قضايا مختلفة> من أهداف العدوان الأمريكي على العراق  

من أهداف العدوان الأمريكي على العراق

إعداد قسم التحرير

دأبت الدعاية الأمريكية والصهيونية في شنّ حرب إعلامية وسياسية واقتصادية قاسية على المنطقة من أجل إخضاعها وإحكام سيطرتها على العالم، وقد ساهمت الظروف الدولية والإقليمية على المضي في مثل هذا التوجه، لا سيما بعد انهيار المعسكر الشرقي وانتهاء الحرب الباردة، ودخول العالم مرحلة جديدة عكفت الدوائر الأمريكية العليا ومن ورائها الصهيونية العالمية على صياغة ورسم لمعالم جديدة، فجاءت حرب الخليج الثانية "عاصفة الصحراء 1991"، في أعقاب توريط النظام العراقي بغزو الكويت، بحيث شهدت تلك المرحلة بداية تشكّل أطروحة ما يسمى "النظام العالمي الجديد" ذو القطبية الواحدة.


صورة مصفاة لتكريرالنفط في العراق

لقد حاولت الولايات المتحدة من خلال ذلك إخضاع كل القوى الممانعة في العالم، وطوي القضية الفلسطينية إلى الأبد، ولكن هذا النظام كان تعتريه ثغرات عديدة حالت دون تحقيق ذلك، إلى أن جاءت عملية 11أيلول ـ سبتمبر لتفتح ما يسمى بقضية أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة وشيوع الحالة التي أسمتها واشنطن بـ"الحرب المفتوحة على الإرهاب" في العالم، حيث أدرجت في لائحتها مجموعة الدول المستهدفة بها، وكان من بينها دول "محور الشر" والتي جاء العراق في مقدمتها، حين فبركت قصة اقتنائه أسلحة الدمار الشامل، التي شكلت ذريعة الحرب القائمة.

كانت هذه الأهداف المعلنة، ولكن الأهداف الحقيقية للحرب تتمثل بالنقاط التالية:

ـ الإمساك بالنفط في العراق الذي يمثل أكبر احتياطي في العالم بعد السعودية، خدمة لأهداف الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات التي تلعب دوراً أساسياً في تقرير السياسة الدولية عموماً، إلى جانب سيطرة اللوبي العسكري ـ التجاري على مفاصل الإدارة الأمريكية هذه الأيام خصوصاً.

ولذلك كانت أمريكا كما جاء في مجلة (لوبون): " تفكر دائماً في البترول العراقي دون أن تفصح عن ذلك أبداً، وتدرك أمريكا أنها بسيطرتها على البترول العربي في العراق سوف تظل تمارس نفوذها على حلفائها في اليابان وأوروبا الذين يعتمدون بشكل كامل على بترول المنطقة العربية، ليس هذا فقط، وإنما ـ كما تشير صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، فإن أمريكا تريد من استحواذها على النفط العراقي حرمان القوى الدولية المناوئة لها من الحصول عليه خاصة الصين، وتضيف: منذ عام 1993 والصين أحد مستوردي البترول الرئيسيين من العالم العربي، ومن المتوقع تضاعف استهلاكها في الفترة من عام 2005 إلى عام 2020.

كما أن السيطرة على بترول العراق سوف يحرر أمريكا من الحاجة إلى البترول السعودي الذي يمثل 15% من الاحتياجات الأمريكية للطاقة، خاصة وأن السعودية تمثل في منظور الإدارة اليمينية الأمريكية قوة "وهابية" غير موثوق فيها. كما أن هناك حديثاً عن أجواء عدم الثقة بوليّ العهد السعودي من جانب الأمريكيين، يضاف إلى ذلك السعي إلى إحداث تغيير جيوبولتيكي في السعودية يقسمها إلى عدة مناطق، ما يؤدي إلى إلى إضعافها.

كما أن إحكام السيطرة الأمريكية على النفط ـ كما تقول ليبراسيون ـ سوف يحرم ما تسميه الإسلام الراديكالي من أحد مصادر تمويله.

ـ اتخاذ العراق كقاعدة انطلاق، وجسر للعبور إلى الساحات الإقليمية المستهدفة ذات التماس الجغرافي مع العراق، لا سيما إيران وسوريا وغيرها، حيث تتهم واشنطن كلاهما بالضلوع في دعم أنشطة الإرهاب الدولي، بل وتضع إيران ضمن الدول الثلاث لمحور الشر إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، فيما تتهم سوريا بدعم المنظمات الفلسطينية المسلحة والتي تصفها بالإرهابية.

على أن هذا السعي إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة العربية، يستهدف القضاء على أي دولة أو قوة سياسية لا تقبل بشكل مطلق بالإملاءات الأمريكية والصهيونية في آن واحد، وزرع أنظمة جديدة في المنطقة تابعة لها في سياساتها وثقافتها، وتلعب دور الشرطي لخدمة الأهداف الأمريكية ولمحاربة الإسلام الذي تسمه بالإرهاب على اعتبار أنه العدو الأول لها، وذلك بما يتلاءم مع الوضع الدولي الجديد ذي القطب الواحد الذي تقوده أميركا وبما يتناسب مع حجمها العسكري وثقلها السياسي وهيمنتها الاقتصادية، يضاف إلى ذلك تحسين الوضع الأمني لإسرائيل وإبعاد شبح الخوف عن مصير كيانها خاصة بعد الضربات الموجعة التي كالتها المقاومة الإسلامية في لبنان والانتفاضة في فلسطين، وبالتالي إعطاء الكيان الصهيوني دوراً في صياغة المنطقة.

وعلى ما يبدو، فإن التغيير لن يستهدف الجغرافيا السياسية للمنطقة فحسب، بل يستهدف رسم ما يمكن أن نطلق عليه "الجيوستراتيجيا الخاصة بالهوية والثقافة" أي إعادة تشكيل وعي الناس وهوياتهم في العالم العربي، بحيث يتم نزع الهوية العربية الإسلامية خاصة العربية بشكل عام لصالح الهوية الأمريكية الجديدة، وهذا ما يرسخ النفوذ الأمريكي على أرض الواقع بالقوة لتحقبق الأهداف التي فشلت الديبلوماسية في تحقبقها، بحيث يصبح احتلال العراق مدخلاً لبزوغ العصر الصهيوني من جديد وعودة التبشير بالإنسان الشرق أوسطي الخالي من القيم والروح، والذي تحكمه المصلحة والمنفعة واللذة.

على ضوء ما تقدم لا يمكننا عزل الموقف الأمريكي من العراق عن سياقاته العقائدية والسياسية والاقتصادية، حيث تدخل عقيدة القتل وصناعة الموت التي تتمثّل بقتل المدنيين، بما في ذلك الإبادة الجماعية في صلب الممارسات العسكرية الأمريكية، ولا شك أن هذا النهج بدأ منذ حط أجداد الغزاة الحاليين أقدامهم في العالم الجديد، أي منذ إبادة الهنود الحمر، مروراً باستخدام القنابل الذرية في اليابان عند نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي لا تزال آثارها التدميرية والنفسية في أرض اليابانيين وذاكرتهم. إلى مجازرهم البشعة في فيتنام، وصولاً إلى الحصار الذي فرض على العراق، والذي قضى على أكثر من مليون طفل عراقي، وأخيراً العدوان العسكري المتواصل على الشعب العراقي وما تشهده هذه الحرب من مجازر تشكل شاهداً على سياسة الموت التي يتبعها الأمريكيون.

وقد يختلف الشكل والسلاح والأسلوب، ولكن الحصيلة نفسها، إنه تاريخ أمريكا الدموي يكرر نفسه بأساليب ووسائل أخرى.