خلال استقباله وفد جامعة المصطفى العالميّة (قمّ) السيد فضل الله: أدعو إلى عصرنة مناهج الحوزة وتطويرها للانطلاق بفقه وفكر جديدين |
أنا أقدّر لجامعة المصطفى العالميّة جهدها الكبير في إدخال حوزة قمّ العلميّة في العصر الحاضر، لأنّ الحوزات العلميّة، سواء في قمّ أو في النّجف أو في المواقع الأخرى، والتي بدأت قبل مئات السنين، لم تستطع أن تنتج كتاباً علميّاً جديداً بحسب الأساليب التي تطوّرت مع الزمن، فقد كانت الحوزات تدرِّس كتاب "القوانين" وكتاب "المعالم" في علم الأصول، وعندما جاء الشيخ الأنصاري(ره) بكتاب "فرائض الأصول" وكتاب "المكاسب"، اعتُبر هذان الكتابان هما الأساس، على الرّغم من أنّهما يشتملان على كثير من التطويل بلا طائل.
| وعندما أخرج الشيخ الأخوند كتاب "الكفاية"، أصبح الشّخص الذي لا يدرس الكفاية لا يعتبر أصولياً، وقد عُرِف هذا الكتاب بأسلوبه الشّديد التّعقيد في بيان النظريّات الأصوليّة. ومن اللّطيف أنّ من يريد أن يدرس المنطق، فإنه يدرس "الحاشية"، مع أنّ الحاشية لا تتحدّث عن أصل النظرية المنطقية. حتى إنّني أذكر أنّنا كنّا ندرس في القسم الأوّل من كتاب المنطق مطلب اتّحاد الظرف والمظروف وما إلى ذلك، وهذا ممّا لا علاقة له بالمنطق، وعندما ألّف المرحوم الشهيد، السيّد محمّد باقر الصدر، كتابه المميّز (الأسس المنطقيّة)، وإن كان فيه بعض نقاط الضّعف، لم تُقبل الحوزات عليه إلا بشكلٍ محدود جدّاً. |
أقدّر لجامعة المصطفى العالمية جهدها الكبير في إدخال حوزة قم العلمية في العصر الحاضر |
لذلك نحن نعتقد أنّ هذه الجامعة في مناهجها المتعدّدة المعاصرة، تمثّل حركةً جديدةً في تاريخ الحوزة، وخصوصاً في اهتمامها بخرّيجي الحوزة الّذين يأتون من إفريقيا وغيرها من الدول، بعد أن كان الكثيرون يتخرجون من الحوزة دون أن يستطيعوا أن يقدّموا الإسلام الحضاري إلى شعوبهم، لأنّ الحوزة لم تكن تهيّئ لهم ذلك.
| لذلك نحن نتمنّى لهذه الجامعة أن تتطوّر وتتّسع لتكون حوزة المستقبل لا الماضي، إضافةً إلى الجامعة التي يديرها صديقنا الشّيخ مصباح يزدي، التي كان اسمها مدرسة باقر العلوم، ثم صار اسمها جامعة الإمام الخميني. وأذكر أنّني قلت لسماحة السيّد آية الله الخامنئي (حفظه الله) في أوّل تسلّمه منصب الولاية: إنّ عليك أن تهتمّ بالحوزة من خلال مدرسة الإمام الباقر، لأنّها المدرسة التي تنفتح على عالم المعاصرة. |
نحن نعيش في عصر جديد يتطوّر فيه العلم في المجالات كافّةً، وقد أصبح الإسلام في عقائده وتشريعاته ومفاهيمه محلّ دراسة من قبل العالم كلّه |
لذلك أيّها الأخوة، نحن نعيش في عصر جديد يتطوّر فيه العلم في المجالات كافّةً، وقد أصبح الإسلام في عقائده وتشريعاته ومفاهيمه محلّ دراسة من قبل العالم كلّه، سواء ممن يحارب الإسلام أو ممّن يواليه. ونحن نعتقد أنّ هذه الحرب التي شُنّت على الإسلام منذ قيام الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (رضوان الله عليه) قد أفادت الإسلام كثيراً، لأنّها أدخلت الإسلام في العالم، وخصوصاً أنّ بعض الشعوب لم تكن تعرف الكثير عن الإسلام، وحتى إنّ هناك شعوباً لم تكن تسمع به، ولكنّ هذا الجوّ العالمي المضادّ للإسلام، استطاع أن يسلِّط الضوء عليه وأن يدخله في كلّ العقول.
| وهكذا لا بدّ لنا من أن ندرس طريقة الغرب والشّرق أيضاً، بما فيها روسيا والصّين؛ أن ندرس طريقتهم في الحرب على الإسلام، أو في قراءتهم الإسلام وتحليله؛ حتى نعرف كيف نناقشهم، وبذلك تظهر أهمّيّة أن نفهم ذهنيّة العصر، بحيث نفهم كيف يفكر الناس، وما هي أساليبهم، على طريقة: "إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم"، ثم ننطلق بفكرٍ جديد وفقهٍ جديد، لأنّنا ما نزال نقرأ في فقه علمائنا القدامى، الذين هم أساتذتنا الّذين تعلّمنا منهم، ولكنّ علماءنا عاشوا في مرحلة معيّنة وفي مدرسة معيّنة وكانت لهم مبانيهم الخاصة، ونحن نعرف أنّ علم الأصول تقدّم، وأنّ طرق الاستنباط تقدّمت، وأنّ حاجات الناس تغيّرت، وأنّ القوانين في العالم والمشاكل التي نواجهها الآن أيضاً تطوّرت وتقدّمت. |
هذا الجوّ العالمي المضاد للإسلام استطاع أن يسلّط الضوء عليه وأن يدخله في كل العقول في كل أنحاء العالم |
| ولذلك لا بدّ لنا من أن نتعلّم في كلّيّة الفقه والمعارف أن نكون مستقلّين، فمثلاً، المشهور بين علماء الأصول أنّ الشهرة الفتوائية ليست حجّةً، ولكنّنا بقينا نتحرّك مع الشّهرة الفتوائية، فنستنكر أيّ فتوى جديدة وأيّ استنباط جديد يخالف المشهور. لذلك ليس معنى أن نكون مستقلّين في الاجتهاد أن نرفض اجتهادات علماء الماضي، ولكن أن ندرس ما عندهم، وما عندهم هو عندنا، ولكن ما عندنا لم يكن عندهم، حتى نستطيع أن نجتهد ونستنبط للعالم الجديد. وحتى فيما يتعلّق بالحكم في الإسلام، كانت طريقة فقهائنا أنهم يبحثون عن الأحكام الشرعية بطريقة فردية شخصية، لأنّ الشّيعة لم يدخلوا في مسألة الحكم، ولذلك ليس في فقهنا إلا القليل القليل في مسألة الحكم، إلا في باب الخراج، أو في بعض الأبواب المحدودة جدّاً. لذلك نحن نحتاج الآن إلى أن نؤكّد مسألة الاستنباط من أجل استخراج قوانين شرعيّة جديدة، حتى يرى الناس في الدولة الإسلامية قوانين تحلّ مشاكل الإنسان بشكلٍ عام، وتحلّ مشاكل المرأة، ومشكلة الضرائب والحدود والعلاقات الدبلوماسية مع الآخرين... |
نحن نعرف أن علم الأصول تقدم وأن طرق الاستنباط تقدّمت وأن حاجات الناس تغيّرت وأن القوانين في العالم والمشاكل التي نواجهها الآن أيضاً تطورت وتقدّمت |
| لذلك علينا أن ننطلق في مرحلة جديدة، تماماً كما انطلق الشيخ الطوسي(ره) الذي أدخل الفقه الإسلامي في مرحلة جديدة، ثم جاء ابن إدريس الذي واجه الشّيخ الطوسي(ره) بنقده، وهكذا استمرّ الفقه ينتقل من مرحلةٍ إلى مرحلة. كما أنّ علينا عندما نريد أن ندرس الفلسفة، أن لا نستغرق في الأسفار أو في منظومة السبزواري، بل أن ندرس الفلسفة الحديثة التي هي فلسفة الحياة، بينما تلك الفلسفة هي فلسفة الوجود التي ربّما لا يجد الكثيرون مشكلةً كبيرةً فيها؛ أن ندرس الفلسفة الحديثة، لا فلسفة أفلاطون أو أرسطو، بل فلسفة الذين عاشوا هذا العصر ولا يزالون يعيشون ويبحثون في ذلك. وأيضاً، لا بدّ لنا من أن ندرس قضيّة الحرية، لأنّ النظرة الفقهيّة في مسألة الحرية هي نظرة تنفي حريّة أفكار الآخرين، إذ لا حريّة للأفكار الأخرى في الدولة الإسلامية وفقاً للنظرة الفقهية، بينما نجد أنّ القرآن الكريم قد أكّد هذه الحريّة، من خلال نقده الأفكار التي كانت تطرح ضدّ النبي(ص) وضدّ الأنبياء السابقين، وكيف كانوا يردّون عليهم. |
علينا أن ننطلق في الفقه في مرحلة جديدة، ليستمرّ الفقه ينتقل في مراحل متلاحقة ومستمرة |
|
أمّا قضية أنّه لا يجوز حفظ كتب الضلال، وأنه لا بدّ لنا من أن نحارب كل فكر آخر ونمنعه، فنحن نعرف أنّ محاربة أيّ فكر يجعله أقوى وأكثر حضوراً، بينما إعطاؤه الحرية يجعله مجرد فكر كبقية الأفكار الأخرى. ولذلك نجد أن الذين حوربت أفكارهم التي كانت ضدّ الإسلام، سواء في إيران أو في غيرها، هؤلاء انتشرت أفكارهم في العالم كلّه، ومثال على ذلك، كتاب "آيات شيطانية" الذي تُرجم إلى أكثر لغات العالم، مع أنّ الرجل يقول عن كتابه "آيات شيطانية" إنّه من أسوأ كتبه، يعني لو أنّه أُطلق من دون أيّ معارضة لما اعتنى به أحد كليّةً، وهكذا في مصر بالنسبة إلى قضية نصر حامد أبو زيد، وحتى فيما يتحرك به بعض المفكّرين في إيران وما إلى ذلك.
أنا أعتقد أن هذا العصر يختلف عن العصور السابقة، فعندما نمنع الحرية عن الأفكار الأخرى، فسوف تنتشر على مساحة واسعة، ولكن عندما نمنحها الحرية فستظل في دائرة ضيّقة. |
النظرة الفقهية في مسألة الحرية هي نظرة تنفي حرية أفكار الآخرين، إذ لا حرية للأفكار الأخرى في الدولة الإسلامية وفقاً للنظرة الفقهية، بينما نجد أن القرآن قد أكد هذه الحرية |
على كلٍّ، نحن نقدّر لجامعة المصطفى العالميّة جهودها، ونعتقد أنّها سوف تفتح أفقاً جديداً للحوزة العلمية في قمّ، التي نقدّر لها اهتمامها الكبير بالقرآن تجويداً وتفسيراً ودراسةً لعلومه وما إلى ذلك. ومع الأسف، فإنّ النّجف حتى الآن لم تنفتح على القرآن، حتى إنّه يُنقل عن بعض المراجع، أنّه عندما طُلب منه في بعض المدارس الفقهية في النجف أن يدرسوا فيها علوم القرآن، قال لا، النجف هي للفقه والأصول. وأنا أرى أنّه من لا يفهم القرآن وليس عنده ثقافة قرآنية، لا يمكن أن يكون مجتهداً، لأنّ القرآن هو أساس الاجتهاد.
|
ولذلك علينا أن نهتمّ بالقرآن في جميع مجالاته، وأن نجعله يتحرك في حياة الناس، لا أن يتحرّك في قواميس اللغة فقط، لأن القرآن الكريم إنما جاء للناس كلّهم وللحياة كلها، وقد نزل من أجل أن يوجّه الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية، ولهذا كنت أقول: لا يفهم القرآن إلا الحركيون الذين يعيشون حركية الدعوة وحركية العالم. |
لا يفهم القرآن إلا الحركيون الذين يعيشون حركية الدعوة وحركية العالم | |