قضايا فكرية > الفقيه والسلطة   

الفقيه والسلطة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

هل هناك مفهومٌ إسلامي معين يحدد علاقة الفقيه بالسلطان؟ وهل يتنافى موقعه الفقهي الذي يختزن في داخله المعنى الروحي، مع الانفتاح على أجواء السلطة التي تختزن في مضمونها المعنى المادي؟.

ربما يفكر بعض الناس بهذه الطريقة، فيرى أن الفقه يمنح صاحبه قيمة إسلامية كبيرة فيما يمثله من الثقافة الشرعية المتصلة بالموقع القيادي للأمة، لا سيما على مستوى نظرية «ولاية الفقيه» التي تجعل له سلطة الولاية على شؤون الناس في حياتهم العامة، ما يفرض عليه أن يكون بمنأى عن كل ما يثير الشبهات، أو يدفع به إلى الانحراف، ولو من مكان بعيد.

الفهم الخاطىء للعلاقة

ولعلَّ من الطبيعي - في ما يتصوره هؤلاء - أنه كلما اقترب من السلطان أكثر، فإنه يقترب من المزالق التي تبتعد به عن خط الاستقامة، وتفتح له أبواب الإغراء، وتجفف في أعماقه ينابيع الروح، بينما يمثل الابتعاد عن السلطان الصفاء الروحي، والطهارة القلبية، والاستقامة السلوكية، الأمر الذي يمثل الضمانة الأخلاقية العملية في وعي الشعب لقيادته الفقهية.

وقد يكون للتوجيه العرفاني والثقافة الأخلاقية دورٌ كبير في تركيز هذه الفكرة في نفوس الناس، من خلال مفاهيم التجرد عن الدنيا والبعد عن الشهوات، والانعزال عن مظاهر الحياة اللاهية العابثة، والتنكر لكل أوضاع الواقع الحركي الذي ينطلق في دائرة العلاقة بالقوى الدنيوية المسيطرة، ما يجعل القيمة الدينية الإيجابية تتمثل في السلوك المنفصل عن مواقع السلطة وعن حركة الواقع المادي في الحياة، لتكون القيمة الدينية السلبية متمثلةً في السلوك في مواقع السلطة وفي حركة الحياة.

وقد أدَّى ذلك إلى الفكرة التي تفصل الدين عن السياسة، لتضع الحواجز بين الفقهاء وبين الممارسة السياسية أو العلاقة بالواقع السياسي، ولم تكتف بذلك، بل إنها عملت على إبعاد الإنسان المؤمن الملتزم عن الانفتاح على السياسة المتحركة في ساحته بطريقةٍ إيجابية، سواء كان ذلك في دائرة التصور، حيث ابتعدت به عن الاهتمام بالسياسة من قريب أو بعيد حتى على مستوى الفهم السياسي، أو كان ذلك في دائرة الممارسة، حيث عزلته عن أيّ نشاطٍ سياسيّ مما يمكن أن يؤثر سلباً أو إيجاباً في القضايا المصيرية، الأمر الذي تحوّل إلى لونٍ من ألوان الجمود السياسي المطلق الذي لا يثير أي حركةٍ في المعارضة أو الموالاة في الموقف الفكري، ولا يحرّك أي خطوةٍ مؤيّدةٍ أو رافضةٍ في الموقف العملي، فيما هي التفاصيل السياسية التي تحدث في الوسط الإسلامي، أو في مجرى الساحة العالمية المرتبطة بالساحة الإسلامية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر.

وربَّما شارك ذلك في خلق بعض ألوان الغباء السياسي في حركة الإخلاص الديني، حيث إن السلطة السياسية في العالم الإسلامي أو في غيره، كانت تستثير الروح الدينية التقيّة في بعض مواقع الضغط السياسي الذي يتحرك من هنا وهناك، فيندفع الفقهاء والمؤمنون في حماسٍ دينيّ ثائر انطلاقاً من الغيرة على الإسلام والمسلمين، من دون تخطيط سياسي، أو أخذ الحيطة في المشاكل المعقدة المترتبة على طبيعة الحركة أو دراسةٍ الظروف الموضوعية المحيطة بالموقف، فتتلقف السلطة النتائج لمصالحها الخاصة، ولسياستها المرسومة وفقاً لتصوراتها.. ثم تبدأ في اضطهاد الثائرين أو محاصرتهم، أو إبعادهم عن ساحة العمل السياسي أو الجهادي الذي لا ينسجم مع مخططاتها.

وتلك هي مشكلة المسألة الأخلاقية في ما هي التأثيرات السلبية أو الإيجابية في تكوين الذهنية الإسلامية، حيث تجد هناك ارتباكاً واضطراباً وخللاً في تفكير المجتمع الإسلامي في ما يحمله من ركامٍ هائل من الأخلاقيات الروحية والسلوكية التي اختلط فيها العرفان الفلسفي بالعرفان الأخلاقي، كما تداخلت فيها الأمثال والحكم والوصايا والنصائح الصادرة من بعض الحكماء أو المفكرين أو الناس العاديين التي لا تخضع لقاعدةٍ فكرية محددة، بل تنطلق من تجربةٍ ذاتية، أو تأمّل شخصيّ، أو ثقافةٍ خاصة، أو غير ذلك من المؤثرات النفسية أو الفكرية أو الروحية، وهكذا اختلفت الذهنيات تبعاً لاختلاف القراءات أو البيئات أو الثقافات، مما أوجد مشكلةً في المجتمع الإسلامي في التصور والممارسة، وعلى مستوى التقييم المتبادل بين أفراد المجتمع.

الرفض الشيعي للحاكم:

وهكذا كان الفقهاء يبتعدون عن مواقع السلطة، فيهربون من اللقاء بها، والعلاقة معها، ويعملون على التخفف من ضغوطها ما أمكنهم ذلك. كما رأينا العامة من الناس يرصدون الفقهاء في سلوكهم من حيث قربهم من السلطة أو بعدهم عنها.. وتنطلق الكلمة المأثورة في حركة الذهنية العامة:

«إذا رأيت العلماء على أبواب الملوك فبئس العلماء وبئس الملوك، وإذا رأيت الملوك على أبواب العلماء فنعم الملوك ونعم العلماء».

وربما بادر بعض الملوك، انطلاقاً من ذلك، لزيارة بعض العلماء للحصول على الثقة الاجتماعية من خلاله.. وربما انطلق الكثيرون من العلماء في موقف مواجهة السلطان بالقول أو بالفعل فحصل لهم من ذلك شأن كبير في ما يتحدث به الناس من جرأته وبعده عن السلطة..

وقد امتد ذلك إلى الدرجة التي تتحرك فيها هذه الذهنية السلبية المعقَّدة من الاقتراب من السلطة، لتصل فيها إلى تعقيد العلاقة مع السلطة التي تملك بعض الشرعية لدى الفقهاء سواء كان ذلك من ناحية العنوان المذهبي الكبير الذي تتخذه لنفسها في موقعها بما يتفق مع العنوان الذي ينتمي إليه الفقيه، أو كان ذلك من ناحية العنوان الشرعي والسلوك العملي اللذين يتميز بهما صاحبها حتى لدى الفقيه في منطلقاته العامة، بل قد تصل المسألة ببعض الناس إلى رفض الاقتراب من الفقيه إذا تحوّل إلى صاحب سلطة.

وقد يكون الأساس في ذلك هو الصورة السلبية التي اختزنتها السلطة في مواقعها التاريخية أو الحاضرة، بحيث كانت تمثل خط الانحراف تارةً، وخط الكفر أخرى، وخط الظلم والفسق والفجور والخلفيات الاستكبارية التي تخطط للإجهاز على الإسلام والمسلمين ثالثةً، الأمر الذي يجعلها تمثل العنوان المرفوض إسلامياً للذين يريدون أن يبتعدوا بمواقعهم عن مواقع الزلل، وينطلقوا في حياتهم على أساس الخطّ المستقيم.

وإذا اقتربنا من الدائرة الإسلامية الشيعية، فإننا نجد أن هناك ذهنيةً تحمل في داخلها عقيدة بعدم شرعية أيّ حكم في بلاد المسلمين، لأن الموقع هو لأئمة أهل البيت(ع) ولمن يمثلهم ممن يمنحونه شرعية الولاية أو النيابة عنهم.

وقد نجد بعض الناس من الفقهاء أو من غير الفقهاء ممن لا يرى شرعيّةً حتى للفقيه، لأنهم لا يرون الولاية للفقيه في نظريتهم الفقهية اجتهاداً أو تقليداً.

وقد نرى بعض المتعصبين المعقَّدين يدخل في عملية رفض لحكم الفقيه، لأنه يعطي لنفسه الشرعية الإسلامية التي لا يملكها، بينما لا يستطيع غيره من الحكام الآخرين أن يدَّعي لنفسه ذلك، وبذلك فإن حكم الفقيه الذي قد يقرّر تشريعات غير صحيحة إسلامياً في نظر هؤلاء، وقد يتصرف تصرفات غير إسلامية، قد تغير الصورة الإسلامية المشرقة ليبدّلها إلى صورة غير إسلامية، ويمنحها وجهاً إسلامياً، وبذلك تتحرك الخطيئة في خط الوعي المنحرف والممارسة الخاطئة.

وهكذا استطاعت هذه الذهنية المتشبّعة بالسلبية ضد السلطة القائمة، أن تُبعد الإنسان المسلم الشيعي الملتزم عن الانفتاح على السلطة أي سلطةٍ في دائرة العلاقات.

رفض ولاية الظالم:

وقد نجد في أحاديث أئمة أهل البيت(ع) الكثير من الكلمات التي ترفض العمل مع السلطة غير الشرعية أو التعاطف مع صاحبها، أو إقامة علاقات معه أو مع أجهزته الأخرى، وذلك كما ورد في حديث الإمام موسى الكاظم(ع) مع صفوان الجمّال - أحد أصحابه - حيث قال له - وكان يكري جماله لهارون الرشيد - "يا صفوان، كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، قلت: جعلت فداك، أيّ شيء؟ قال: إكراؤك جمالك من هذا الرجل - يعني هارون الرشيد - قلت: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو، ولكنني أكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكة - ولا أتولاّه، ولكن أبعث إليه غلماني، فقال لي: يا صفوان، أيقع كراؤك عليهم. قلت: نعم، جعلت فداك، فقال لي: أتحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟ قلت: نعم، قلت: فمن أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم ورد النار.

فقال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها، فبلغ ذلك إلى هارون، فدعاني وقال: يا صفوان بلغني أنك بعت جمالك؟ قلت: نعم، قال: لمَ؟ قلت: أنا شيخ كبير وإن الغلمان لا يفون بالأعمال، فقال: هيهات هيهات، إني لأعلم من أشار عليك بهذا، أشارك موسى بن جعفر، فقلت: مـالي ولموسى بن جعفر، فقال: دع عنك هذا، فـوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك".

فنحن نلاحظ في هذه الرواية أن الإمام يرفض العمل للسلطة الظالمة لأنها تؤدي إلى حالة عاطفية منطلقةٍ من حسابات المصلحة الخاصة أولاً من خلال تمنّي بقائهم للحصول على رواتبهم، ثم قد تتطور إلى حالةٍ من التطبيع النفسي الذي يؤدي إلى التطبيع العملي فيما يمكن أن يؤدي إليه من الالتزام بحكمهم، والتحرك الإيجابي في خط تقويته وتثبيته والدفاع عنه ضد أهل الحق في نهاية المطاف.

وقد يكون العامل لهم من الشخصيات النافذة في المجتمع، بحيث يمثل العمل لهم لوناً من ألوان الدعم المعنوي لوجودهم فيما قد يفهمه الناس الآخرون من إعطاء الشرعية لهم بالمستوى الذي يدل عليه ارتباط هؤلاء بأعمالهم ومواقعهم العامة والخاصة.

ونجد هناك نصّاً آخر يحمل في مضمونه خطأً إيجابياً في دائرة استثناءات الخط السلبي العام فيما هو التوازن بين الخط المبدئي وبين الضرورات الواقعية.

فقد روى صاحب الكافي عن الحسين بن الحسن الهاشمي عن صالح بن أبي حماد عن محمد بن خالد عن زياد بن أبي سلمة قال: دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي: يا زياد، إنك لتعمل عمل السلطان؟ قلت: أجل، قال لي: ولمَ؟ قلت؟ أنا رجل لي مروة وعليَّ عيال، وليس وراء ظهري شي، فقال لي: يا زياد، لئن أسقط من حالق فأتقطع قطعة قطعة، أحب إليَّ من أن أتولّى لأحدٍ منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم إلاَّ؟؟ لماذا؟ قلت: لا أدري جعلت فداك، قال: إلاَّ لتفريج كربة مؤمن، أو فكّ أسره، أو قضاء دينه.

يا زياد، إن أهون ما يصنع الله بمن تولَّى لهم عملاً أن يُضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق.

يا زياد، فإن وليت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى أخوانك، فواحدة بواحدة، والله من وراء ذلك.

يا زياد، أيّما رجلٌ منكم تولَّى منهم عملاً ثم ساوى بينكم وبينهم فقولوا له: أنت منتحل كذاب. يا زياد، إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غداً ونفاذ ما أتيت إليهم عنهم، وبقاء ما أتيت إليهم عليك".

إن هذه الرواية تدل دلالةً واضحةً على الرفض الحاسم لمسألة الولاية من قبل الظالم أو الارتباط به، أو الذهاب إليه، لأن ذلك يؤدي إلى غضب الله الذي يستحقُّ معه الإنسان دخول النار، ولكنه لا يطلق المسألة في كل مواقعها بشكلٍ مطلق، لأن ذلك قد يتحول إلى حالة حصار للمؤمنين عندما تحيط السلطة بكل مواقعهم، وتضغط على كل قضاياهم وتصادر كل أوضاعهم، ما يفرض وجود فئةٍ من المؤمنين في داخل السلطة بحيث تحمي المؤمنين الآخرين من ذلك كله، ليستطيعوا الاستمرار في خط المعارضة بطريقةٍ متوازنةٍ عملية، حتى لا تضغط عليهم الوقائع بشكل كبير ضاغطٍ. وهكذا رخص الإمام لهذا العامل وغيره، أن يدخلوا في عمل السلطان الجائر لتحقيق الأهداف الكبرى في المجال العام أو الخاص في حياة المؤمنين.

متى يكون الفقيه «على باب السلطان»؟

وهذا ما نريد أن نثيره في حديثنا عن الفقيه والسلطان، فإذا كان الخط السلبي يفرض على الإنسان المؤمن العادي أن يبتعد عن السلطان الجائر، إلاَّ على أساس المصالح العامة التي تتحرك في حماية المؤمنين أو في تقوية الحركة الإسلامية الرافضة في تحصين مواقعها من داخل السلطة وخارجها، فإنَّ من الطبيعي أن يكون الفقيه هو الشخصية البارزة في موقف الرفض في المواقع الشرعية للرفض عندما تكون العلاقة سبباً في إعطاء الشرعية للسلطة، لأنه هو الشخص الذي يمنح الشرعية في سلوكه للموقع وللموقف وللشخص، بلحاظ ما يمثله من الموقع الشرعي المميز على مستوى المرجعية في التقليد أو في الولاية، فلا بدَّ أن يدرس الحالة المحيطة به، والساحة التي يتحرك فيها، بكل دقّةٍ وموضوعية، ليعرف كيف يتوازن في موقفه بين شرعية الخط وبين حاجة الواقع.

وقد يدخل في ذلك مسألة إقامة العلاقات مع السلطان على صعيد العلاقات الاجتماعية، أو الأوضاع الاقتصادية، أو المواقف السياسية، أو المواقع الأمنية، ليحدد لنفسه الكلمة التي يقولها، أو الخطوة التي يخطوها، أو العلاقة التي يؤكدها في خط السلب أو الإيجاب، فلا يسيء إلى الإسلام في عناوينه الكبيرة، ولا يسيء إلى الواقع الإسلامي في تحدّياته الصعبة، بل يكون الإنسان الذي يستهدي حكم الله في ذلك كله، لأن اختلاف الظروف قد يوجب اختلاف الأحكام الشرعية، فيما يمكن أن تختلف فيه موضوعات الأحكام التي قد تتنوع أوضاعها في عناوينها الأولية التي قد تفرض حكماً، وفي عناوينها الثانوية التي قد تفرض حكماً آخر على أساس القاعدة الفقهية في حركة الأحكام المتنوعة تبعاً للعناوين الأولية والثانوية.

إن الفقيه هو الذي يحرّك فقهه في خطّ اجتهاده المرتكز على القواعد الثابتة للاجتهاد، بعيداً عن كل المطامع والأهواء، فقد يفرض عليه الرأي الاجتهادي في موقف معيّن، أن يرتبط بالسلطة برباط قويّ أو ضعيف تبعاً للمصلحة العامة، وقد يفرض عليه في موقفٍ آخر، أن يقاطعها بشكل حاسمٍ، في ما هي المقاطعة السلبية، أو يثور نحوها بشكل هادرٍ ليعمل على أن يحل محله في موقع الحكم البديل.. وهكذا يكون الحكم الإسلامي هو خطه العريض، وهو الأساس في كل خطوطه التفصيلية.

وهذا هو ما لاحظناه في سلوك أئمة أهل البيت(ع) مع خلفاء زمانهم، فقد كانت علاقتهم بهم تتنوّع بين المقاطعة والمهادنة والثورة تبعاً للظروف المختلفة التي كان يعيشها الإمام في مرحلته الخاصة في شروطها وظروفها الموضوعية.

إن المسألة هي أن لا يعيش الفقيه في نطاق اهتماماته الذاتية وطموحاته الشخصية، ليسخّر فقهه لشهواته ومطامعه، مما يدفع به إلى تسخيره - من خلال ذلك - لخدمة الحاكمين الظالمين، وبذلك يسيء إلى الإسلام والمسلمين عندما يتحول إلى أداةٍ خبيثة لتثبيت قواعد الكفر والظلم والانحراف في حركة موقعه الديني الذي يضع نفسه في خدمتها، فيستغل ثقة الناس به ليوظف تلك الثقة في الاتجاه الذي يضر بحياتهم.. وهذا هو ما نستهديه من الحديث الشريف المروي عن رسول الله (ص):

«العلماء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قالوا: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم».

إن المسألة هي مسألة اعتبار الرسالة في دائرتها الفقهية والحركية أمانة الرسل عند العلماء من أجل أن يحافظوا على أصالتها وطهارتها واستقامتها وابتعادها عن كل مواقع الزيف، وهذا هو الذي يفرض عليهم أن يتبعوا رموز الرسالة، لا رموز الكفر من سلاطين الجور الذين يعملون ضد الرسالة.

وهذا هو الذي يفرض على الناس أن يوازنوا في النظرة وفي الموقف من العلماء، فهناك علماء يحبون، الله ويخلصون له ولرسالته، وهناك علماء يحبون الدنيا ويبتعدون عن خط رسالته. فعلى الأمة أن تكتشف هؤلاء لتعرف جيداً من خلال الرصد الدائم للفكر والسلوك، أين يقف هؤلاء وأين يقف أولئك في النماذج التي تتحرك في دائرة عنوان العلماء..

هل هم وعَّاظ السلاطين وحماة السلطة ليكونوا علماء الحكم الجائر؟؟! أو هم وعَّاظ الشعب المستضعف الباحث عن الحقيقة وعن الخلاص في الدنيا والآخرة ليكونوا علماء الإسلام الذين يعملون من أجل أن يكون الإسلام قاعدة الحكم للحياة، وأن تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وذلك من خلال الدراسة الواعية، والنظرة الواسعة، والفكرة العميقة التي لا تحكم على الأشياء بأشكالها الظاهرة، بل بجذورها الضاربة في أرض الحقيقة في رحاب الله.

المنطلق، العدد:59، ربيع الأول1410هـ/تشرين1989م