قضايا فكرية > الملكيّة الفكرية بين الشرع والقانون

الملكيّة الفكرية بين الشرع والقانون

النظرية الفقهية في مسألة الملكية الفكرية:

* سماحة السيد، كيف تمت معالجة مسألة الملكية الفكرية في الإسلام، على مستوى النّص أو الفكر؟ وما هو الموقف الفقهي والشرعي من الملكية الفكريّة؟

* النظرة الفقهية المعروفة بين الفقهاء، ولا سيّما الفقهاء المسلمين الشيعة حول مسألة الملكية الفكرية، أنّهم كانوا لا يتبنّون هذه الملكيَّة، وربما لم تكن مطروحةً في الزَّمن الذي انطلقوا فيه في أبحاثهم الفقهية، لأنّها تعتبر من المسائل القانونية المستجدّة. فقد كان الفقهاء يبحثون في البداية، هل يُشترط في المالك أن يكون إنساناً عاقلاً، أو يمكن أن تعتبر الملكية للمكان أو للجهة؟ وهناك بحث في أنه هل يمكن اعتبار الملكية للدولة، أو للجمعية أو للحزب أو للمنظمة أو ما إلى ذلك؟ هناك رأي معروف عند الكثيرين، أنّ هذه العناوين التنظيمية لا يمكن أن تعتبر لها الملكية.

ولذلك، فهناك الكثيرون من الفقهاء الذين يقولون إنّ مال الدولة هو مال مجهول المالك، لأنّ الدولة لا تملك، وربما يتحفَّظ البعض باعتبار أن مصادر هذا المال غير شرعية في بعض مواقعها، ولذلك لا يعرف المالك الحقيقي لها، فهناك وجهة نظر واسعة لدى فقهاء كثيرين، حتى من الفقهاء المتأخّرين، الذين يرون أنَّ الجهة لا تملك، وأن الدولة لا تملك، وأن مال الدَّولة هو مال مجهول المالك، ولذلك فإنَّ التصرُّف به في أيِّ جانب، لا بد من أن يُرجع فيه إلى الحاكم الشرعيّ، وهو المجتهد العادل، ولذلك نجد أن المؤمنين عندما يتصرَّفون بأموال الدولة من خلال الرواتب التي يأخذونها، أو في ما تأخذه الدولة منهم مقابل إنجاز المعاملات، يأخذون الرخصة بذلك من الحاكم الشرعي.

إذاً هناك نظريَّة واسعة تقول إنّ الجهة لا تملك، وربما نجد بعض الفتاوى القلقة ممن يستحلّون أموال الدولة على أساس أنَّ الدولة لا تملك، فهي أموالٌ لا مالك لها. ولذلك يضعون أيديهم عليها، وهذا ما نلاحظه فيما حدث في العراق، إذ وضع الكثيرون أيديهم على كثيرٍ من موارد النفط وتملّكوه، أو وضعوا أيديهم على المساكن التي كانت للدولة، وعلى وزارات الدولة، وعلى كل أجهزة الدولة من سيارات وغيرها، باعتبار أنه لا مالك لها. وهكذا تمتدُّ المسألة إلى ملكية الجمعية للمال الذي يقال عنه إنه مال الجمعية أو الحزب أو المنظَّمة أو ما إلى ذلك. ولكنّنا لا نوافق على هذا الرأي، بل نرى أنَّ الدولة تملك، وأن الملكيَّة هي من الأمور العقلائية الاعتبارية، بمعنى أن الناس في تعاملهم الاجتماعي، وفي مبادلاتهم الاقتصادية وغيرها، ينظّمون عمليات التعامل والتبادل وفق تفاهماتٍ معينة، تخدم مصالحهم جميعاً، وتتحول هذه التفاهمات بعد حين إلى قوانين، ثم تأخذ قوَّة الواقع حين يأخذها كلّ النّاس بعين الاعتبار.

إن هذا الواقع حين يقرّه العقلاء، يتحول إلى واقع محظيّ بالشرعية. وبناءً عليه، يمكن اعتبار الملكيَّة للجهة أو للدولة، تماماً كما تعتبر الملكية للشخص، لأنَّ الملكية هي أمر اعتباري جعليٌّ في هذا المقام. وفي هذا الإطار، ثمة إشكال يطرح: هل يملك المسجد مثلاً أو الحسينية أو المؤسسة، بعض الأملاك أو الأراضي التي ترصد لها، أو لا تملك؟ من البديهيات أنَّ المسجد كمسجد لا يملك عقلاً، فلا يمكن اعتبار الأراضي ملكاً له، بل هذه الأراضي هي من قبيل الشَّيء الذي يعتبر من مختصات المسجد، وليس من أملاكه. ونحن انطلاقاً من نظريّتنا في أنَّ الملكيَّة أمرٌ اعتباري، يخضع للآثار التي تترتَّب عليه، نعتبر المسجد مالكاً لهذه الأراضي، لكنّ وليَّ المسجد أو المشرف عليه هو الّذي يلي ويتابع حركة هذا الملك في استثماره وصيانته.

وبفعل الأوضاع القانونية التي انطلقت من الغرب وامتدَّت إلى الواقع الإسلامي، وفي موضوع الملكية أيضاً، فقد أثيرت ملكية الاختراع أو ملكية الكتاب أو ملكية أية منظومة فكرية، عندما يكون لها منافع بآثارها على مستوى الاستثمار أو على مستوى المبادلات في المعاملات القانونيَّة وما إلى ذلك. وقد لاحظنا أنَّ الكثير من الدّول عملت على تقنين الملكيَّة الفكريَّة، واعتبار الجهد الصَّادر من الشَّخص أو من المؤسَّسة جهداً يملكه الشخص بآثاره، فليس لأحد أن يتعدى عليه أو يسرقه، وإذا فعل ذلك، يكون حكمه حكم السارق، فهذا الجهد يمكن بيعه والمعاوضة عليه، ويمكن استئجاره، إذا كان له منفعة متحرّكة في هذا المجال.

 

الملكية الفكرية أمر اعتباري عقلائي يخضع للآثار التي تترتب عليه

والظَّاهر أنَّ الفقهاء حتى الآن في أغلبيتهم، لا يقرُّون الملكية الفكرية، ويرون أنّ الاختراع الّذي يخترعه أيّ إنسان، يمكن لأي شخص أن يأخذه وأن يستفيد منه، وعندما يطرح هذا الاختراع ويطّلع عليه الناس، فللناس أن يأخذوه ويستثمروه، وليس له حقُّ منعهم من ذلك. وهكذا بالنّسبة إلى الكتاب، سواء من خلال المؤلّف، أو من خلال الناشر، أو من خلال الأثر الأدبي، كذلك الأمر بالنسبة إلى القصيدة التي ربما يراد تلحينها أو ما أشبه ذلك، مما يأخذ عنوان الجهد أو الإنتاج الفكري للإنسان على أيّ نحو من الأنحاء، لأنّهم يرون أنّ الحقَّ، وهو الذي تخضع له مسألة الملكية الفكرية، وإنَّما يكون له شرعية إذا جاء من مصادر التشريع الإسلامي، وحيث لا تأكيد للملكيّة الفكرية في جميع مواقعها في هذه المصادر، فإنّهم لا يرون أن لصاحب هذا الجهد أو لصاحب هذا الإنتاج حقاً في منع الآخرين من استثماره أو استغلاله، فإذا أعجبني، مثلاً، كتابٌ فيمكن لي أن أطبعه، ويمكن أن أستثمره أيضاً، وعندما أقرأ قصيدة يمكن لي أن ألحنها وأن أستثمرها، وهكذا بالنسبة إلى أيِّ اختراع. فهذه هي النظرية الفقهية العامة الموجودة، على الأقلّ لدى العلماء المسلمين الشّيعة.

ولكنّني في اجتهادي الفقهيّ، أجد أنّ مسألة الملكية هي أمر اعتباري عقلائي، فالعقلاء في تنظيمهم أمورهم العامة، حتى من قبل أن تولد القوانين في العالم، يحاولون تنظيم حياتهم من خلال مواضعات أو تفاهمات معينة، بحيث يخضع هذا التنظيم للمصالح التي يفرضها واقع النظام العام للمجتمع، وبذلك فإن العقلاء لا يمانعون أساساً من اعتبار الملكية للجهد الفكري والإنتاج الفكري إذا أصبحت له آثار ومنافع، تماماً كما هي الملكيات العينية، فكما يمكن اعتبار الملكية للدار وللبستان، وللأرض، والملكية لما ينفع من آلات أو أجهزة، كذلك يمكن للإنتاج الفكري الذي له منافع أن يدخل تحت عنوان الملكية.

فالملكيّة، كما يُعبِّر الفقهاء، هي عملية اعتبارية، يعتبر فيها العقلاء أنّها كل شيء له قيمة مالية، أو إذا كان هذا الشيء يختزن في خصوصياته وفي عناصره منافع عامة. ولذا فكما اعتبرنا الدار مالاً، والبستان والأرض مالاً، والسيارة مالاً، أيضاً نعتبر الكتاب مالاً، ليس الكتاب بمعناه الشَّخصيّ، بل بمعناه النوعي، الذي يشمل هذا الجهد الموجود في داخل الإنتاج، والذي يتمثَّل في كلِّ ما يصدق عليه الكتاب، سواء بالنسبة إلى المؤلّف الذي له الحق، أو النّاشر إذا كان يملك حقَّ النشر، وهكذا بالنسبة إلى براءة الاختراع.

 

إذا اعتبر العقلاء الإنتاج الفكري مالاً فإنه يتحول إلى ملك يحرم التعدي عليه أو سرقته

ولذلك، فإنّه عندما يعتبر العقلاء الإنتاج الفكريَّ مالاً، ويعتبرون صاحبه مالكاً، ويرون أنّ هناك علاقة بين الملكية والمال، فإنّ هذا الإنتاج يتحوَّل إلى ملك ويترتَّب عليه كل آثار الملك؛ من حرمة التعدي عليه، واعتبار الإنسان الذي يأخذه بدون رضى صاحبه سارقاً ومعتدياً، وهكذا يمكن المعاوضة عليه بعملية البيع أو عملية الاستئجار أو الاستثمار أو ما إلى ذلك، وذلك بحسب فتوانا، وهناك أيضاً بعض الفقهاء المتأخرين ممّن يرون ذلك. من هنا، نحن نقول بالملكية الفكرية في نطاق المجتمعات التي تأخذ بها، لأنّ هناك بعض المجتمعات الموجودة في العالم، قد لا تُقرُّ بالملكية الفكرية، بمعنى أن الإنتاج الفكري لا قيمة مالية له عندها، ولذلك فلا اعتبار لها من ناحية ترتيب الآثار المالية وآثار الملكية. ولكن في الإجمال، فإنّ أغلب المجتمعات أصبحت تعتبر الإنتاج الفكريّ ملكيّة، سواء على مستوى القانون الموضوع في الدولة، أو على مستوى انطلاق هذا القانون في عرف الناس، بحيث إنَّ الناس يتداولونه كشيء مقبول عندهم، فأصبحت الملكية الفكرية ملكاً بكل ما للملك من آثار ومن أحكام وأوضاع.

الحركة الفكرية عند المسلمين:

* كيف تراجع فكرنا لمصلحة الفكر الآخر؟

- مسألة تطوَّر الحركة الفكريَّة، وانتشار الفكر، أو سيطرة فكر على فكر، أو إلغاء فكر لفكر، تخضع لعدة أسباب، فربما يغلب فكر على فكر، لأنّ الناس الذين يستهلكون هذا الفكر الجديد يرونه أكثر قوةً وفاعليةً وصحّةً وارتباطاً بمصالحهم من الفكر القديم، فيأخذون به على أساس قوته مقارنةً بالفكر القديم، وربما تنطلق المسألة من ناحية موازين السياسة في القوة والضعف، فعندما تنطلق قوة كبرى في العالم تملك السيطرة على مقدّرات العالم الاقتصادية والثقافية والسياسية وما إلى ذلك، فإنها تفرض بذلك ثقافتها وتجعلها حاجةً للناس في مقابل ثقافة أخرى، باعتبار أن السيطرة الثقافية قد تعزِّز قواعد

السيطرة السياسية والاقتصادية. لذلك فإنّ ارتباط الناس الضعفاء بهذه القوة نتيجة القوة الاقتصادية التي تسيطر عليهم وتدخل في مفاصل حياتهم، أو القوة السياسية أو القوة الأمنية العسكرية، قد تجعل مؤسسات القويّ تسيطر على كل مؤسسات الضعيف، وبذلك فإنها تفرض عليها طريقتها في التربية والتعليم والتفكير والانفتاح على خطٍّ فكري معين، والانغلاق على خطٍّ فكري آخر، وهذا ما لاحظناه عندما دخل الاستعمار المنطقة العربية الإسلامية، حيث استطاع أن يفسح للأساليب التربوية والإدارية المتّبعة في الغرب، مجال الدخول في تكوين الدولة أو تكوين المؤسسات وما إلى ذلك.

 

السيطرة الثقافية تعزز قواعد السيطرة السياسية والاقتصادية

وهكذا انطلقت المسألة الفكرية، عندما حاول الغرب أن يفرض حضارته على مواقع الحضارة الإسلامية، فاستسلم لها المثقّفون والمتعلّمون الذين درسوا في مدارس الغرب وجاؤوا يحملون فكره، أو الذين درسوا في الجامعات التي أنشأها الغرب في بلادنا، وهو ما ترك أثراً كبيراً في ثقافة العالم الإسلاميّ ومبادئه واتّجاهاته.

صراع الثقافات:

* لكن أساس هذا الفكر ليس غربيّاً، فقد استند في تطوّره إلى الفكر الإسلامي، ثمّ بعد ذلك استغل الجوهر ورمى لنا بالقشرة. كيف نجح الغرب في هذا المجال؟

- من الطّبيعي أنّه عندما انطلق الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي، فإنّ المفكرين في الغرب، سواء على مستوى الإدارات الغربية السياسية الحاكمة، أو على مستوى المؤسسات الغربية العلميَّة والثقافيَّة، كانوا يخطّطون للسيطرة على العالم الإسلامي، بإبعاده عن جذوره الفكرية الفلسفية والروحية وما إلى ذلك، بعدة أساليب، منها أوَّلاً: تغليب الخطوط المادية على الخطوط الروحية، إذا صحَّ التعبير. ثانياً: الإيحاء للمجتمعات الإسلاميَّة التي خضعت للقوَّة العسكرية والسياسية والاقتصادية الغربية، بأنّ سرّ تخلّفها هو الثقافة الإسلامية، وأنّ قوة الغرب إنما هي في ثقافته، ليستبدل بذلك المسلمون ثقافتهم بثقافة الغرب. كما جرى اعتماد أسلوب التشويه للثقافة الإسلامية عبر تحريف المفاهيم الإسلامية، وذلك من خلال الحديث مثلاً عن شخصية النبي(ص) بالطريقة السلبية، كما نلاحظه في بعض الأبحاث، أو تشويه صورة الدين الإسلامي بأنّه دين عنف ودين إرهاب ودين اللاعقل واللافكر، كما لاحظنا ذلك في محاضرة البابا الجديد، وهكذا بعض التشريعات الإسلامية، كمسألة تعدّد الزوجات، أو القضايا التي تتصل بالمرأة وحقوقها بشكل عام، أو بالنسبة إلى حقوق الإنسان التي يختلف فيها الجانب الإسلامي عن الجانب الغربي في بعض القضايا وما إلى ذلك، لتصوير الإسلام في مفاهيمه الفكرية بأنّه دين لا يمكن أن يصنع الحضارة، وأنّه الدين المسؤول عن التخلّف الحضاري للمسلمين، في الوقت الذي نعرف جميعاً، أنّ تخلف المسلمين لم ينطلق من الدين، وإنما انطلق من الجهل ومن المؤثّرات الخارجية والداخلية وما إلى ذلك.

ضرب الهوية الثقافية الإسلامية:

* من شعارات العولمة الأمريكيَّة اليوم، تمكينُ الإنسان وتمكين المجتمع، والتمكين يعني إعادة إنتاج الذات، ومن الواضح أنَّهم يلغون الشخص الآخر، حيث لا يقبلونه مساوياً لهم، بل مهمَّشاً وملحقاً ؟

- عمليَّة الإلغاء، سواء كانت على مستوى إلغاء شخص لشخص، أو إلغاء مجتمع لمجتمع، أو إلغاء عَالَم لِعَالَم، تنطلق من تحريك نقاط الضعف الموجودة في داخل المجتمع الذي يراد إلغاؤه لمصلحة تحويله إلى هامش من هوامش المجتمع الآخر، وهذا ما تقوم به المؤسسات الثقافية التي أسَّسها المستشرقون الذين ساروا مع الاستعمار، وعملوا في أبحاثهم على تشويه التَّاريخ الإسلاميّ وتشويه الإسلام، باعتبار أنه الدّين الذي انتشر بالسَّيف، وأنّه الدين الذي لا ينطلق بالحكمة والموعظة الحسنة والحوار والإقناع وما إلى ذلك، ثم انطلقت المسألة في حركة المؤسَّسات الثقافية، من الجامعات والنوادي ومراكز الأبحاث والدراسات، والتي خُصِّصت لدراسة الإسلام، ولكن في سياق مدروس، يتجلَّى في السعي الحثيث لالتقاط بعض نقاط الضّعف التي يعتبرونها نقاط ضعف مقارنةً بما يعتبرونه نقاط قوة عندهم، والإيحاء للمسلمين أنَّ هذه نقاط ضعف في الدِّين أو في الحضارة وما إلى ذلك، واعتبار الحضارة الغربيَّة، من خلال هذا التقدُّم الكبير في مجال التكنولوجيا، ومن خلال غزو الفضاء، ومن خلال الكثير من الاختراعات؛ اعتبار هذه الحضارة هي التي يمكن أن تبني للإنسان تقدّمه وتطوّره، وأنّ الإسلام عندما نلاحظ حركته في واقع العالم الإسلامي، هو المسؤول عن التخلف وما إلى ذلك.

من الطّبيعي جداً، أن الخطَّة السياسية والثقافية التي يحاول الغرب أن يحرِّكها، تعمل على إيجاد ذهنية إسلامية تنكر على التاريخ الإسلامي وعلى التشريع الإسلامي وجود عناصر حضارية في داخله، وهذا ما جاء به المتغرّبون المسلمون الذين عاشوا في الغرب وخضعوا لحالة الانبهار بحضارته، ولم يفهموا أن عناصر التخلف الموجودة في الواقع الإسلامي ليست منطلقة من الإسلام، وإنّما هي منطلقة من طبيعة التراكمات التاريخية التي أحاطت بالواقع الإسلامي.

 

عناصر التخلف في الواقع الإسلامي تكمن في التراكمات التاريخية التي أحاطت به

أصالة التفكير تمنع التقليد في الإسلام:

* لماذا تمَّ تغييب فكر الإمام علي(ع)، وهو فكر غني على كلِّ المستويات؟ وهل نحن فعلاً مقلّدون كما يقول الغرب؟

- أما بالنسبة إلى الإمام علي(ع)، فالسَّبب الذي أدَّى إلى ابتعاده عن دائرة الضوء، هو أنّ الحكم الذي عاشه المسلمون منذ العصر الأموي حتى الآن، لم يكن الحكم الذي يشجّع على الاهتمام بفكر الإمام عليّ(ع)، لذلك ندَّعي أنَّ فكر الإمام علي(ع) لم يتمّ التعامل معه إلى الآن في العمق الذي يتمثَّل فيه، والَّذي يمكن أن نجعله في مصاف الفكر

الجانب السياسي هو الذي أبعد فكر الإمام علي(ع) عن ساحة الإنتاج الفكري

العالمي، بقطع النَّظر عن الجانب الديني أو جانب التقديس للإمام علي(ع)، لكن هذا الفكر هو فكر معاصر لكلِّ زمن. ولكن كما قلنا، فالجانب السياسي هو الذي أبعد فكر الإمام عليّ(ع)، حتى إنّنا نرى أنّ الجامعات عندنا، سواء في لبنان أو في مصر أو في غيرهما، لا تهتم بأخذ نصوص كثيرة من نهج البلاغة في الجانب الفكري والاجتماعي والسياسي، أو من كلمات الإمام علي(ع) في الجانب الأدبي والبلاغي. أمَّا مسألة التقليد، فالإسلام هو ضدّ التقليد أساساً، والقرآن الكريم واجه مسألة تقليد الآباء والأجداد، ورفضه رفضاً شديداً. جاء في القرآن: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ* قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}(الزُّخرف/23-24)، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}(البقرة/170).

حتى إنّنا في التفكير الإسلامي العقيدي، نقول بعدم جواز التقليد في أصول العقائد، بل لا بد للإنسان من أن يجتهد إمَّا بشكل إجمالي أو بشكل تفصيلي في الاعتقاد، وكذلك الإسلام لا يشجِّع الإنسان على أن يكون ظلاً أو صدى للآخرين، بل يريد له أن ينطلق من خلال إنتاجه لفكره ورأيه، وطلب منه أن يضم عقله إلى عقول الآخرين، حتى تنضج أفكاره، «من شاور الرجال شاركها في عقولها»، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشُّورى/38).

 

التقليد ليس سقوطاً أمام الجانب الفكري

أمَّا مسألة التَّقليد الفقهي، فهو ليس سقوطاً أمام الجانب الفكريّ، بل هو رجوع غير الخبير إلى أهل الخبرة، فمن يقلِّد الفقيه، إنّما يرجع إليه لأنّه لا اختصاص له في الفقه، ولا يستطيع أن يحدد تكاليفه الشرعية، باعتبار أنها تحتاج إلى اجتهاد واستنباط، فيرجع إلى أهل الاجتهاد، تماماً كما يرجع الناس إلى أهل الخبرة في الهندسة أو الطب أو ما أشبه ذلك، فهذا من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم، وليس من قبيل التقليد الذي تسقط فيه شخصية الإنسان الفكرية تحت تأثير شخصيَّات أخرى.

النظام في القوانين الحياتية:

* ما هو نظام اللانظام؟

- اللانظام يمثل الفوضى، لأنّ اللانظام يخضع لمسألة الصدفة، والصدفة ليس لها دور في تكوين الكون أو في تكوين الإنسان، بل إنّ الإنسان حتى في وجوده المادي والروحي، يخضع لنظام معيَّن، قد يكون نظام التكوين أو نظام التشريع أو نظام التفكير، وهكذا أيضاً في نظامه الاجتماعي والغذائي وغيره، وإذا اختلَّ نظامه وأصبح ينطلق على مستوى الصدفة، فإنّ حياته تختلّ. حتى إن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الكون، لم يخلقه على أساس اللانظام، بل على أساس: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}(القمر:49).

فالكون مركَّب وفق قوانين طبيعية، ولذلك، فالتفكير الديني لا يقول بأنَّ الظواهر الطبيعية تنطلق كلّها من إرادة الله بشكل مباشر؛ الله سبحانه وتعالى هو سِرُّ الكون كلّه، ولكن من خلال الأسباب التي وضعها. ولذلك نحن نقول بقانون السببية، ونقول إنّ المؤمن عندما يجلس مع الملحد أمام المختبر، فإنهما ينطلقان بذهنية واحدة في دراسة الظاهرة على أساس سببها، فالمؤمن يحاول أن يكتشف السبب، كما هو الأمر عند غير المؤمن.

 

الله سرّ الكون كلّه من خلال الأسباب التي وضعها

غاية ما هناك، أنَّ غير المؤمن لا يحاول أن يمتد إلى ما وراء السبب وإلى مسبِّب السبب، بينما المؤمن ينطلق إلى مسبِّب السبب.

أجرى الحوار

الأستاذ حسين دياب