قضايا فكرية > قيمة مؤسسات الصدر أنها انطلقت من رجل كان عقله مؤسسة

: فضل الله في زيارته الأولى لمؤسسات الإمام الصدر

قيمة هذه المؤسسات أنها انطلقت من رجل كان عقله مؤسسة

 
 بدعوة من السيدة رباب الصدر زار سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله مؤسسات الإمام الصدر في مدينة صور – جنوب لبنان، بتاريخ : 28 رجب 1423 هـ 5 تشرين الأول- اكتوبر 2002م حيث كان في استقباله نجل الإمام السيد موسى الصدر السيد صدر الدين الصدر والسيدة رباب الصدر وأسرة المؤسسة، وحشد من الفعاليات الثقافية والإجتماعية ولفيف من العلماء وحشد من المواطنين.


 وبعد تناول طعام الغداء الذي أقيم على شرف سماحته، ألقى سماحة السيد فضل الله كلمة في قاعة الإحتفالات الملحقة بالمؤسسة، جاء فيها:

 أن نعيش في رحاب مؤسسة تنفتح على الإنسان كلّه ليكون عقله هو العقل المنتج، فهذا يعني تحريك الطاقات لتكون مبدعة، ومسألة أن تبني مؤسسة للإنسان هي أن تبني القاعدة الصلبة التي يرتكز عليها المجتمع بحيث يعيش المجتمع مجتمعيته فلا يتحول إلى أفراد تنفصل عن بعضها، لأن هناك نقطة ينبغي أن نفهمها وهي أن الأرقام الكبيرة تمثل القمة الكبيرة عندما تلتقي مع بعضها البعض، أما إذا إنفصلت عن بعضها فيبقى المجتمع رقماً واحداً.

 أضاف: أن نبني القاعدة الإجتماعية هي أن نوحي للإنسان بأنه ليس وحده في العالم فإذا كان له فكره فللآخرين أفكارهم، وإذا كانت له طاقته فللآخرين طاقاتهم، وعندما تلتقي الطاقات يكون الإبداع.. لهذا أن نلتقي في مؤسسة حاولت أن تسدّ فراغاً في المجتمع وهو فراغ تاريخي فرضه التخلّف على واقع المرأة، فمنعها من أن تكون عنصراً يبني المجتمع بناءً حركياً وجمّد نشاطها حتى أفقدها ثقتها بنفسها.. هذا الضغط التاريخي تمثل في السلبية الخطرة التي لحقت بالمرأة فأفقدتها ثقتها بنفسها، ولذلك نجد أن الأوضاع الاجتماعية قد لا تعطي المرأة المثقفة أو التي تملك الوعي السياسي صوتها أو تأييدها، لأن هذا المسار التاريخي الذي عزل المرأة عن الحياة جعلها عنصراً منتجاً للجسد، وليس منتجاً للعقل والإبداع.

وتابع: قيمة هذه المؤسسات أنها إنطلقت في منطقة عاشت الحرمان التاريخي تماماً كما عاشت المرأة الحرمان التاريخي، هذا الجهد المؤسسي يوحي بأن هناك شيئاً جديداً في المجتمع ولعل قيمة هذا الجديد هو أن الفكرة التقليدية التي كانت تمنع الفتاة من أن تتعلم سقطت لتنطلق فكرة أن تتعلم الفتاة بعد التنظير الذي كان يعتبر أن معنى أن تتعلم المرأة أن تخرج من الدين.. لذلك كانت قيمة هذه المؤسسات أن تتحدى هذه الذهنية الضيقة لتقول إننا نمنح المرأة علماً من طريق الدين وديناً من طريق العلم.. وأستذكر في هذا المجال كلمة للمخترع حسن كامل الصبًاح (رحمه الله) حيث قال: "إن العلوم الطبيعية إذا رُشفت رشفاً أبعدت عن الله، وإذا عُبّت عبّاً قرّبت من الله".. لذلك كان نجاح هذه المؤسسات أنها أعطت علماً ممزوجاً بالدين وديناً ممزوجاً بالعلم, وهيأت للمرأة العمل من موقع الكفاءة ومن حيث أنها تملك المناعة الأخلاقية التي تمنعها من أن تسقط تحت تأثير أي إغراء من الإغراءات.

وقال: أن نلتقي في رحاب هذه المؤسسات الرائدة فعلينا أن نعرف أنها انطلقت من رجل كان عقله مؤسسة فلم يضق قلبه عن كل الناس، كان قلبه رحباً لأنه كان لا يعرف إلا المحبة، ولذلك كان يحب الذين يختلفون معه بنفس المستوى الذي كان يحب فيه الذين يلتقون معه، لأن الإنسان الرسالي لا يمكن أن يدخل الحقد قلبه.. كان الإنسان العالم الذي إنفتح على العلم بتطوره في الواقع المعاصر، ولذلك لم يشعر بأية غربة في أي مجتمع يدخله لأنه كان يعيش المجتمعات في تنوعاتها الفكرية، وكان يرى أن الرسالي لا بد أن يعيش التنوع الفكري من خلال إنفتاحه على التنوع الإنساني.. أن تنفتح على الإنسان كلّه من خلال رسالتك هي أن تفهم عقل الإنسان كلّه، لأن الذي لا يفهم عقل الآخر لا يملك أن يخاطب الآخر.. والذهنية لغة ومن لا يفهم ذهنية الآخرين لا يعرف كيف يخاطبهم.وأردف: كان الإمام الصدر في هذه الرحابة التي جمعت القديم والحديث، كان إنساناً معاصراً.

 ولذلك لم يشعر الذين إلتقوه بأنه يخاطب ذهنية غير ذهنيتهم سواء كانوا من التقليديين أو المجددين. كان عقله يجمع الأديان كلها مع إلتزامه بدينه وإسلامه، ولكنه كان يبحث في الإسلام عما يلتقي الإسلام بالمسيحية، ولذلك كانت حركته في مخاطبة المسيحيين، كان يعرف كيف يخاطب في الإنسان إنتماءه، حتى أنه انفتح على العلمانيين لأنه كان يرى ـ كما نرى ذلك ـ بأنك عندما تعطي نفسك الحرية في أن تفكر بطريقة معينة فعليك أن تعطي الآخر الحرية في أن يفكر بطريقة تختلف عنك، ثم يكون الحوار هو الفيصل.. وهكذا إنطلق في هذه المؤسسات التي أراد أن يركز من خلالها القاعدة لينطلق المستقبل فيحفظ المؤسسة هنا وهناك.. ونحن نعتبر أن هذه السيدة التي أطلقت هذه المؤسسات، السيدة الفاضلة رباب الصدر هي النموذج للمرأة الواعية المنفتحة على الإنسان وعلى الآخر وعلى العصر، فكان نشاطها الذي إنطلق من عقل أخيها وقلبه نموذجاً للمؤسسات الفاعلة المبدعة التي تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، وهي تصلح لأن تكون مثلاً. 

وتابع: عندما نلتقي في هذه المؤسسات في يوم ولادة الإسلام، يوم المبعث النبوي الشريف، نفهم بأن النبي (ص) جاء ليصنع الأمة كمؤسسة. بحيث يندمج الأفراد بكل حركتهم العقلية والعملية ليكونوا إنسان المؤسسة الذي يتحول إلى أمة، عندما تعيش ذهنية الأمة فمعنى ذلك أنك تختزن الأمة في داخلك.. الأمة المؤسسة والإنسان المؤسسة. وعلى ضوء هذا أراد أن يخرج الإنسان من عطائه في ذاتيته.. وبهذا يتأصّل العطاء في الواقع الإنساني ليكون منطلقاً من عمق الإنسان حيث يعيش روحية العطاء من خلال أنه يعيش روحية الحب للآخر. وهكذا نعيش المسؤولية في أن طاقاتنا ليست ملكاً لنا بل هي ملكٌ للإنسان كلّه.

وخلص للقول: إنني وأنا أتحدث إلى أسرة هذه المؤسسات أدعوهم لأن يعتبروا عملهم عبادة يتقرّبون بها إلى الله ليكون عطاءهم عبادة، وقصدهم في حركيتهم حجاً لأن ذلك هو الذي يُقرّب الإنسان إلى الله.


 
السيدة رباب الصدر  


وبعد كلمة سماحته ألقت السيدة رباب الصدر كلمة شكرت فيها سماحة السيد لتلبيته الدعوة، ومما جاء فيها: أستميحكم عذراً أن أتكلم باسمكم مرحبة بسيدنا سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله، وقد تكرّم ولبّى دعوتنا في هذه الليالي المباركة، ليالي المبعث النبوي الشريف.سيدنا: إننا نسعد أن تزور مؤسسات الإمام الصدر في أيام مشبعة بدلالات وإشارات تجعلنا نقف أمام ذاتنا وقفة حساب، فإما طِيبُ السُّرى وسموُّ الإرتقاء، أو إنكفاءٌ منحدرٌ ومصير وضيع.أضافت: إننا ياسيدي، أردناها جلسة عائلية، تضمّ عائلة مؤسسات الإمام الصدر من مجالس الإدارة وإداريين وجهاز تعليمي وتربوي وعمالي إلى جانب الأخوات في جمعية الرابطة النسائية اللبنانية، وأخوات وإخوة متطوعين للعمل في سبيل الله لخدمة عياله، هذه الجلسة رغب إلينا الأخوات والأخوة أن تُخصص لهم للاستماع إليكم أو الحوار معكم، حسب ما تختارون من أسلوب تواصل وهكذا كان.وفي ختام الزيارة جال سماحته على أقسام المؤسسة.