الإسرائيلية عن الإنسان الأميركي، لكن ضغط القضية الفلسطينية على المشروع الأميركي ـ التحالف الدولي ضد ما تسميه الإرهاب ـ جعل أميركا ومعها بريطانيا تحرك القضية لتكون في الواجهة البارزة، أو في الواجهة الرئيسية للإعلام وللخط السياسي، باعتبار أنها دخلت مشروع التحالف الدولي لتؤثر سلباً في دخول الدول العربية والإسلامية هذا التحالف، وهو أمر حيوي وضروري لنجاح التحالف، باعتبار أن "الإرهاب" الذي طرح كعدوّ لا بد من التحالف للقضاء عليه، هو "الإرهاب الإسلامي". لذلك، فإن دخول الدول الإسلامية هذا التحالف يعتبر أمراً ضرورياً وحيوياً، وعندما دعيت هذه الدول إلى دخول هذا التحالف، أثارت مسألة الإرهاب الإسرائيلي باعتباره نوعاً من أنواع الإرهاب، وهو ما لم توافق عليه أميركا. وأثارت أيضاً مسألة احتلال أراضي الضفة الغربية وغزة ، بما فيها القدس بعد 1967، كما جاء في قرارات مجلس الأمن ، ولكن هذه الأراضي كما جاء في الصيغة الأمريكية، هي حرب في أرض متنازع بشأنها، ولذلك رفضت الدول العربية والإسلامية الدخول في هذا التحالف أمام ضغط شعوبها، ما دامت الممارسات الإسرائيلية بهذا الحجم في فلسطين، لأن الشعوب لن تغفر لهم ذلك، بالرغم من معرفتنا أن هذه الأنظمة هي في أغلبيتها أنظمة موظفة لدى الاستخبارات الأميركية، لا لدى الإدارة الأميركية، التي وظفت بعض الناس من ملوك وأمراء ورؤساء وما أشبه ذلك.

لهذا بدأت أمريكا ترسل بعض الإشارات، محاولة خداع العالم العربي والإسلامي ببعض التفصيلات، كالانسحاب من المناطق التي احتلت من مواقع السلطة الفلسطينية، وما إلى ذلك. ودخلت بريطانيا على الخط، ودخل الاتحاد الأوروبي باعتبار أنه أقرب إلى دول العالم العربي والإسلامي، وما زالت القضية تتفاعل. لذلك نحن نعتقد أن هناك إيجابية في إخراج القضية الفلسطينية إلى دائرة الضوء، وإثارة اهتمام العالم المعني بالمنطقة، وهو الاتحاد الأوروبي وروسيا، بالمسألة الفلسطينية من جديد. لكننا نتصور أن أميركا حتى الآن ليست مُعدَّة للدخول بقوة في عملية التسوية، لانشغالها بمشروعها، حيث المفردات المستجدة تستحوذ على جلِّ اهتماماتها، وخصوصاً أن القضية الفلسطينية هي تماماً كقضية الرجل المريض الذي طال مرضه من وجهة نظر السياسة الأمريكية، وهو ما يجعل حلها قابلاً للتأجيل، كما أن بوش، هذه الشخصية الضعيفة التي لا تملك رؤية سياسية واضحة للأحداث، لأنه لم يكن يملك هذه الاهتمامات السياسية في مستوى دولة كأميركا، لا يزال خاضعاً لهذا النوع من التجاذب بين أعضاء إدارته، بين ما يسمى الحمائم والصقور، ولا سيما بالنسبة إلى نائبه ووزير دفاعه، ويضاف إلى ذلك موقف الكونغرس الأميركي الذي يسيطر عليه اللوبي الصهيوني، والذي هو بحاجة إلى موافقته على المشاريع التي يقدمها إليه.

لهذا فإني أتصور أن المرحلة ليست مرحلة الضغط الأميركي على إسرائيل من أجل التسوية بما يحقق للفلسطينيين حقوقهم المشروعة. لكن يبقى الدور الأوروبي، مضافاً إلى الدور الروسي، الذي يشغل العالم العربي والإسلامي والفلسطيني ببعض الزيارات والتصريحات والمفاوضات، وتبقى أيضاً مسألة استهلاك تجربة مشروع ميتشل، ومشروع إيقاف العنف وما إلى ذلك في هذه الدوامة التي يريد شارون أن تُبقي القضية الفلسطينية في داخلها. وبعبارة أخرى، إن المرحلة ليست مرحلة التسوية، وإنما هي مرحلة إثارة القضية في التداول من أجل أن يقع العرب تحت تأثير أن أميركا فتحت أكثر من نافذة، وأن على العرب أن يقتربوا منها ويحصلوا على ودّها بتسهيل أمورها بما تريده منهم، لعلهم يشجعونها على تقديم المزيد من ذلك. وهذا هو ما قلناه أكثر من مرة: إن أميركا تبيع الكلمات للعرب وتبيع المواقف لإسرائيل، لأن العرب ما زالوا يعيشون تحت تأثير الكلمات، بينما إسرائيل كانت مع المواقف من بدايتها حتى الآن.

أمّا تأثير ذلك في العالم العربي، فإنه قد يتحرك من خلال ما تنشره أميركا من محاولات تثير القلق في المنطقة، لتسجل اسم منظمة جهادية كحماس أو الجهاد أو حزب الله في خانة "الإرهاب"، لتشغل بذلك الواقع السياسي في لبنان وفي العالم العربي: هل هذا إرهاب أم لا؟ وكيف نتصرف في مواجهته؟ وهو ما يخلق جدلاً داخلياً وخارجياً يشغل الناس عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية المصيرية، باعتبار أن أفضل وسيلة لإشغال الناس عن القضايا الكبرى هي طرح القضايا الصغيرة التي تثير الجدل كي يستغرق الناس فيها، ونحن أمة تحركها المفردات الجزئية التي تأكل القضايا الكبرى".

أميركا تستهدف السيطرة على العالم

شهرت الولايات المتحدة في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول سيف الإرهاب، لتسلطه على رقاب الشعوب، لتغيير الكثير من المعادلات، ولتكشف عن الكثير من المكنونات أيضاً.. فقدم سماحته رؤيته حول هذا الموضوع بخلفياته السياسية والاقتصادية والأمنية ... "لو أردنا أن ندرس طبيعة المرحلة العالمية عشية أحداث الحادي عشر من أيلول، فإننا نجد أن أمريكا كانت مثقلة بالأزمات العالمية، بفعل مواجهة أكثر من شعب لسياستها التي تمثل مصادرة مصالح الشعوب لحساب مصالحها، وذلك بالطريقة التي لا ترتكز على أية قاعدة إنسانية، وعلى أي منطلق في مسألة حقوق الإنسان أو الحرية. لقد كانت أمريكا تعيش أكثر من أزمة، وكانت تواجه أكثر من موقف يتحدى عنفوانها في أكثر من موقع، بقطع النظر عن الخطأ والصواب في هذا الأسلوب أو ذاك، ولكنه يعطي نتيجة واحدة في أن هذا الاحتقان النفسي الذي يتحرك في وجدان الشعوب يعبر عن نفسه بوسائل قد تكون حضارية وقد تكون بدائية.

وكانت أمريكا تتحرك من أجل أن تبحث عن القوى الكامنة وراء ذلك، ولكن من دون أن تصل إلى نتيجة حاسمة، لأن المسألة تماماً كانت تعيش في أوضاع ضبابية لا تجد هناك أية فرصة للإضاءة عليها أمنياً أو سياسياً. وهكذا رأينا كيف كانت التفجيرات في اليمن وما إلى ذلك من الأزمات الكبيرة والصغيرة هنا وهناك.. وكانت مشكلة أمريكا أنها لا تتساءل لماذا حدث ما حدث، بل كانت تحمّل الجهات التي كانت تقوم بذلك كل المسؤولية، كما لو أنها ارتكبت جريمة كبيرة، فالولايات المتحدة، ومن موقع قوتها الدولية، ليست مستعدة أن تحاسب نفسها وتعيد النظر في سياستها أو تشعر بأن هناك شعوباً تحتاج إلى أن تنفتح وتتقدم وتتحسس إنسانيتها في كل علاقاتها الدولية.. وكان السؤال الذي يلحّ على الأمريكيين هو: لماذا تكرههم الشعوب؟

وكانوا يتحدثون عن عقدة دينية هنا وعقدة قومية هناك، من دون أن يتحدثوا عن العقدة السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية التي تقف وراء ذلك، وهكذا تحركت السياسة الأمريكية في داخل الأزمات المتلاحقة، وبدأت المحاور الدولية الأخرى، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، تبحث عن ثغرة تنفذ منها إلى الجدار الأمريكي المنصوب في العالم، لتأخذ فرصة في هذا الموقع وفرصة في ذاك الموقع على حساب الولايات المتحدة التي تحركت لتفرض غطرستها لتحاصر دولة هنا ودولة هناك، ما انعكس سلباً على اقتصادها، لأنها حرمت من مكاسب هذه الدولة أو تلك، وجاء الزلزال حينما حدثت التفجيرات في أمريكا، وكانت الصدمة كبيرة، لأن أمريكا كانت تعيش في أمن واستقرار كبيرين، حيث كانت تشعر بأن كل العالم يمكن أن يتعرض لتحديات أو اعتداءات دون أن تتعرض هي لأي اهتزاز.. وكان الشعب الأمريكي يعيش حالة استرخاء أمني، كما لو كانت أمريكا هي جنة الله. وفجأة حدث ما حدث، وعاشت أمريكا في بضع ساعات حالة انعدام الوزن، فلم يشعر العالم أن هناك قيادة سياسية أو أمنية أو عسكرية في واشنطن خلال الساعات الأولى.. وأفاقت أمريكا من هول الصدمة، وفكرت أن تعالج هذه المشكلة الجديدة وأن تضرب ألفاً بحجر واحد.

لقد أرادت في البداية أن تنفس هذا الاحتقان الذي تعرض له الشعب الأمريكي، بعد أن بدأ يشعر بأنه لا يملك صلابة في الأرض التي يعيش فيها، وأن من الممكن أن يقصف كما يقصف أيّ بلد آخر..

وانتبهت أمريكا إلى أن هناك شخصية استهلكها الإعلام في عالم الإرهاب، وهو بن لادن وتنظيم القاعدة، فاتخذت ذلك ذريعة لتطالب بتسليمه، ثم مارست حرباً نفسية على نظام طالبان بطريقة عرفت من خلالها أنه سيرفض تسليم بن لادن، تماماً كما تعاملت مع العراق عندما كانت تحاوره خلال حرب الخليج الثانية، وهي تعرف بحسب الأساليب النفسية أنه سيرفض، لأن الطلب لم يكن دبلوماسياً، إنما كان طلباً للخضوع للتيار الأمريكي، وهكذا هيّأت كل ظروف حرب أفغانستان، لا سيما بعد أن مارست ضغوطاً هائلة على باكستان الضعيفة ذاتياً، والأمريكية تاريخياً. وبعد ذلك، أقنعت الاتحاد الأوروبي وروسيا مستغلة التعقيدات السياسية والمصالح المتبادلة في هذا المجال، لتكون الحرب حرباً عالمية تتحرك في خطوطٍ تنطلق من الدول الكبرى، ثم تنطلق تفصيلاتها في الدول الصغيرة التي واجهتها واشطن بالتهديدات الحاسمة في ظلّ شعار: "إما أن تكونوا معنا أو ضدنا، وعليكم أن تتحملوا مسؤولية ذلك".

واندلعت حرب أفغانستان لتعالج الحالة النفسية للشعب الأمريكي، بهدف إقناعه بأن أمريكا لا تزال هي القوة التي تستطيع أن تعاقب كل من يعتدي عليها بأية وسيلة.. وكانت هذه المظاهرة العالمية التي انتصر لها الاتحاد الأوروبي مع روسيا والصين واليابان، وكل دول الغرب والعالم بطريقة خجولة أو بطريقة خاضعة خضوعاً مطلقاً، وشعرت أمريكا أنها قادرة على أن تقود العالم كما تريد من دون أن يناقشها أحد في عدالة هذه الحرب، وفي الإثباتات القضائية لمعطيات هذه الحرب، علماً بأن بعض دول أوروبا، وبعد الحدث، أخذت تسجل تحفظاتها وتدعو إلى الدقة، ولكنها تخلّت عنها بفعل بعض التطورات أو تبادل المصالح.

لقد خاضت أمريكا حرباً عالمية ضدّ أضعف دولة في العالم، وذلك بتضخيم قوة تلك الدولة وتضخيم قدرة الشخص المطلوب حتى يكون في مستوى أمريكا، بحيث حولته إلى بطل أسطوري، ما جعل الصورة تبدو وكأنها حربٌ عالمية ضد شخص، وبذلك أعطت الشخص ضخامته على مستوى العالم الإسلامي الذي كان يبحث عن بطل، أي بطل في غياب البطولات الاستعراضية، وكان "بن لادن" هو البطل، ثم لاحظنا إلى جانب ذلك، أن أمريكا استفادت من هذا المناخ لتنفذ كل خططها المعدة للسيطرة على ذلك الجزء من العالم، لأن الذين كانوا يعترضون سابقاً لا يملكون أن يعترضوا الآن، باعتبار أن سيف الإرهاب مسلط عليهم، في الوقت الذي لم تسمح أمريكا لأي بلد عربي أو إسلامي أو أوروبي أن يناقش في مفهوم الإرهاب، تحت شعار أنه ليس هناك إرهاب جيد وإرهاب سيّىء، إنما الإرهاب شرّ كله حتى لو مارست العنف من أجل تحرير بلدك.

واشنطن المناورات المتحركة

"وبذلك دخلت المسألة الفلسطينية في هذه الدائرة، ونحن نعرف أن أمريكا تعمل، ولا تزال، بطريقة تستخدم فيها كل أساليب النفاق السياسي، على أن تحقق للصهيونية كل المكاسب في الحاضر والمستبقل، ولهذا كانت اللعبة الأمريكية مترافقة مع اللعبة الإسرائيلية. وإذا كان قد بدا أنها عرضت أمام الفلسطينيين كل الفرص، إلا أنها حركت كل اللعبة السياسية الدولية لتضع كل الحواجز وبطريقة خفية لإفشالها، أو عبر تحريك بعض الأوضاع السياسية والأمنية..

وهذا ما لاحظناه عندما كانت المفاوضات تتحرك بعنوان عريض، ولكنها كانت تصطدم بالحائط المسدود من خلال تفصيل هنا وتفصيل هناك، ومن خلال اللغة الخجولة التي قد توجّه لانتقاد سلوك هنا أو عمل هناك، بينما تكون العصا الأمريكية موجهة لرأس الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية.

ولتغطية هذه السياسة الأمريكية، اقتضت اللعبة أن يعلن الرئيس الأمريكي قبوله بالدولة الفلسطينية، فرمى الطعم الذي يجتذب كل الأسماك الصغيرة، سواء كانت هذه الأسماك عربية أو إسلامية، وصفق الجميع للدولة الفلسطينية الغامضة الضبابية، التي قد تلتقي مع كل ما يريده شارون، ولكنها قد توحي لكل الواقع العربي والإسلامي بما يحبون أن يفهموه، وإن لم تكن هناك أية قاعدة لما يمكن أن يفهموه، وهكذا انطلقت اللعبة في تصريح هنا وتشجيع وتصريح هناك، ثم تتراجع المواقف، وبعدها حُرك مشروع ميتشل واقتراحات تينيت، وضاعت القضية الفلسطينية، وبدأ الجميع يلهثون حول التفاصيل التي لا تجد الكثير من الإصغاء..

لقد تمكّنت السياسة الأمريكية التي تختبئ خلفها السياسة الإسرائيلية من استغلال حدث11 أيلول وتمييع القضية الفلسطينية، وإيجاد ظروف صعبة قاسية ضاغطة ضد الفلسطينيين، عندما اعتبرت أن الانتفاضة عنف، وأن عليهم أن يوقفوا هذا العنف، وأن الانتفاضة إرهاب وأن عليهم أن يحاربوا هذا الإرهاب، وأن الإسرائيليين ضحايا ذلك.

وتحركت التعقيدات أمام الانتفاضة هنا وهناك، والتي صنعتها الغطرسة الصهيونية بهدف تحقيق الإبادة الشاملة للشعب الفلسطيني، الذي لم يجد لنفسه أي منفذ إلا الإيحاء للصهاينة بأن الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن يتحقق حتى في داخل المناطق المحتلة عام 1948، ما دام الأمن الفلسطيني لا تتوفر له شروطه الطبيعية.

ولا تزال اللعبة متحركة، ونشعر أن أمريكا هي المسؤولة، وقد اجتذبت إلى هذه اللعبة الجديدة الاتحاد الأوروبي وروسيا واجتذبت في الخفاء أكثر من دولة عربية وإسلامية، من خلال أكثر من حالة ضعف وأكثر من حالة عجز وأكثر من مصلحة دولية، وتحوّلت الحرب إلى ما يشبه الحرب العالمية ضد الشعب الفلسطيني، على قاعدة إما أن تقتلوا بعضكم بعضاً وأن تضطهدوا المجاهدين، وإلا فإن العالم سوف يقف مع إسرائيل (الضحية) التي تدافع عن نفسها. وسقطت كل الكلمات، وبكل اللغات السياسية من خلال هذه اللعبة.

إن العالم في هذه المرحلة، يُراد له أن يعيش في حالة انقلاب لمصلحة أمريكا، ولكني أتصوّر أنها فترة انتقال قد تُمكّن العالم الآخر، الذي يملك مصالح تختلف عن المصالح الأمريكية، ليعيد النظر بأكثر من خط من خطوط سياسته، وإذا كانت أمريكا تتحرك ضد ما يسمى بالإرهاب في العالم، فإن ما سينتج عنه هو توسيع الدائرة، أي إرهاباً جديداً لن يكون في دائرة كل حزبٍ أو منظمة، ولكن في دائرة كل شخص يشعر بالقهر".

شكوك حول إقصاء النظام العراقي

في ظل الحديث عن مرحلة ما بعد أفغانستان، وتزايد التكهّنات حول إمكان ضرب العراق، باعتبار أن صدّام حسين فقد مبررات وجوده الأميركية، أبدى سماحته خشيته من "أن تكون الخطة الأميركية تقضي بالإبقاء على هذا الرجل مع نظامه، لأن أميركا منذ خاضت حرب (تحرير) الكويت لم تضع في حسابها إسقاط نظام صدام، بل عملت على المحافظة عليه، ولذلك عندما انطلقت الانتفاضة، أعطت أميركا الجيش العراقي القوة لقمع شعب العراق وانتفاضته، باعتبار أنها كانت تخشى من أن تكون الانتفاضة وسيلة من وسائل دخول النفوذ الإيراني إلى العراق.

إن وجود هذا الرجل على رأس النظام العراقي، قد يحقق أكثر من مصلحة أميركية تثبت القواعد الأميركية في الخليج وابتزاز من يراد ابتزازه وإرباك من يراد إرباكه.

ولذلك فإنني أشك ما إذا كانت الأهداف الأميركية قد انتهت، وهذا ما نلاحظه في الطرح الأمريكي الذي يتمثل في انصياع النظام العراقي لقرارات الأمم المتحدة، ما يعني أن السياسة الأمريكية تستخدم سياسة (العصا والجزرة)".

خلفيات الحملة على السعودية

أما عن خلفيات الحملة الأميركية التي أثيرت ضد السعودية عبر الصحافة وعبر بعض مراكز القرار، والتي شكّلت تطوراً مفاجئاً في العلاقات بين الطرفين، ما جعل البعض يعتبر بأنها تدل على تحول ما أو بداية تشكيل نظام إقليمي آخر، ولكن هذه الحركة لم تشكل برأي سماحته، أكثر من "حملة تتحرك في السطح من أجل إيجاد أكثر من مناخ سياسي في هذه المواقع، قد يكون وقائياً تجاه بعض الحالات الموجودة في أمريكا، وقد يكون محاولة لضبط الإيقاع السياسي باعتبار بعض التحوّلات التي كانت تكمن وراء تشجيع بعض الوقائع في أفغانستان، حتى لو كان هذا الأمر منسجماً مع السياسة الأميركية سابقاً، لأن أميركا تسعى إلى نبش بعض الدفاتر لتمارس بعض الضغوط، ولذلك نقول إنه ليس في هذه المرحلة أي تغييرات إقليمية".

لبنان... الضغوطات هدفها التهدئة

كما استبعد سماحته أن تكون الضغوط التي يتعرض لها لبنان طريقاً لجعله إحدى ساحات الحملة الأميركية بعد أفغانستان، باعتبار أن "الوضع في لبنان مربوط بالوضع في سوريا، والوضع في لبنان وسوريا مربوط بالصراع العربي – الإسرائيلي، لذلك من الصعب أن يحدث أيّ شيء حاد في هذين البلدين، لأن ذلك قد يؤدي إلى بعض التعقيدات في مسألة الصراع العربي – الإسرائيلي، وربما أقول أكثر من ذلك، وهو أن الحديث عن لبنان في هذه الدائرة السياسية هو نوع من الضغوط التي يراد عبرها تهدئة الساحة اللبنانية مؤقتاً، لكي لا تندفع أكثر في دعم الانتفاضة الفلسطينية أو إرباك الوضع على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، وبعبارة أخرى، ما يجري في الساحة الكثير من التهويل والقليل من الضغط".

التحرك الأمريكي من موقع الفعل المدروس

أما ما يقال من أن الولايات المتحدة تتحرك بعد 11 سبتمبر كـ "الأسد المجروح"، وما يمكن أن ينتج عن هذه الحركة، التي ربما تدفع واشنطن إلى حركة غير منضبطة .. رأى سماحته "أن أميركا تتحرك الآن برد الفعل، لكن رد الفعل ليس رداً مجنوناً، بل هو يتحرك في موقع الفعل لتنفيذ الخطط الأميركية التي لم تكن لها أي ظروف واقعية للتنفيذ، وقد وجدت الآن الفرصة لهذا التنفيذ، لأن أي ممانعة لأي حركة أميركية توصف بأنها إرهابية، والإرهاب سيف تحركه أميركا عبر عقل يحسب بدقة المصالح الأميركية في العالم، ولذلك ليست الأمور كما يعبر بأنها أشبه بأسد مجروح، بل سيف سياسي لا يبتعد عن البراغماتية في ضرباته".

"لوائح الإرهاب"

ورفع سماحته الالتباس حول ورود اسمه في لوائح الإرهاب الأميركية، حيث قال: "أعتقد أن اسمي وارد في الحسابات عبر التاريخ الأميركي، فقد سجّله بيل كلنتون في عداد الذين أراد تجميد أرصدتهم، ولم يكن لي أي رصيد حتى على مستوى "السنت" في أمريكا.

في تصوري أن اسمي طرح صحافياً وليس رسمياً، علماً أنني لا أتعقّد من طرحه في هذا المجال، إذ اعتبره وساماً، وإذا كانت أميركا تطرح اسمي في الدائرة الإرهابية، فأنا أطرح اسمها من الباب المفتوح على الإرهاب في متفجرة بئر العبد، التي اعترفت عبر مدير مخابراتها وليام كايسي بأنها كانت تستهدفني، وأنها قتلت وجرحت ما يقارب المئتين بين جنين ورضيع وامرأة وشاب وشيخ، لذلك هي لا تملك أي حجة ضدي، بينما أملك الحجة من مسؤوليها وصحفها في ممارسة الإرهاب ضد الآمنين".

الإرهاب مواقع وخلفيات

في مواجهة ما يراه البعض من أن صورة العرب والمسلمين السائدة اليوم في العالم، وفي الغرب بالتحديد، هي صورة البيئة التي تنتج الإرهاب، ويبدو فيها الإسلام كأنه عصيّ على الحداثة، لا سيما أن الإسلام الذي يقدم هو الإسلام الجزائري مثلاً، أو إسلام أبي حمزة المصري وأبي قتادة وأبي بكري، يؤكد سماحته أن النظرة السائدة هي عكس ما ينطلق به الإسلام ويؤمن، "وأن العلّة ليست في الإسلام، إنما العلّة هي في الإعلام الغربي المعادي، وفي مواقف دول الاستكبار ضد الإسلام، لأننا عندما ندرس حجم العالم الإسلامي، نرى أنه يمثِّل في الإحصاء العددي ملياراً وأكثر من مئة مليون. ولو أردنا أن ندرس إحصائية هؤلاء الذين يقومون بما يسمى الإرهاب، فقد لا يصلون إلى 100.000، ولا سيما إذا دققنا في الإعلام، ولدينا دراسة، ويبدو أنها قريبة من الدقة، تقول إن ما حدث في الجزائر إنما قام به الجيش الجزائري بنسبة 90%، وهذا ما فضحته الصحافة، حتى الغربية، بسبب الصراع الفرنسي ـ الأميركي في الجزائر.

نحن لا ننكر أن هناك إسلاميين جهلة متخلّفون لا يفهمون شيئاً من الإسلام، من الأمراء المراهقين، ربما أنهم قاموا ببعض هذه الأعمال، لكن من المؤكد أنهم لم يقوموا بمثل هذه المجازر، على الأقل بشكل كبير، إن الاستخبارات الجزائرية دخلت في هذه التنظيمات، واستغلت جهلها وتخلفها في ذلك. لماذا الإرهاب في مصر؟ لأن مصر لم تمنح الإسلاميين الذين يمثلون تياراً كبيراً فيها، حرية العمل السياسي، ولا سيما الإخوان المسلمين الذين يمثلون جانباً معتدلاً. ولو منحتهم العمل السياسي على الطريقة التي منحتها للحزب الناصري، أو للحزب الوطني، لأمكن لها السيطرة على كل هؤلاء بطريقة بسيطة جداً، إذ إنها تستطيع ضبط هؤلاء الإسلاميين من خلال صوغ معادلات وتوازنات معينة تضم مختلف الكتل الحزبية.

لهذا نحن نقول إنّ الإرهاب الذي حدث مما قد لا نوافق على الكثير منه، عندما يسمى الإرهاب، هو بفعل ضغوطات سياسية صادرت الشعوب العربية والإسلامية وحكمتها بقوانين الاستخبارت وبقوانين الطوارئ. ولذلك ليس هناك إرهاب، ليس هناك وجدان إرهابي إسلامي، بل القضية أنك عندما تحاصر الإنسان في الزاوية وتسد عليه أي مخرج، لا بد من أن ينطلق بطريقة غير طبيعية، لماذا لا نتحدث عن الإرهاب في الغرب؟ ليس من الضروري أن يكون الإرهاب سياسياً. إن حجم الجرائم في أميركا يفوق حجم الجرائم في أي مكان في العالم. لم يحدث عندنا في العالم العربي والإسلامي أن يمسك طفل مسدساً ويقتل رفاقه وأساتذته. ماذا عن متفجرة أوكلاهوما؟ ماذا عن الحرب في إيرلندا حيث تقع التفجيرات بين وقت وآخر؟ ماذا عن كل "المافيات" الموجودة في الغرب؟ لماذا لا يتم التركيز عليها؟ إن المسألة هي أنه عندما طرح الإسلام كعدوّ جديد بديل عن الاتحاد السوفياتي، في أول مؤتمر للحلف الأطلسي، كانت الخطة هي أن تلتقط كل السلبيات العنيفة الموجودة في العالم الإسلامي، حتى على مستوى الأشياء الصغيرة، لتوظف ضد الإسلام. نحن نعرف أن ما كان يحدث في صعيد مصر من خلاف بين المسيحيين والمسلمين كان ينطلق من حوادث عادية، كمسيحي له دَنْنٌ على مسلم، أو كمسيحي خطف مسلمة، أو كمسلم له دَيْنٌ على مسيحي، أو ما أشبه ذلك. لكنها كانت تطرح في العالم الغربي أن هناك ضغطاً على المسيحيين في مصر، وأن هناك مصادرة لحرياتهم وما إلى ذلك، نحن نعرف أن الحرب اللبنانية إنما انطلقت من خلال هنري كيسنجر الذي أراد أن يدفن القضية الفلسطينية في لبنان من خلال إثارة الحرب اللبنانية التي حملت المقاومة الفلسطينية مسؤولية بدايتها. نحن نعرف أن الحرب كانت حرباً أميركية استخدمت نقاط الضعف عندنا. وإلا كيف تم إيقاف الحرب بقدرة قادر بمجرد اتفاق الطائف.

إنّ الإسلام يدعو إلى الرفق، وإلى اتباع الأساليب الحضارية السلمية التي تحوّل الأعداء إلى أصدقاء. نحن نقرأ في قوله تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}. ونقرأ في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "إن الرفق ما وضع على شيء إلا زانه وما رُفع عن شيء إلا شانه، وإن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".

وأمّا قضية الجهاد، فالجهاد هو إما دفاعي أو وقائي، {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}، {ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين}. {وإما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء}. إن الجهاد في الإسلام دفاعي ووقائي، تماماً كما هو الكفاح والحرب في كل الحضارات العالمية، لكنهم حاولوا أن يجعلوا من الجهاد عنواناً للعدوان على الناس، وعنواناً لحمل السيف على كل العالم، وهذا غير صحيح، لأن المسلمين مضطهدون، وما يحدث من العنف ضد بعضهم البعض، أو ضد الآخرين، إنما ينطلق من ردّة فعل على غياب الحريات، وليس فعلاً. أمّا الأشخاص الذين يعيشون الجريمة كمرض فهم موجودون في سائر أنحاء العالم.

المشروع الشاروني إلى أين؟

بالصمود نواجه الابتزاز الإسرائيلي:

أما عن المشروع الشاروني الذي يشنُّ المعركة ويرتكب المجازر بقرار دولي، والذي رأى فيه البعض انسجاماً مع التوجهات الأمريكية المحكومة بـ"العقدة الدينية" التي ألمح إليها (الرئيس الأمريكي) في يوم من الأيام واعتبرها زلة لسان، هذا المشروع الذي لم يجد فيه سماحة السيد أي "حالة انسجام دولي مع شارون، ولكن الإرادة الأمريكية هي التي دفعت الدول الأخرى للوقوف إلى جانبها .. نحن نعرف أن الاتحاد الأوربي يرفض شارون جملةً وتفصيلاً، وتنسجم روسيا مع سياسة الاتحاد، لكن الخطة الأمريكية الجديدة، والمسماة بالحرب على "الإرهاب"، استطاعت توظيف هذه القوى في معركتها، ومساندتها في سياستها الملتزمة بالأمن الإسرائيلي بالمطلق، وكانت أمريكا قد أعلنت بأنها ستدخل حرباً عالمية لمصلحة الأمن الإسرائيلي إذا تعرض للاهتزاز أو السقوط.. وهذا ما فعلته إبّان حرب تشرين عام 1973 عندما أقامت جسراً جوياً لإسرائيل، ولوّحت بضربة عسكرية فوق العادة لمصر أو للعالم العربي من أجل حماية إسرائيل.

إن العمليات الأخيرة التي تتابعت من أكثر من جهة في منطقة 1948، والتي تعتبر رسمياً "مناطق إسرائيلية"، وصولاً إلى اغتيال وزير السياحة الصهيوني، جعل واشنطن تقتنع بأن هذه العمليات إذا تتابعت فستسقط كل الأمن الإسرائيلي، لأن ألف فلسطيني يقوم بألف عملية استشهادية في تلك المناطق سوف تسقط أكبر أحجار الهيكل الإسرائيلي، ما يجعل مشاعر الرعب تنفذ إلى عمق الإنسان الصهيوني هناك، فيشعر بأنه يفتقر إلى الأمن، وبذلك تحدث الهجرة المضادّة ويهتزّ الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي يؤدي إلى إسقاط الساحة الإسرائيلية.

إن أمريكا، بدأت تشعر بأن هذه العمليات تتحدّى في حماية استراتيجيتها الأمن الإسرائيلي، ومن هنا كان العنف الأمريكي، وكانت الحركة الدولية تجاه أمريكا، لأن الاتحاد الأوروبي وروسيا يلتزمان مع أمريكا في الحفاظ على الأمن الإسرائيلي..

ولا تقبل هذه الدول أن يصيب المجتمع الصهيوني الاهتزاز. إنها تتحدث في بعض الحالات عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولكن بشرط أن لا يكون ذلك على حساب إسرائيل.

هذا هو عمق اللعبة الدولية والخطة الغربية بشكل عام، وغير الغربية التي قد تلتقي مع اليابان أو روسيا أو الصين وما إلى ذلك، وهو ما يفسر هذه القسوة في الموقف، وهذا الخروج عن الأدبيات السياسية للاتحاد الأوروبي وروسيا وغيرهما، ولهذا فإن خطورة المسألة تنبع من أن أمريكا، وربما كان معها أيضاً فريقها السياسي في مرحلة "الحرب على الإرهاب"، قد ارتضوا ما يقوم به شارون من تصعيد، فنحن نرى أن السلطة جادة في وقف إطلاق النار، وتحقيق بعض ما طلب منها، ولذلك فإنها كلما تقدمت خطوة طالبوها بخطوة إضافية، ما يعني أننا في مرحلة ابتزاز للشعب الفلسطيني، حتى يتخلى عن أي تفكير بالانتفاضة، بمعنى أن يبرز الشعب الفلسطيني عارياً من كل ثيابه في المفاوضات، وحتى لا يأخذ منها إلا ما تعطيه إسرائيل، أو بعض التحسينات الشكلية التي تمنحها له أمريكا..

هذا هو الهدف الأخير، لذا فإن إسرائيل لن توقف عدوانها على الشعب الفلسطيني وعلى المنطقة، ولن تتحول إلى دولة من دول المنطقة إلا إذا حصلت على أكبر قدر من المكاسب السياسية والأمنية والاقتصادية في داخل فلسطين وفي العالم العربي، ولذلك فإن كل هذه المظاهرة الأمريكية والدولية من أجل أن يعطوا الدعم لهذا الطفل المدلل (شارون) الذي لن يقبل بما يقدم إليه من أنواع الألعاب إلا ما يريده في نهاية المطاف..

والمطلوب هو أن يتحول الشعب الفلسطيني إلى لعبة من اللعب التي تلعبها إسرائيل، لكن هذا الطفل المدلل الإرهابي الصهيوني لا يمثل القدر، لأن الله في قضايا الحريات وفي قضايانا الإنسانية، أراد لنا أن نصنع قضاءنا وقدرنا بأنفسنا.. حيث قال جل من قائل: {إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم}.. وأن على الشعوب المستضعفة أن لا تنظر إلى أمريكا، ولا سيما في هذه المرحلة، كمثل القضاء والقدر، أو أن "المكتوب ليس منه مهروب".

الحوار الداخلي يحفظ الانتفاضة:

وفي خضم الواقع، وحيث نعيش في ظل الأوضاع المتفاقمة في فلسطين من خلال ما يرتكب من جرائم ومجازر تحني الأنظمة العربية رأسها، وأكثر من ذلك تضغط على السلطة الفلسطينية، بينما تتصاعد شعبية شارون من خلال ما تنشره استطلاعات الرأي، وهذا ما يرده البعض إلى التسويق الأمريكي لفكرة وجود الخطر المحدق بإسرائيل، ولكن سماحته أرجع أسباب المشاكل في العالم العربي والإسلامي إلى "أنه خاضع منذ زمن بعيد للسياسة الأمريكية، حيث تم توظيف أغلب هذه الأنظمة للقيام بمهام معينة، إن لتجميد كل حركة التحرر العربي، أو لمصادرة كل حركة سياسية تتطلع إلى أن يكون لهذه الأمة مستقبل تملك فيه أمرها بيدها. والهدف أن لا نتوصل إلى الاكتفاء الذاتي في التصنيع، وفي المكننة الزراعية، وفي تفجير الطاقات العلمية من خلال الحفاظ على كل علماء هذه الأمة في داخل البلاد. الهدف أن لا تعيش الأمة موقع الدولة أو المحور العالمي الذي يحرك كل طاقاته وكل مواقع قوته.

إن المطلوب هو مجموعة من الموظفين تنحسر مهماتهم في حراسة كل نقاط الضعف، وضرب كل نقاط القوة تحت أكثر من عنوان وعنوان، ولهذا فإننا لاحظنا في هذه المرحلة وما قبلها، أن المطلوب هو تدجين الشعب الفلسطيني، وأن يقبل بما يطرح عليه، ونحن نعرف كيف كانت الضغوط العربية وبعض الضغوط الإسلامية في أثناء المفاوضات تزداد حتى يقبل الفلسطينون بما يقدم إليهم، بحجة أنهم لن يحصلوا إلا على ذلك.

نعم، هناك واقع العجز العربي والعجز الإسلامي، لكن هناك واقع أخطر يراد صنعه، من خلال دفع هؤلاء العاجزين إلى أن يكونوا في موقع القدرة ضد شعوبهم وضد الشعب الفلسطيني بالذات. لقد تعب العرب من القضية الفلسطينية، وبدأوا يخافون من تفاعلاتها على أكثر من واقع سياسي في المستقبل، لأن هذا التناغم بين الشعوب العربية والإسلامية وانتفاضة الشعب الفلسطيني، قد يخلق حالة جنينية في المستقبل تربك كثيراً من القوى.

ولذلك فإننا نتصور أن الانتفاضة قد استطاعت تحت أنظار كل العالم، أن تُدخل إسرائيل في المأزق الذي وقعت فيه، ولو بنسبة معينة، سيما عندما أخذت الأرض تهتز تحت أقدامها، وهذا ما جعل نتنياهو في أوائل الأيام التي اندلعت فيها شرارة الانتفاضة، يصرح بأنه يشعر لأول مرة بالخطر على إسرائيل، وهذا ما جعل أكثر من مسؤول إسرائيلي يصرح بأن هذه الحرب هي استكمال لما يسمونه "حرب التحرير"، ما يعني أنها حرب الكيان، تماماً كما كانت في حرب 1948، وهذا ما دفع بالولايات المتحدة، ولا سيما في إدارتها الحالية، لأن تتحرك بهذه الطريقة، ولم تعد المسألة الآن تتصل بشارون فحسب، بل أصبحت مسألة وجود الكيان اليهودي داخل فلسطين، الذي شعر بأنه هو المحاصر بكل هذا العالم العربي، وشعر أن قوته الضاربة التي أريد لها أن تكون أقوى قوة في المنطقة، لم تستطع أن تحميه من مجاهدي الشعب الفلسطيني..

لهذا فإنني أعتقد أنهم يشعرون في هذه المرحلة بما لم يشعروا به في ما سبق من المراحل، وهذا ما يجعلنا نفكر، وقد لا نملك صورة تفصيلية لذلك، بأن خلاص الشعب الفلسطيني هو باستمرار الانتفاضة، ولكننا في الوقت نفسه ندعو، كما أطلقنا في حديث سابق، إلى أن يدور حوار جدي موضوعي هادئ وراء الكواليس لتوزيع الأدوار، بما يحفظ حق المقاومة للاحتلال".

المعركة بين الأصيل الفلسطيني والبديل الصهيوني

"إنّ القضية الفلسطينية قضية متجذرة في وجدان العالم الذي تقتحمه من وقت إلى آخر لتثير كل آلامه وآماله وكل مشاعره الإنسانية، وهي لا تزال تعيش حالة رفض نفسي لكل السياسة الملتزمة بإسرائيل.

إنني أتصور أن كل الرهان الآن هو البحث عن قيادة بديلة، وعن شخصيات سياسية في الساحة الفلسطينية تملك إسرائيل الحوار معها بطريقة أفضل مما تملكه مع السلطة الوطنية الفلسطينية الحالية، تهادنها وتقبل بشروطها، ولذلك فإن الكرة الآن في ملعب الشعب الفلسطيني الذي يجب عليه أن يقطع الطريق على كل الطامحين، ويمنعهم من أن يكونوا البديل لإسرائيل لا البديل الفلسطيني الآن، لأننا نسمع من وقت لآخر، حيث يقول شارون وغيره، بأن هناك قيادة فلسطينية يمكن أن تحاورنا بطريقة أخرى، هذا هو المقتل، وعلى الشعب الفلسطيني أن يدرك ذلك".

ما ضاع حقٌ وراءه مطالب:

لذلك، وعلى الرغم من هذه الحساسية للوضع الفلسطيني وللقضية الفلسطينية الجوهرية، نرى حالة الصمت العربية والإسلامية، التي تثير شهوة شارون ليوسع عدوانه على الشعب الفلسطيني، وقد عبر سماحته عن ذلك بقوله: "إن هذا الصمت العربي والإسلامي الذي مثّل نُطقُه شيئاً أبشع من الصمت، قد شجع أمريكا وحتى الدول الأخرى السائرة في الفلك الأمريكي، وشجع إسرائيل على أن تأخذ حريتها في صنع المأساة. ولكني أعتقد أن استمرار الشعب الفلسطيني وصموده في الساحة سوف يكون أكبر نُطقٍ للقضية، وأنا لا أتحدث عن أحلام وعن مثاليات، لكني أعرف أن الشعوب عندما تصرّ على مطالبها، فإنها لابد أن تبلغها، لا سيما عندما تكون المسألة مسألة شعب بقي وحده تحت الاحتلال في كل هذا العالم، وقد أثبت الشعب الفلسطيني أنه الشعب الذي استطاع أن يتمرد على كل الضغوط حتى لو كانت بمستوى الجبال التي تطبق على الأرض.

المسألة هي أن الذي يضحك هو الذي يضحك أخيراً.. الرهان هو كيف يمكن أن تتحرك هذه الظروف الدولية لتدجّن الشعب الفلسطيني لتسقط انتفاضته ولتسقط حلمه، بعد أن عملوا على تقليص هذا الحلم عنده بتقلّص حلم فلسطين من النهر إلى البحر، ليسقط حلمه في القدس والضفة الغربية وغزة، ليكون على مستوى 42% من الضفة الغربية وغالبية غزة".

وكان سماحته قد أشار إلى حجم الضغوطات التي تمارس على الشعب الفلسطيني في ظل ما يقوم به من أداء سياسي في هذه الأزمة، حيث دعا إلى ضرورة الوقوف في وجه هذه التحديات، وجاء ذلك في قوله: "إنني أعتقد أن هناك ضغوطاً سياسية كبيرة على القيادة الفلسطينية، وهي بحجم الجبال. لقد عرفوا أن الحركة الفلسطينية السياسية بلعبتها الذكية قد تجاوزت كلّ الضغوط، ولذلك جاء الحصار رداً على ذلك. المسألة الآن هي كيف نستطيع أن نجدد قواعد اللعبة السياسية، وكيف يمكن أن نتجاوز الكثير من الدهاليز التي يفتحونها بين وقت وآخر؟ وأعتقد أن التجارب التاريخية التي عاشتها القضية الفلسطينية في حركتها القيادية والشعبية، جعلتها تملك تجربة هائلة كبيرة، لذا علينا أن نوظّف الماضي بالحاضر ليتعاونا في صنع المستقبل، وما ضاع حقٌ وراءه مطالب".

موقع عرفات في المعادلة السياسية

في ظل الهجمة الصهيونية على سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني بدأت تلوح في الأفق من خلال التصريحات على لسان المسؤولين الأمريكيين والصهاينة أنه سيتم تغيير القيادة الفلسطينية، فرأى سماحته: "أن كل التصريحات التي أطلقتها إسرائيل أو أوحى بها الرئيس الأميركي جورج بوش، والتي تتحدث عن أن سلطة الحكم الذاتي الحالية قد يستغنى عنها، تدخل في باب التهويل والضغط السياسي، لأن الجميع يعرف، كما قال "كولن باول" أخيراً، أن عرفات هو الشخصية الوحيدة التي أدمنها الشعب الفلسطيني، بقطع النظر عن انتخاب الشعب الفلسطيني له، لذلك يُعتبر أشبه بالشخصية التاريخية الفلسطينية، بغضِّ النظر عن تقويم هذه الشخصية، سلباً أو إيجاباً. ومن هنا، فإن من الصعب جداً استبداله بشخصية أخرى في الظروف الحالية، لأن البديل عنه قد يكون الفوضى، وليس من مصلحة أمريكا أو إسرائيل أو الاتحاد الأوروبي أو البلاد العربية أن تتحول المسألة في فلسطين إلى حال من الفوضى، لأن ذلك يمكن أن يسقط الهيكل على رؤوس الجميع، والحملة العسكرية الإسرائيلية التي أدمنها الشعب الفلسطيني لم تعد تسقط أي موقف من مواقفه.

وعن الكلام الذي يتداول من أن عرفات يشكل حالاً عربية أكثر مما هو فلسطينية، ولذلك فإنه يجعل الضغوط التي تمارس عليه بمثابة ضغوط على النظام الإقليمي العربي، فقد رأى سماحته، بأنه "قد لا يكون هذا الكلام في هذه الطريقة دقيقاً، لكن لا يمكننا الفصل بين الحالين العربية والفلسطينية، وعرفات تحول حالاً عربية من حيث هو حال فلسطينية متجذّرة في الوجدان الفلسطيني، انطلاقاً من هذا السير التاريخي الذي عاش فيه داخل كل قضايا الشعب الفلسطيني، سواء في صراعاته داخل فلسطين، أو في اللعبة السياسية المتحركة التي أثارت الكثير من الجدل، إنه حال فلسطينية تحاول اللعب على الساحة العربية أكثر من خضوعها للنظام العربي، لسبب بسيط جداً، هو أننا لا نملك نظاماً عربياً الآن، لأن في العالم العربي مفردات سياسية تتحرك بفعل المتغيرات الدولية التي يخضع فيها بلد عربي لضغط هنا أو لمصلحة هناك أو لبعض التعقيدات، فالعالم العربي سقط سياسياً عندما أبعد في مؤتمر مدريد، فلم يحصل حتى على صفة مراقب، لأن إسرائيل، ومعها أميركا، ربما لا تريدان للعالم العربي أن يأخذ شخصيته الإقليمية المرتكزة على وحدة الموقف، ولهذا رأينا أن كل القمم العربية واجتماعات الجامعة العربية تنتهي إلى تسويات لا تعطي شيئاً ولا تمنع شيئاً بدل أن تتجه نحو وحدة الموقف، ولهذا فإن عرفات هو حال فلسطينية تحاول الاستفادة من أكثر من موقع عربي يبحث عن دور في القضية الفلسطينية، ولكن من دون الخضوع لأي بلد عربي في عمق اللعبة، إنه يمثل لاعباً كبيراً قد يناقش مفردات لعبته، لكن لا نستطيع أن نعطيه دور السياسي الساذج".

وإذا ما كانت الضغوط التي تمارس عليه هي بمثابة ضغوط على الخيارات المدعومة من السعودية ومصر....، رأى سماحته أنه "لا يعبر عن حال سعودية - مصرية، بل يحاول الاستفادة منها، وهذا لا يعني أن الرجل لا ينسجم مع المناخ السياسي الموجود في هذين البلدين، لكن هناك فرقاً بين أن يكون جزءاً من هذه الحال في هذه المرحلة، أو أن يكون لاعباً يستفيد منها، وليس بعيداً أن تكون ذهنيته شبيهة بذهنية الذين يتحركون تحت ما يسمى "النظام العربي"، لأنه لا ينسجم مع الذهنية الثورية التي توصف بالتطرف أو ما أشبه بذلك، إنه فلسطيني في الساحة العربية، ولا أدري إذا كان عربياً في الساحة الفلسطينية، هذا أمر يحتاج إلى التأمل".

القضية الفلسطينية: التفاعلات والمكاسب

صمت دولي أمام المجازر الصهيونية

إن ما يسجَّل في هذا المجال، قيام التحالف الدولي باستنكار العمليات الاستشهادية، في الوقت الذي يتعامى فيه هذا المجتمع الدولي عن الفظائع والمجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق المواطنين الفلسطينيين حتى من الأطفال، وهذا ما يدل على انحياز مطلق إلى جانب الغطرسة الإسرائيلية، والإقرار بشرعية مجازر الصهاينة!!! وبعبارة أوضح، كما يقول سماحته: "إن هذا الصمت الدولي أمام فظائع إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قتل المدنيين حتى الأطفال، مقارناً بالاستنكار السياسي الضاغط للعمليات الاستشهادية، يوحي بأن هذا العالم قد فقد ضميره في التوازن الإنساني في الكيل بمكيالين، وفي هروب العدالة وحقوق الإنسان منه، بقدر ما يرتبط الأمر بالفلسطينيين.. إن منطق التحالف الدولي ضد ما يسمى بـ"الإرهاب" بقيادة أمريكا، يمنع الفلسطينيين من مقاومة الاحتلال التي لا يملكون فيها سلاحاً إلا تفجير أجسادهم في جسد الأمن الإسرائيلي، ولكنه يبرر للمحتل احتلاله، ويتحدث عن الحل بالمفاوضات، في ظروف لا يستطيع الفلسطينيون أن يحصلوا منها على حقوقهم، ولعل اتفاق أوسلو والاتفاقات اللاحقة أعظم شاهد على ذلك".

وإذا كانت هذه هي سمة المجتمع الدولي، فإنه للأسف لم يكن واقعنا العربي والإسلامي أحسن حالاً، حيث العجز هو العنوان الكبير، ما دفع العرب إلى مزيد من التنازلات، والصهاينة في المقابل إلى مزيد من الأعمال الوحشية، وهذا ما عبر عنه سماحته بقوله: "أما العرب، فالعجز هو عنوانهم الكبير، وأما الدول الإسلامية، فهي في إجازة عن القضية الإسلامية الكبرى وهي فلسطين.. ما شجع الإسرائيليين على أعمالهم الوحشية. إنهم ينتظرون نجاح إسرائيل ـ ومعها أمريكا ـ في الحرب الجديدة ضد الجهاد الفلسطيني، ربما لأنهم خائفون من مستقبل هذا الجهاد، فإنهم يريدون القضاء عليه بيد إسرائيل، ولهذا فإن الموقف في الاجتماعات العربية والإسلامية بحاجة إلى مشاورات ومداولات لن تنتهي إلا بإصدار بيان ديبلوماسي لا يزعج أمريكا ويقدم للفلسطينيين التأييد الكلامي".

انتعاش القضية الفلسطينية

وتشكل الانتفاضة هاجس سماحته الأول، فهو يتابعها، ويواكب حركتها منذ انطلاقتها، وربما قبل أن تنطلق، فيقوم مفاعيلها وتطوراتها... فيرى أنها "استطاعت أن تجعل القضية الفلسطينية حقيقة سياسية لا يملك أحد في العالم أن ينكرها، واستطاعت أن تدخل اليهود في المأزق الأمني والسياسي، وأن تترك تأثيرها في اقتصادهم، بقدرتها على الاستمرار لمدة أكثر من عام. واستطاعت على الأقل في أكثر من مكان في العالم، ولا سيما في العالمين العربي والإسلامي، بقدر ما يصل إعلام الجرائم الإسرائيلية إلى هذا العالم، أن ترهق ضمير العالم بالجرائم الإسرائيلية وبضحايا الانتفاضة, ولذلك فإن إيقاف الانتفاضة يعتبر جريمة كبرى. كما أن وقف إطلاق النار في هذه المرحلة قد يجعل الغرب يحملنا المسؤولية، كما يحملنا المسؤولية الآن، وينهي بالتالي القضية الفلسطينية في وجدان الفلسطينيين. لا أتحدث عن فلسطين كلها، وإن كان ذلك يدخل في صلب استراتيجيتنا الإسلامية، حتى فلسطين ما بعد 1967 لن نحصل عليها إلا إذا استمرت الانتفاضة وخلقت مأزقاً للغرب وللعالم العربي والإسلامي والكيان الإسرائيلي، قد لا نملك الصورة التفصيلية الواضحة لذلك، لكن ما حققته الانتفاضة في هذه الحقبة من الزمن، في حساب التطورات السياسية في المنطقة كبير جداً، على الرغم من كل الضحايا التي سقطت والحملة الإعلامية التي تساق ضدها. القضية الفلسطينية وجدت لتبقى، والدولة الفلسطينية أصبحت في ضمير العالم كله. و المعركة القادمة ستكون حول حجم هذه الدولة ...

مكاسب محققة

وبالرغم من الأجواء السلبية التي تحيط بالأوضاع الإقليمية، إلا أنّ سماحة السيد رأى في تطوّر الأحداث الفلسطينية وما أنتجته من تعقيدات على المستويات العربية الإقليمية أو الدولية، باعثاً على تحقيق بعض المكاسب للقضية الفلسطينية، وهذا ما لفت إليه بقوله: "إنني أعتقد أن أوَّل إيجابية لهذه الأحداث هي أنها وحّدت الشعب الفلسطيني كما لو لم يتوحَّد قبل ذلك، وأن كل المنظَّمات وكل الفئات الشعبية، حتى التي لم تدخل في تنظيم سياسي، قد توحَّدت أو عملت على التنسيق، بحيث لا يتحرك أي فصيل منها إلا بالتكامل مع الفصائل الأخرى، أصبح لدينا هناك جيش فلسطيني في مقابل جيش إسرائيلي، ولكن على مستوى حرب العصابات، هذه إيجابية كبيرة.

الإيجابية الثانية، هي أن الانتفاضة استطاعت أن تحاصر إسرائيل حصاراً متحركاً في أكثر من موقع، حتى لم يعد لأي إسرائيلي في المناطق التي يعيشون فيها أيّ إحساس بأمن،ٍ لا في شارع ولا في مقهى أو مطعم أو ملهى أو ما إلى ذلك، ما يعني أن الأمن الإسرائيلي قد سقط عندما أراد أن يسقط الأمن الفلسطيني في هذا الجانب.

أما الإيجابية الثالثة فهي أن هذه الوحدة الشعبية الجهادية استطاعت أن تُخرج الانتفاضة من الموقع السياسي الذي أرادت أمريكا أن تضعها فيه، وهو موضع الحرب ضد "الإرهاب"، لتقول إن مسألة الانتفاضة ليست مسألة حماس والجهاد والجبهة الشعبية وكتائب الأقصى التي وضعتها أمريكا أخيراً في دائرة "الإرهاب" ومنظمات "الإرهاب"، بل المسألة هي مسألة الشعب الفلسطيني كله. لم يعد هناك فريقان في الشعب الفلسطيني، حتى أن السلطة، سواء بإرادتها أو بغير إرادتها، انطلقت لتتكامل مع الشعب، ولتتحوَّل إلى رمزٍ للصمود الشعبي ورمز للانتفاضة، بالمستوى الذي جعل شارون يتحدث عن أن رمز السلطة، وهو الرئيس عرفات، يمثل العدوَّ لإسرائيل، باعتبار أنهم يتهمونه، ونعِمَ التهمة، أنه القائد لكل حركة الانتفاضة.

الإيجابية الرابعة، أن هذا التطُّور المأساوي للواقع في فلسطين، استطاع أن ينتج من جديد أمة عربية تنفتح على الأمة الإسلامية كما لم يتحقق ذلك قبل، هذا من خلال الأحزاب العربية والإسلامية والمنظمات.

إن الدماء الفلسطينية بدأت تجري في عروق كل أفراد الشعوب العربية، لينطلق الصوت واحداً، حتى في البلاد التي لا تعرف المظاهرات وتخاف من المظاهرات، ما أظهر أن هناك هوَّة عميقة بين الشعوب العربية وبين أنظمتها، بحيث إن أنظمتها الآن بدأت تعيش الحيرة ولا تعرف ماذا تفعل، لأن ارتباطاتها بأمريكا تفرض عليها المزيد من الانعزال والفشل، ولكن علاقتها بشعوبها تفرض عليها أن تتحرك، ولذلك فإن هذه التطوّرات جعلت الأنظمة العربية تعيش في الدوامة، وجعلت رموزها يشعرون أن القمة العربية كانت ذنباً لا بدّ أن يعتذروا عنه.

العدوّ يعيش حالة انقسام

وفي المقابل رأى سماحته "أن العدو يعيش حالة من الانقسام السياسي حتى على مستوى سلطته السياسية، وهذا ما تتكشَّف ملامحه في قرار الحكومة الصهيونية الذي يؤكد حصار عرفات داخل رام الله، في محاولةٍ لتفادي الانقسام داخل هذه الحكومة، وهذا يعني أن الوضع السياسي الإسرائيلي قد دخل في حالة إرباك حقيقية، حتى وصلت العقدة الأمنية والسياسية إلى الجيش الصهيوني نفسه.

وبعد أن بيَّن سماحته ما يعاني منه الكيان الصهيوني، أعرب عن اعتقاده "أن المسألة بين اليهود والفلسطينيين هي كمسألة عضّ الأصابع، والقضية هي من يقول: "آخ" أولاً، والفلسطينيون قرروا أن لا يصرخوا وأن يصمدوا... وأعتقد أن "آخ" ستنطلق من اليهود في نهاية المطاف".

هجوم المقاومة على مواقع الاحتلال ... المفاعيل والانعكاسات

وفي ظل حالة التجاذب القائمة، وما دار من لغط حول الهجوم الأخير للمقاومة على مواقع للاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعا، ينطلق سماحته من ثوابت الحق المشروع للشعوب المعتدى عليها بالدفاع عن نفسها وتحرير أوطانها، حيث يقول:

"إن من حق اللبنانيين أن يواجهوا الاحتلال الإسرائيلي في بقاياه بكل ما عندهم من إمكانات، وإن طبيعة الاختراق الإسرائيلي للبنان براً وبحراً وجواً، يمثل عدواناً يومياً متحركاً ضد لبنان واللبنانيين، ولذلك فمن حق المقاومة واللبنانيين أن يقولوا لإسرائيل بلغتها إن كل ما تقوم به من اختراقات لن يمر دون عقاب، وإن اللبنانيين الذين استطاعوا أن يعاقبوا إسرائيل، قادرون على أن يعاقبوها من جديد".

وهم قادرون على تحرير بلادهم، ولهم الحق في مساعدة إخوانهم الفلسطينيين إذا ما دعت الضرورة لذلك، وهذا ما عبر عنه بقوله: "إن المقاتلين في لبنان يقاتلون من أجل تحرير أرضهم، لأن مزارع شبعا هي أرض لبنانية محتلة، والخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة لم يكن خطاً دقيقاً في تحديد الحدود بين لبنان وفلسطين، ولكنهم يعتقدون أن المٍسألة عندما تتحول إلى عملية تهجير للفلسطينيين نحو أرضهم أو غيرها، أن عليهم أن يدافعوا عنهم من الناحية الدينية والإنسانية، مع ملاحظة أن الفلسطينيين ليسوا كلهم مسلمين، فهناك من النصارى فلسطينيون، ونحن نعتقد أن إسرائيل تضطهد النصارى كما تضطهد المسلمين. لذلك القضية ليست عنصرية دينية. إننا نتساءل: لماذ يتدخل اليهود في كل مكان في العالم يوجد فيه يهودي ويعتبرون أن ذلك حق لهم، فلماذا لا يجوز للمسلمين أن ينصروا مسلمين في بلد آخر، أو للعرب أن ينصروا عرباً في مكان آخر عندما يضطهدون، إننا لا نريد للعالم أن يكيل بمكيالين، ونحن نلاحظ أنه حتى الدول الغربية تعمل على أن تتدخل في شؤون بعض البلدان حماية لمصالحها وللذين يتحالفون معها، ونحن نتحالف مع الفلسطينيين في حقهم في تقرير مصيرهم".

عجز إسرائيلي عن فتح جبهة مع لبنان

أما التهديدات الإسرائيلية لسوريا وإيران، فإنها تمثل نوعاً من أنواع الهرب إلى الإمام، لتقول إنه ليس هناك شعب لبناني ولا مقاومة لبنانية تملك أمرها وتعرف متى تتحرك.

لذا، فإنها تحاول أن تحمّل المسؤولية لسوريا وإيران، لتنقل القضية إلى الموقع الدولي بدلاً من أن تكون في نطاقها الخاص في الموقع اللبناني... إن تهديدات وزير دفاع العدوّ ليست واقعية، فهو لا يمكنه أن يفتح جبهة واسعة جديدة، لأن إسرائيل لا تستطيع أن تتحمّل مسؤولية فتح هذه الجبهة، فهي تعرف أن المقاومة تملك الكثير من الأسلحة التي قد لا تستطيع إسرائيل أن تتحمل نتائجها في واقعها وفي مدنها الكبيرة".

وقد استند في كلامه على جملة من المعطيات: "ومن خلال حركة الديبلوماسية الممتدة من أميركا إلى أوروبا إلى البلاد العربية، يبدو أن هناك سعياً لتبريد الجبهة اللبنانية، ذلك أن المغزى سياسي لهذه الحركة يتلخص في أن الواقع الدولي لا يريد فتح الجبهة اللبنانية".

كما استبعد سماحته حصول ضربة عسكرية محدودة للبنان، وشرح أسباب عدم حصولها، "أن أي ضربة عسكرية في هذا الجو المحموم سوف تقابلها ضربة عسكرية قد تصل إلى حيفا... والوضع لم يعد كما كان سابقاً، لأن الأجواء هي أجواء حرب ومجازر، إسرائيل خلقت تياراً شعبياً على مستوى العالم العربي وعواصم العالم، وبالتالي فإن أيّ فعل إسرائيلي سيقابل برد فعل من المقاومة الإسلامية وبشكلٍ كبير جداً، وأعتقد أن كثيراً من شعوب العالم وعواصمه سترحب عندها بذلك... وأن ضربة المقاومة في هذه الظروف سوف توجع إسرائيل، لأنّ لبنان لا يبالي في حرب مع إسرائيل على المستوى السياسي وعلى مستوى المقاومة وغيرها، وهو ما يفسر جمع إسرائيل لجيشها على الحدود اللبنانية كافة".

وحول الرادع لإسرائيل، كالجهود الديبلوماسية وجولة كولن باول، قال: "إن الضوء الأخضر الأميركي، والذي يتحول بقدرة قادر إلى ضوء أخضر أوروبي، مع بعض ما يحفظ ماء الوجه في الجانب السياسي، يجعل إسرائيل لا تخاف من أي رد فعل دولي، ولكنها تخاف من توسع الحرب، لأن الرمال اللبنانية المتحركة لن تجعل دخولها إلى لبنان نزهة، ولعل إسرائيل ترفع درجة التهويل والتهديد ليندفع كل محور دولي وعربي للضغط على لبنان وسوريا، أو ربما على إيران لاحتواء المسألة الحدودية الجنوبية".

فتوى بالمقاطعة للشركات الأمريكية وأساليب الدعم

نداء المقاطعة

في ظلّ تصاعد المجازر الصهيونية الوحشية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، والتبني الأمريكي المطلق لإسرائيل في حربها على العرب والمسلمين، أصدر سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله نداءً أفتى فيه بوجوب مقاطعة البضائع الإسرائيلية بالمطلق، ومقاطعة كل المحلات والشركات التجارية التي تساعد إسرائيل بالدعم المادي في العالم كله، بالإضافة إلى مقاطعة البضائع الأمريكية ما أمكن ذلك.. وحثّ سماحته في النداء العرب والمسلمين الضغط على حكوماتهم للامتناع عن وضع أرصدتها في المصارف الأمريكية.. ولا يزال سماحته يؤكد على سريان هذه الفتوى، حيث مازالت أمريكا وإسرائيل تمارسان هذه السياسة ضد شعوبنا العربية والإسلامية، لا سيما الشعب الفلسطيني ، وفيما يلي نصّ النداء:

"إن الله تعالى أراد للمسلمين الاهتمام بأمور المسلمين، والدفاع عنهم في كل قضاياهم العامة، بكل الوسائل التي تحفظ لهم عزتهم وكرامتهم وقوتهم، فقد ورد عن النبي(ص): "من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم"، ما يجعل من الإسلام في شخصية المسلم حالة فكرية شعورية عملية في تفاعله مع أمور المسلمين بالفكرة والخطة والحركة والموقف، بحيث لا يعيش اللامبالاة أمام قضاياهم، فإذا عاش ذلك خرج من المجتمع المسلم من الناحية الحركية. وقد ورد عنه(ص) أنه قال: "من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم"، ما يوحي بأن إجابة المسلم ـ فرداً أو مجتمعاً ـ في الدفاع عنه شاهد على انسجامه مع الانتماء الإسلامي، بحيث يفقد ذلك إذا امتنع عن الإجابة. وقد ورد عنه(ص) قوله: "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

وقد علمتم ما نزل بإخواننا الفلسطينيين في فلسطين، من احتلال أرضهم، وتهجيرهم من بلادهم، وقتل أطفالهم ونسائهم وشيوخهم، وتدمير بيوتهم، وقصفهم بالطائرات والمدافع والصواريخ، واستباحة المسجد الأقصى، والتخطيط لتدميره، وهم في مواقع الجهاد والمواجهة باللحم العاري والحجارة والسلاح الخفيف، دفاعاً عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وأرضهم واستقلالهم، وهم يصرخون طلباً للحماية الدولية وللموقف الإسلامي من الدول الإسلامية، ومن الشعوب المسلمة، ولا من مجيب، حتى أن بعض الأنظمة في الدول الإسلامية التي صالحت العدو الصهيوني، لم تبادر إلى مقاطعة العدو سياسياً، أو تجميد علاقتها به، حتى على مستوى سحب السفراء، بل اكتفت مع "منظمة المؤتمر الإسلامي" بالشجب والاحتجاج والاستنكار، من دون أية فاعلية سياسية، خوفاً من أمريكا التي تقف مع العدو بكل قوتها السياسية والأمنية والاقتصادية، حتى أنها تمنع مجلس الأمن وكل الدول المتحالفة معها والقريبة منها القيام بإدانة إسرائيل على جرائمها الوحشية ضد الشعب الفلسطيني في قراراتها السياسية.

إن أبسط عملية الاهتمام بأمور المسلمين والدفاع عنهم من أجل تغيير المنكر السياسي والأمني والاقتصادي، هو المقاطعة الاقتصادية ضد كل الذين يدعمون العدوّ ويؤكدون امتداده وقوته وسياسته، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، التي هي العدوّ الأكبر للإسلام والمسلمين، فيجب مقاطعة البضائع الأمريكية ما أمكنكم ذلك، كما يجب مقاطعة البضائع الإسرائيلية بالمطلق، ومقاطعة كل المحلات والشركات التجارية التي تساعد إسرائيل بالدعم المادي في العالم كله ما أمكنكم ذلك، وعليكم الضغط على حكوماتكم للامتناع عن وضع أرصدتها في المصارف الأمريكية، لأنها تتحوّل إلى قوة للعدو من خلال الارتباط العضوي بينه وبين أمريكا.

أيها المسلمون، تذكّروا قول الله تعالى: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة}، وقوله تعالى: {إنما المؤمنون أخوة}، والحديث النبوي الشريف: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله".. إن الله تعالى يريد لكم العزة والكرامة والقوة والحرية، ولن يتحقق ذلك إلا بالموقف القوي الحرّ الذي يؤكد وحدة الأمة وفاعليتها في كل قضاياها الكبيرة، بالجهاد بالنفس وبالمال وبالسياسة والأمن".

أساليب الدعم

كان سماحة السيد فضل الله داعماً للقضية الفلسطينية في كل مراحلها، سواء كان ذلك في أفكاره أو مواقفه وما إلى ذلك، حيث دعا إلى ضرورة انخراط المجتمع بكل شرائحه في معركة التحرير والوقوف بقوة إلى جانب المقاومة، ولذلك طالب "الشعوب العربية أن تتسلم زمام المبادرة، أولاً بالدعم المادي للانتفاضة كلٌّ بحسبه، وثانياً بالدعم السياسي عبر البقاء في الشارع، للإعلان إلى العالم بأنَّ الشعب الفلسطيني هو جزءٌ من أمة عربية وإسلامية، وليس مجرَّد شعبٍ محصور في دائرة حدوده، الشيء الثالث هو الضغط على الأنظمة، ولكن من دون الدخول في فتنة تجعل بأسنا بيننا شديداً. أن نضغط على الأنظمة لتشرب حليب السباع بدل حليب الأرانب التي شربته طويلاً، لكن ضمن خطة مدروسة موضوعية، لأن إسرائيل تريد لنا أن ندخل في حروبٍ سياسية داخلية ونزاعات محلية، وإنَّا نعتقد أن هذه المرحلة ليست مرحلة خلق أي مشكلة بين الأنظمة وبين شعوبها، فلا بد لنا أن نعمل على الضغط بطريقة وبأخرى، وأن نعمل أيضاً مع الإمكانات المتوفرة أو الإمكانات التي نصنعها في دعم الشعب الفلسطيني عسكرياً، بإرسال الأسلحة له أو ما شابه ذلك".

كما رخص سماحته، من ناحية شرعية، في دفع "بعض النسب من الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني لدعم صموده ودعم انتفاضته، شرط أن يصل للأيادي الأمينة في ذلك"، مدللاً في الوقت نفسه على أهمية ذلك في مجريات المعركة، رافعاً شعار: "ادفع دولاراً تنقذ فلسطينياً"، مقابل ماكان يقوله اليهود: "ادفع دولاراً تقتل عربياً".

كما لفت من ناحية أخرى إلى التصميم والمضيّ في المواجهة والتحدي، حيث قال: "إننا لا نريد أن نتحدث في المطلق، السياسة لا تعرف المطلق، والأمن لا يعرف المطلق. نحن نقول الآخرون يخططون وعلينا أن لا نبكي أمام نتائج تخطيط الآخرين، بل أن نفكر ونعمل حتى لو استطعنا أن نحصل على العشرة بالمئة، فلا يجوز أن نتجمد حتى تتحقق العشرين، بل نعمل لنحقق العشرة لنقترب بذلك إلى العشرين وهكذا".

وهذه الدعوة للمشاركة في دعم الشعب الفلسطيني، من كل المجتمعات الأهلية، يجب أن تكون حركة هادفة، "وأن تتطوَّر حركتها فتتنظم بطريقة عملية لتحقق النتائج بطريقة أفضل، ولكن علينا أن نعقلنها ولا نجعلها تتحرك في واقع الانفعال لتكون انفعالاً كلها، بل كما كنا نقول، أن نعطي العقل جرعةً من العاطفة ليرقّ ويلين، وأن نعطي العاطفة جرعةً من العقل لتتوازن"