قضايا مختلفة> قضايا المسلمين، المعارضة العراقية: الدور والملابسات

المعارضة العراقية: الدور والملابسات

في خضم التجاذبات الدولية والإقليمية، وبعد النجاحات التي حققها الأمريكيون في أفغانستان، في الحرب على ما يسمى "الإرهاب"، بدأت الولايات المتحدة التخطيط للانتقال إلى المرحلة الثانية من الحرب على "الإرهاب" وإزالة أسلحة الدمار الشامل، تمهيداً للقضاء على النظام العراقي واستبداله بعراق آخر بعيداً عن الإرهاب وأدواته، وأكثر عدلاً مع مكوناته الشعبية، وأقّل قمعاً وعنفاً لحرية القول والفعل، كما تدعي. وبعبارة أخرى، إرساء نظام ديمقراطي على النسق الأمريكي، ولذلك بدأت التساؤلات عن كيفية التعامل مع هذا النظام، فهل يكون ذلك من خلال ضربة عسكرية أميركية أو من خلال إزالة نظامه وأركان هذا النظام بانتفاضة شعبية دون الحاجة إلى عمل عسكري خارجي وتحديداً أميركي؟ هذا فضلاً عن الحديث عن دور المعارضة العراقية وطبيعة علاقتها بالأمريكيين، وما إلى ذلك. عن كيفية ذلك، تحدث سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله، من خلال العديد من اللقاءات والمحاضرات والمقابلات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية:

المعارضة ودورها في الإطاحة بالنظام:

في الحديث عن المعارضة ودورها في الإطاحة بالنظام، يرى سماحته أن هناك صعوبة بالغة دون الحاجة إلى عمل عسكري خارجي، وتحديداً أمريكي، وأن دون ذلك عقبات وعوائق كثيرة أوضحها في قوله: "عندما نريد أن ندرس الوضع العراقي، نجد أنه من الصعب التفكير بزوال النظام من الداخل، لأن العناصر الأمنية التي حشدها النظام بطريقة تجعل مسألة الأمن هي المسألة الأولى التي تدخل في كل مفاصل النّظام، بحيث لا يخلو موقع عسكري أو اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي أو ديني من هذه التركيبة الأمنية المخابراتية، بحيث يخشى حتى رجال المخابرات على أنفسهم من نظام المخابرات الذي يمكن أن يطلّ عليهم من هنا وهناك.

لذلك من الصّعب جداً القيام بحركة داخلية انقلابية ضد النظام. ربما يفكر بعض الناس بعملية الاغتيال لرأس النظام، وقد حاولت بعض الجهات المعارضة أن تدخل هذه التجربة، ولكنها فشلت بأجمعها من خلال طبيعة عناصر الحماية التي تحيط برموز النظام، ولا سيما الرمز الأول، ومن خلال المخابرات الدولية، وفي طليعتها الأميركية التي كانت تحمي النظام من أية عملية اغتيال، خاصة عندما كانت المسألة الإيرانية ـ حسب تصور المخابرات المركزية الأميركية ـ تتحرك في هذا الاتجاه.

إنّ المسألة بحسب طبيعة الواقع الداخلي تحمل الكثير من عناصر الاستبعاد. ولكن ربما يفكّر البعض في أن الطريقة المخابراتية قد تساعد في توفير ظروف انتفاضة داخلية، وخصوصاً بعدما ركزت بعض الأجهزة المخابراتية وجودها في بعض المواقع لا سيما المنطقة الكردية أو في غيرها من المناطق، وعملت، سواء من الخارج أو من الداخل، على النفاذ إلى بعض المواقع العسكرية الموجودة في الخارج، والتي لها صلة بالداخل. هذا إضافة إلى الحالة الخانقة التي يعيشها الشعب العراقي من خلال طبيعة النظام وأسلوبه في إدارة المسألة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، أو من خلال الضغوط الخارجية التي فرضت الحصار على العراق بحجة أنها تريد إضعاف النظام بسبب ذلك. لكنها تعرف أن الحصار لا يمسُّ النظام ولا يؤثر عليه من قريب أو بعيد، بل كانت المسألة تمثل مشكلة للشعب العراقي ما أدى إلى هجرة غير معقولة للعراقيين إلى الخارج.

إن مثل هذه العناصر ربما يؤدي إلى خطة تترك تأثيرها على زوال النظام، لكن من خلال دعم خارجي يدخل في مفاصل هذه الخطة بطريقة خفية تارة ومعلنة أخرى، أو بطريقة الإيحاء بالحماية، وهو ما قد يدفع إلى تشجيع انتفاضة شعبية أو عسكرية، وهذا ما قرأناه في تصريحات بعض المعارضين الذين ذهبوا إلى واشنطن عندما قالوا: "إننا نريد أن نتحدث مع المسؤولين الأميركيين كي لا يعيدوا التجربة التي قاموا بها بعد حرب الكويت عندما أسقطوا الانتفاضة الشعبية بدعمهم للنظام بما أعطوه من القوّة والإمكانيات التي كان يفتقدها، وكي تقوم أميركا بحماية هذه الانتفاضة من ضربة النظام، أو بعدم التدخل لحماية النظام من خلال ذلك"(1).

ولكن هذه المعارضة،كما يرى سماحته، لم تحقق مبتغاها من رحلة السير إلى أمريكا، مبررين أن لقاءاتهم بالمسؤولين الأمريكيين لا تندرج في إطار التعاون، وإنما للاستماع " إلى طروحات الإدارة الأمريكية، وأنهم لا يشجعون حرباً أميركية ضد العراق، لأنها ستؤدي إلى زيادة معاناة الشعب العراقي". هذا ما ادعته المعارضة، ولكن سماحته، وفي أعقاب لقائه في دمشق بوفدٍ من المجلس الأعلى العراقي، بنظرته الثاقبة ومعرفته الواسعة بالقضية العراقية وإحاطته بملابساتها والعوامل المحركة لها، أوضح هذا الالتباس بأن أمريكا لا تعطي لهذه المعارضة أية أهمية، لكنها أرادت من خلال دعوة هذه الفصائل، أن تأخذ شرعية عراقية شعبية في حملتها على النظام، وتبرير حربها الهادفة إلى إسقاطه، على اعتبار أن هناك مطلباً شعبياً عراقياً يدعوها إلى تحرير الشعب العراقي من نظام صدام حسين. ويكشف سماحته أن هذه المعارضة في خطابها تذهب في المجال إلى أكثر من التعاون والقبول بتوجيه أميركا ضربة عسكرية للعراق، والاستعداد "للقبول بالشيطان بدلاً من صدام حسين، ولكن خطابهم لا يزال في دائرة الاهتزاز داخل الضباب"(2).

أمريكا والمعارضة العراقية

ويتحدّث سماحته في موقع آخر عن حدود العلاقة الأميركية مع الفئات العراقية، وخصوصاً الشيعية منها، ليرسم طبيعة مسار هذه العلاقة وعوامل تكوّنها، واستغلال الأمريكيين للواقع السيئ الذي تعيشه هذه المعارضة، ويأتي ذلك في قوله:"من الطبيعي أن الشعب العراقي عانى من صدام حسين ما لم يعانه شعب آخر في المنطقة، فالرئيس العراقي عمل ما لم يُعمل، وسالت الدماء أنهاراً في العراق، وامتلأت السجون، لذلك فإن الشعب العراقي، بشكل عام، بجميع أطرافه ومواقعه، مستعدٌ أن يتقبّل أيّ شخص يخلِّصه من هذا النظام...

المسألة هي أن أميركا تريد أن تحصل على شرعية عراقية من خلال عناوين دينية أو علمانية أو ما يشبه ذلك، والمعارضة العراقية شعرت بأنها تستطيع الدخول في حوار مع أميركا لترتب أوضاعها وأوضاع العراق بعد الحرب. ولكنني أتصور أن الأميركيين قاموا بخديعة، كما هي عادة كلِّ المستعمرين، سرعان ما انكشفت عندما بدأوا يتحدثون عن جنرال أميركي يحكم العراق. إن الأميركيين ما زالوا يلعبون لعبة الكلمات المتناقضة التي ربما تعطي للمعارضة نوعاً من الشعور بالأمل. إن هذه المعارضة لا تملك فاعلية على الأرض بالمستوى الذي تستطيع أن تستخدم فيه الخطة الأميركية، لو أرادت أميركا أن تنفذ خطتها التي يتحدث عنها السياسيون الأميركيون"(3).

العراق بين مأزقين

ومن المشكلات التي يعاني منها العراق، أن المجتمع العراقي عانى التدمير طوال عقود متلاحقة، ولم يشهد الانطلاقة السياسية المتوقعة مع الاحتلال الأمريكي، وهذا ما عكسه كلام سماحته بقوله: "إنني لا أزال أتحفظ على سرعة النموّ السياسي في العراق بالمستوى الذي تستطيع معه بسرعة أن تؤلف حكومة مسيطرة. ولكن القضية هي أن الأطياف العراقية، سواء كانت تسمى معارضة الخارج أو الداخل أو القوى العشائرية، لا تملك الكثير من مقومات السيطرة الميدانية، بدليل تناقضاتها وتعذّر توظيفها لإيجاد وضع مستقر. أنا لا أقول إن العراق لا يملك كفاءات سياسية واقتصادية وعلمية، بل أؤكد أن العراق هو بلد الكفاءات، وهو البلد الذي لا يملك حضارة تاريخية، بل يعيشها ويتملاّها. لكن قضية الدينامية السياسية تحتاج إلى نوع من الخبرة الميدانية المتحركة. وقد غيب العراق عن ذلك كله في الداخل".

"أما من كان في الخارج، فكان أقرب إلى المسألة التنظيرية منه إلى المسألة الواقعية. إن هذه الأمور تجعل هناك صعوبة فعليّة وليس استحالة. لذلك فإني أتصور أنَّ الخطة الوحيدة للعراقيين، هي أن يعملوا في الداخل من خلال هيئاتهم لإيجاد قاعدة تجمع الجميع على أساس أقل القواسم المشتركة، وعليهم البدء بمسألة الحكومة الوطنية العراقية، وبذلك يخلقون حاجزا أمام أميركا في تبرير تدخلها المباشر في العراق لحاجتها إلى الاستقرار. لكن المسألة هي هل الأطياف العراقية التي رأينا بعضها كيف يبحث عن الحصص، والبعض الآخر كيف يطلق العناوين الطائفية والمذهبية وغير ذلك... هذه الأطياف هل تملك الإرادة لإيجاد وضع عراقي وطني منفتح على المرحلة والمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية من أجل صنع حالة وطنية عراقية أم لا؟. هذا ما ننتظره".

ولذلك يرى سماحته أن العراق يعيش بين مأزقين، أوّلهما بتجميد الطاغية للإمكانيات والطاقات، وثانيهما في مظلة الاحتلال التي أعطت للعراق أحلاماً، ما أدى إلى جعله بلداً يعيش في دوامة العنف والاضطراب، وهذا ما جاء في قوله: " هذه الفجوة، أو هذه المساحة الضائعة التي تعيشها الساحة العراقية بين نظام طاغ جمّد العراق كله، وبين نظام محتل أعطى العراق أحلاماً لكنه لم يستطع حتى الآن أن يمنحه أمناً واستقراراً اقتصادياً وخدمات، ولم يستطع أن يضبط الساحة حتى بالنسبة لأمنه هو.

إذاً هناك منطقة فراغ بين مرحلتين، ولم يتقدم أحد حتى الآن ليملأ هذا الفراغ، الذي يخيل للبعض أن هناك ما يملأه، كحرية الهتافات والتظاهرات وبعض الاجتماعات والمؤتمرات... الحرية الإعلامية لا تختزل حرية المواطن والوطن. الكل يتحدث عن التغيير، ولكن لم نجد أي خطوة متقدمة في اتجاهه، حتى على مستوى العلاقات السياسية بين السياسيين أنفسهم. لم نجد هناك في العمق وحدة سياسية بين الأطياف العراقية، وإن كانت هناك عناوين سياسية تطرح ولكن من دون عمق.

ونتيجة لقراءته المتأنية ومعرفته الواسعة بمجريات الأمور، لم يفاجأ سماحته بما حصل، حيث يقول: "كنت منذ البداية أتوقع هذا الفراغ لسببين:

أولهما: هو أن قوّات الاحتلال ليست مستعدة لأن تعطي أي شعب الحرية، ولا سيما في العراق باعتباره البلد القوي الذي يمكن أن يوازي إسرائيل في القوة على المستويات الاقتصادية، لأنه من أغنى البلدان العربية في المنطقة، لا في البترول فحسب، ولكن في أكثر من مورد، ثم إن طاقته البشرية تتميز عن سواها من البلدان العربية، لجهة الكفاءات الهائلة المنتشرة في كافة القطاعات فيه وعلى كل المستويات. لذلك فإني لا أثق بأن أميركا يمكن أن تعطي أي بلد من بلدان العالم الثالث ديموقراطية بالطريقة التي يمكن أن يتمتع بها أي مواطن غربي، لأن هذا ضد مصالحها. هذا أمر كان واضحاً عندي وما يزال.

ثانيهما: هو أن السياسة العراقية كانت تعاني من غياب. وإذا كان البعض يتحدث عن اجتماعات المعارضة ومؤتمراتها وعلاقتها بأميركا أو بريطانيا أو بعض الدول العربية، فإنني أعتقد أنها كانت مجرد عملية ملءٍ لفراغ، لا يملك فيه أحد فرصة وضوح الصورة عن العراق في تلك المرحلة. فالكل كان يفكر كيف يسقط النظام، حتى أنّ الوجدان العراقي العام أصبح يعتبر أنّ أمريكا باتت مُحرّرة، لأن الشعب لا يستطيع إسقاط النظام، بينما أميركا هي الوحيدة التي تستطيع ذلك. هذا الاستغراق في فكرة إسقاط النظام، وهو حق، وهذا الاستغراق في الخديعة الأمريكية التي حاولت أن تعطي وهماً أنها تؤمن بحقوق الإنسان، وأنها تتباكى على الشعب العراقي، وأنها تريد أن تحرّره، دفعهم إلى أن يتعاونوا مع أميركا على هذا الأساس من دون أيّ دراسة معمقة لما بعد سقوط النظام. إذاً لم تكن مسألة ما بعد سقوط النظام مدروسة على الأقل بشكل تفصيلي، بحيث يمكن لكل هذه المعارضات أن تدخل إلى العراق ومعها «الوصفة» جاهزة لمداواة هذا المرض. هذا بالإضافة إلى ما أشرنا إليه، من أن الفوضى ما تزال تحكم العراق، ما يجعل الشعب يفكر بأمنه وخبزه وما شابههما من أمور بعيدة عن المسألة السياسية، فهذه القضية ترتبط بالحاجة إلى حكومة ودولة لتحفظ الأمن وتحقق الخدمات لشعبها. أما الأفق السياسي فإنني أتصور أنه لم يكن مدروساً حتى ضمن خطوط عامة تفسح المجال أمام خطوط تفصيلية. وهذا لم أجده حتى الآن في التجربة العراقية الجديدة"(4).

ويلفت سماحته من جانب آخر إلى علاقة قوى المعارضة ببعضها البعض، ولا سيما ما يتعلق منها بالحركات الإسلامية فيقول: إن الحركات الإسلامية في بعض فصائلها استطاعت أن تنـزل إلى مستوى الواقع السياسي، ولأول مرة في تاريخها تقوم بخلق صلات وتعاون مع كل الفصائل العلمانية، وهذا يعتبر تطوراً إيجابياً جديداً، يعبر عن تحول أساسي في طبيعة تعاطي الحركات الإسلامية مع الواقع، إن هذه الحركات تنمو تدريحياً بانفتاحها على الواقع الشعبي، وعلى دول متنوعة.

إن ما تطرحه الولايات المتحدة من صيغ سياسية وديمقراطية بديلة، وما تمارسه الأنظمة من ضغط على شعوبها، يجعل الكثير من أفراد الشعب العراقي المدمّر والذي شرد في العالم، يتطلّع إلى الحركة الأمريكية للتخلص من النظام. أما المعارضون الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة، والذين التقوا في مؤتمر المعارضة العراقية في لندن، فإننا نسمع، ومن خلال أكثر من تصريح صدر عن الكثير من الإسلاميين "إننا لسنا مع الولايات المتحدة ولا نؤيد الحرب الأمريكية على العراق، لكننا لا نستطيع أن نمنع الحرب، مع التأكيد على أن صدام حسين هو الذي جاء بالجيش الأميركي إلى العراق...".

معنى ذلك أن الذين التقوا بأمريكا وعقدوا مؤتمراً أشرفت عليه الإدارة الأميركية، ليسوا مستعدين أمام شعوبهم لأن يصرحوا بأنهم يتحالفون مع أميركا من أجل إنقاذ العراق من نظامه. حتى إنّ كلمة " نخجل من التعامل مع أميركا"، انطلقت من الأكراد وتجاوب معها البعض، ولم تنطلق من المعارضة العربية.

مشكلة المعارضة العراقية أنها ليست موحّدة بالطريقة التي يمكن أن تشكّل قّوة ضاغطة حاسمة لتتسلم الحكم وتسيطر على الواقع، ولتثبت للعالم قدرتها على منع أمريكا من أن تكون القوة القائدة للحكم. وهذا ما لاحظناه في مؤتمر لندن على مستوى تقاسم الحصص التمثيلية.

وفي الوقت الذي أحترم بعض الجهات التي شاركت في مؤتمر لندن، أشك في قدرة هذا المؤتمر على أن يملأ الفراغ الذي سيحدث مع سقوط النظام العراقي، وأشك في أن تقدم الإدارة الأميركية ما يمثله مؤتمر لندن كبديل لحكم العراق، والأحداث حبلى بكثير من الاحتمالات".(5)

النظام العراقي بين المعارضة والأمريكيين:

أما عن الموقف من الأزمة العراقية، فقد أطلق سماحته فتوى يحرّم فيها التعاطي مع الأميركيين من أجل ضرب الشعب العراقي، ولكنه كان في الوقت نفسه، يطالب بإسقاط النظام العراقي، ما جعل البعض يظن أن ثمة تناقضاً بين الطرحين، ولكن سماحته كان ينطلق بفتواه من موقف متوازن، ومن رؤية واضحة لخلفيات الاستهداف الأمريكي للعراق، وقد عبر عن ذلك بقوله:" لا أعتقد أن هناك تناقضاً بهذا الطرح، لأنّي عندما أصدرت الفتوى بتحريم مساعدة أمريكا في ضرب الشعب العراقي وتمكينها من السيطرة على مقدرات العراق السياسية والاقتصادية والأمنية، كنت أنظر إلى الدور الأمريكي الذي تريد أمريكا ممارسته في حربها ضد العراق من أجل إرباك المنطقة كلها وإدخالها في العصر الأمريكي بشكلٍ مباشر، وفي التخطيط لتغيير الكثير من المفاصل السياسية في أكثر من دولة، بما في ذلك الدول المتحالفة مع أمريكا سياسياً".

إلى أن يقول: "إن المسألة تكمن في أن السياسة الأمريكية في المنطقة، التي تعتبر المدخل إليها حرب العراق، تتحرّك من أجلِ إيجاد سيطرة مباشرة أكثر مما هو في السابق، وخصوصاً أننا نرى أنها دخلت على هامش المشكلة بين بعض الدول الخليجية، والدولة الخليجية الكبرى... ولهذا أقامت قاعدة من أكبر القواعد في الخليج التي لا شغل لها إلا ضرب المنطقة وضرب العراق بالذات".

ومن زاوية أخرى، فإنه كان من الضروري التخلص من ذلك النظام الذي أمعن في القتل وسفك الدماء، وقام بممارسات تدميرية بحق شعبه، ولكن ليس على حساب الشعب العراقي ومقدراته وارتهانه للسياسة الأمريكية، هذا فضلاً عمّا سيؤول إليه مصير المنطقة في الخلل الواضح لصالح إسرائيل. ولذلك نبّه سماحته إلى خطورة ذلك في قوله:" أنا مع كل تحالف داخلي أو إقليمي يستهدف إسقاط النظام العراقي اليوم قبل الغد، وغداً قبل بعد غد، لأن هذا النظام أفقر شعبه والمنطقة كلها بحروبه، وأربك السياسة العربية، وربّما الإسلامية، لكن السؤال: هل إن أمريكا التي صنعت هذا النظام هي الحل؟ وهل تملك أمريكا أن تكون الحليف النزّيه؟، إنني أعتقد أن من السّذاجة أن نفكر بهذه الطريقة، لأن أميركا تدخل العراق لتدمير مقدّراته، لأنها لا تريد دولة عربية وإسلامية قوية توازي قوّة إسرائيل، إنها تريد نصب حزام حول العالم لقواعدها العسكرية، وهي تحاول الضغط على إيران لاستكمال ضغطها عليها وعلى الخليج بشكل أكبر، وتأخذ بعمق أوروبا واليابان والصين وروسيا باعتبار ما يستقبل". وما كل ذلك إلاّ لتعزيز موقع إسرائيل، كما يقول سماحته، لأنها "الدولة التي تمثل الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وكذلك فإن أمريكا شجعت إسرائيل على إضعاف الدور الأوروبي والروسي ودور الأمم المتحدة، حتى تجرّأ شارون على أن يتحدث عن اللجنة الرباعية الدولية التي تقودها أمريكا واصفاً إياها بأنها لا شي‏ء".

أما ما يخص الحديث عن الحرب الأهلية في العراق، فإن سماحته ينفي هذه المقولة لـ " أن الشعب العراقي لم يدخل في كل تاريخه بأية حرب مذهبية سنيّة أو شيعية... ولكنه يخشى من " أن تقوم أمريكا بإيجاد وضع داخلي عراقي يشبه الوضع الذي كان في أيام عبد الكريم قاسم، والمجازر التي قادها الشيوعيون، والتي ألهبت الشعب العراقي من خلال القيادة الشيوعية آنذاك، أو أن تصنع أمريكا بعض المشاكل في الداخل وتستفيد من بعض التعقيدات، لتثبت أنّ المعارضة العراقية غير قادرة على الإمساك بالحكم، وأن عليها ـ أي أمريكا ـ أن تمسك بالحكم إلى مدة طويلة، حتى تؤهّل الشعب العراقي للإمساك بزمام الأمور".

وهذا السيناريو، كما يرى سماحته، هو "أحد الاحتمالات الأمريكية، وقد تحدّث الأميركيون أيضاً، أن المعارضة العراقية لا تملك القدرة على الإمساك بالحكم..." ، بل أكثر من ذلك، فإن سماحته يسم عملية "التحالف بين الأميركيين والمعارضة العراقية كالتحالف بين الشاة والذئب"، وذلك باعتبار أن أمريكا، لا "يمكن أن تفكر بأي معنى لما يمكن أن يسمى الديمقراطية وحريات الإنسان، بعدما أسقطت كلّ شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان في فلسطين"(6).

مؤتمر المعارضة العراقية

أما مؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد في لندن، فكان مدار شدٍّ وجذب، وقد اعتبر البعض أن الشيعة ارتكبوا فيه خطأً تاريخياً باستبعادهم للسنّة، وهذا ما جعل سماحته يوضح الخلفيات الحقيقية الكامنة وراء انعقاده، وذلك بقوله: إنني أرى أن ما أضعف هذا المؤتمر، على الرغم من أنه يشتمل على بعض القوى التي قد تملك موقعاً شعبياً، هو أن أغلب فصائله لا تملك امتداداً شعبياً حقيقياً، لكن هذا الأمر لن يترك تأثيره كثيراً، باعتبار أن هذه المرحلة تقتضي أن تحصل المعارضة على تعاطف شعبي، لأن الشعب العراقي المحاصر من خلال نظامه في الداخل والأمم المتحدة في الخارج، يريد الخلاص كيفما كان، ولهذا فهو يتعاطف مع الشيطان للخلاص من الواقع الذي يعيش فيه الآن. من جهة ثانية، فإن هذا المؤتمر عقد بإشراف أمريكي مباشر من خلال المندوب الأمريكي الذي كان يتدخل في التفاصيل، بحيث يحاول ترتيب عملية المحاصصة لهذا الفريق وذاك، والاتصال بهذه الجهة أو تلك، وإطلاق التهديدات بين وقت وآخر عند بروز الخلافات التي تربك المؤتمر.. ما يعني أن المؤتمر انطلق على أساس الخلفيّات الأمريكية التي تبحث عن شرعية عراقية لسياستها الضاغطة على النظام العراقي.

إننا نتصوّر أنّ الحديث عن خروج المؤتمر بموقف موحّد، قد لا يكون دقيقاَ أمام ما لاحظناه من بروز الخلافات التي رافقت حركة المؤتمر في مسألة الحصص.

وفي اعتقادي، فإن المؤتمر لا يمكن أن يكون البديل عن النظام، والذي يمكن أن يحقق للبلد نظاماً جديداً منفتحاً على القضايا المستقبلية التي تحمي اقتصاد العراق وسياسته وأمنه، فهذا الارتباط العضوي بأمريكا يعني أن المعارضة لا تملك تحريك أي شيء أمام الخطة الأمريكية التي نعرف أن الحرب على العراق تمثل بداية لتطورها على مستوى المنطقة كلها من الناحية السياسية والاقتصادية والأمنية.

أما حديث بعض المؤتمرين عن أنهم يعارضون السياسة الأمريكية، أو أنهم ضد الحرب الأمريكية، أو أنهم لا يملكون أن يحركوا شيئاً في الجانب السلبي والإيجابي، فإنني أعتقد أنها كلمات للاستهلاك ولا ترتبط بالواقع من قريب أو بعيد. هذا مع كل احترامنا لكل الذين شاركوا من أصدقائنا، ولكننا نعتقد أنهم كانوا محاصرين بظروف القلق التي أحاطت بالمؤتمر، وبما لا يمنع إخلاصهم لبلدهم ورغبتهم في الخروج بنتائج كبرى إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

أما مسألة استبعاد الأخوة السنة، فهذا ليس واقعياً كما أعتقد، لأن المؤتمرين طرحوا المسألة على كلّ الفصائل، حتى الفصائل المعارضة السنية. ربما كان هناك من يقول إن أكثرية العراقيين من المسلمين السنة مرتاحون للنظام أو أن ضغوط النظام لم تمكّنهم من المشاركة الفعّالة، ما يعني أن الموضوع لا يتصل بغلبة شيعية على أقلية سنية، ولكن المسألة كانت على أساس الظروف التي أحاطت بالواقع السني مقارناً بتطوّرات موجودة حكمت المؤتمر"(7).


المصادر:

(1) النهار، حوار مع سركيس نعوم 24 شعبان 1423هـ الموافق 31 تشرين الأول 2002.

(2) "الديار" 26/9/2002، حوار: مايا صفا جابر.

(3) مجلة "الحوادث" اللبنانية، بتاريخ: 18 محرم1424هـ، الموافق: 21/3/2003م.

(4) مقابلة مع جريدة السفير اللبنانية، نشرت بتاريخ 4-5-1424هـ الموافق في 4-7- 2003م

(5) مجلة "الصياد"اللبنانية، 31 شوال 1423هـ الموافق 3-1-2003م، حاوره: علي الأمين

(6) في حوار مع قناة (أم بي سي) الفضائية، في 21 شوال 1423هـ الموافق 24-1-2003م.

(7) صحيفة الخليج، بتاريخ 17 شوال 1423هـ الموافق 21-12-2002م.