الحكمة والموعظة الحسنة ودراسة الظّروف العقليّة والنفسيّة أساس في العمليّة التربويّة | الكلمةٍ التي ألقاها سماحة العلّامة المرجع، السيِّد محمَّد حسين فضل الله أمام المؤتمر التّربويّ التّاسع عشر لجمعيّة المبرّات الخيرية في حضور عددٍ من الفاعليّات التّربويّة والاجتماعيّة والأكاديميّة وأهل الاختصاص، وذلك في قاعة الزّهراء الملحقة بمسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك.
لقد أريد لمؤتمركم هذا أن تكون الحكمة والموعظة الحسنة عنوانه الكبير. والحكمة عنوان رسالة الأنبياء، يعيشونها في خطّ الدّعوة والحركة، ويعلّمونها للنّاس، كما قال تعالى وهو يحدّثنا عن رسول الله(ص): {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}[آل عمران: 164]، ليكون المجتمع كلّه هو المجتمع الحكيم الذي ينطلق بالحكمة في كلّ مجالاتها وأوضاعها، وقد قرنها الله تعالى بالكتاب كدلالةٍ على أنّها ترقى إلى مستوى الكتاب في السموّ والرّفعة، وفي الحركيّة والتّأثير.
وفُسّرت الحكمة بأنّها «وضع الشّيء في موضعه». وقد نجد هنا أنّ صفة الحكمة تلتقي بـ «الخبرة» و«المران» «والتجربة»، حيث نعتبر الإنسان المزوّد بهذه المعاني إنساناً حكيماً؛ لأنّ له من تجاربه وخبرته ومرانه ما يساعده على إعطاء الرّأي الصّائب، ويمنح خطواته وأعماله صفة التّركيز وعدم الانحراف والاهتزاز، وبالتّالي يضع الأمور في مواضعها.
ولذلك، فالحصول على الحكمة ليس أمراً بسيطاً يتعلّمه الإنسان ويمارسه كما يتعلّم أيّ صنعةٍ أو حرفة ويمارسها، بل هو أمرٌ معقّد جدّاً، يحتاج إلى معاناةٍ للقضايا والحوادث والأفكار، واطّلاعٍ واسع على دقائقها وخصائصها ومداخلها ومخارجها؛ ومن هنا كان قوله تعالى: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}[البقرة:269].
والذي نحتاج إلى أنّ نتوقّف عنده هنا، هو العلاقة بين الحكمة والموعظة الحسنة في حركة التّربية التي تضطلعون بها، وتتحمّلون مسؤوليّتها تجاه من وُلّيتم أمور تعليمهم وتربيتهم. ونحن نفهم من قول الله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}[النّحل:125]، ضرورة ملاحظة واقع المجتمع الذي نتوجّه إليه، سواء في التّربيّة، في المدرسة أو المبرّة، أو في المجتمع عندما نواجه النّاس، بأن ندرس ظروفه العقليّة والفكريّة والنّفسيّة والاجتماعيّة وما إلى ذلك، ونضع كلّ ذلك في حسابنا قبل أن نطلق الكلمة، أو الفعل، أو الموقف.
ومن هنا نعرف جيّداً، أنّ الحكمة تفرض أن لا يكون الأسلوب المتّبع لديكم في العمل التّربويّ أو الرّعائي للأيتام واحداً من حيث النّوع، بل لا بدّ من أن يختلف باختلاف الواقع الذي تواجهونه؛ فإنّ من الواضح أنّ التّربية لا يُمكن أن تكون فاعلةً وعمليّة إذا انطلقت إلى الجميع بأسلوبٍ واحد، فقد تقتضي الحكمة أن ينطلق الموقف بشيءٍ من الهدوء المتّزن الذي يفسح في المجال للفكر أن ينطلق، وللرّوح أن تطمئنّ، وللإنسان أن يفكّر برويّة، وقد تفرض بعض القوّة في الطّرح الذي يحسم الفكرة ليمنح الإنسان شيئاً من الثّقة بالنفس في طريقة التّفكير، وقد نحتاج إلى أن نعرض الفكرة للمخاطب بكامل تفاصيلها، بينما في حالاتٍ أخرى، قد نكتفي بعرض الخطوط الرّئيسيّة فقط، تاركين للمستقبل وللتّجربة أن تأخذ مجراها في وضع النّقاط على الحروف.
وقد رأينا كيف أنّ القرآن تعامل مع الواقع في خطّ الحكمة، فنجده يحسم تارةً ويشكّك أخرى، ويعنف في حالةٍ لين ويرقّ في أحيانٍ أخرى، وقد يطرح العناوين العامّة تاركاً للنّاس أن يغوصوا في أعماق المعاني، وقد ينـزل إلى أدقّ التفاصيل ليعرضها من مختلف أوجهها.
وبذلك، لا بدّ من أن تلتقي الحكمة بالمرونة، والمرونة بالموعظة الحسنة، وبالأسلوب الأحسن. وقد ورد عن رسول الله محمّد(ص): «ليس بحكيمٍ من لم يعاشر بالمعروف من لا بدّ له من معاشرته، حتى يجعل الله له من ذلك مخرجاً». وعنه (ص): «إنّ الرفق رأس الحكمة».
فالموعظة الحسنة هي طريقةٌ في عرض الفكرة، وأسلوبٌ في تحريك القيمة، يحبّبها ولا ينفّر عنها، يقرّب إليها ولا يبعّد عنها، ييسّرها ولا يعسّرها. وهو الأسلوب الذي يجعلك في موقع الرّفيق والنّاصح لمن تخاطبه وتتعامل معه، والذي تغيب معه الذّات في نوازعها وانفعالاتها، ليكون ذلك الآخر هو الذي يفرض الأسلوب من موقع المحبّة له، وطريقة التّعامل معه، من خلال الشّعور بالمسؤوليّة عن الإنسان؛ أن نأخذ بيده إلى أن يخبر الحياة، ويتلمّس عناصر الهداية إلى الّتي هي أقوم، ويتحسّس المسؤوليَّة عن تطوير نفسه والحياة نحو الأحسن في الخطّ الّذي يحبّه الله تعالى ويرضاه.
وقد نحتاج هنا إلى أن نؤكِّد أنَّ الحكمة تفرض على الإنسان أن يكون الإيجابيّ في الحياة، من موقع فهمه العميق للواقع، ومعرفته الدقيقة بسنن الله في الحياة والإنسان، بحيث يعيش التوازن أمام ما يواجهه من مصاعب، فيزنها بميزان عقله، ويبحث لها عن الحلول المناسبة، فيكون قد ورد الموارد الصحيحة في تحقيق الأهداف الكُبرى في حركة التّربيّة والدّعوة وما إلى ذلك.
ولا بأس ـ أيُّها الأحبَّة ـ أن نطلَّ على بعض الأحاديث عن الحكمة في لسان الأنبياء والأولياء، وهي الحكمة التي تلتقي بالمضمون العميق الّذي يختزن التّجربة الرّائدة في مسيرة الأنبياء والأولياء والصّالحين، والتي نحتاج إلى أن نؤكّدها في حياتنا، بما يجعلنا نعيش الكثير من الموضوعيّة أمام حالات التعصّب الأعمى الذي يجعل الحقّ في صفّ من تلتقي معه في بعض الأطر الإنسانيّة، كالعائلة أو الحزب أو البلد أو العرق أو المذهب أو ما إلى ذلك، حتّى لو ابتعد في مضمونه عن الحقّ، ويجعل الباطل في صفّ من تختلف معه في ذلك حتّى لو اقترب في مضمونه من الحقّ. ونحن قوم تقتلنا العصبيّة؛ لأنّها تدمّر كلّ معنىً للإنسان فينا، وتجعلنا نتحرّك بعيداً عن مفردات العقل، لنغرق في متاهات الجهل والضلالة.
عن رسول الله(ص): "كلمة الحكمة يسمعها المؤمن، خيرٌ من عبادة سنة".
وعن الإمام عليّ(ع): "الحكمة ضالّة المؤمن، فاطلبوها ولو عند المشرك، تكونوا أحقَّ بها وأهلها".
وعن السيّد المسيح(ع): "لو وجدتم سراجاً يتوقّد بالقِطْرانِ في ليلةٍ مظلمةٍ، لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريحُ نَتْنِهِ، كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها".
وعن لقمان الحكيم ـ من وصيّته لابنه ـ : "يا بنيّ! تعلَّمِ الحكمة تُشَرَّفْ، فإن الحكمة تدلّ على الدِّين ، وتشرّف العبد على الحرّ، وترفع المسكين على الغنيّ، وتقدّم الصّغير على الكبير".
وحيث تلتقي الحكمة بالتّجربة، نجد بعض الأحاديث التي نطق بها حكيم صحابة رسول الله(ص)، وهو الإمام عليّ(ع)، فيقول: "التّجارب علم مستفاد"، ويقول: "ثمرة التّجربة حسن الاختيار»، ويقول(ع): "رأيّ الرجل على قدر تجربته".
وعن الإمام الحسين(ع): "العلم لقاحُ المعرفة، وطول التّجارب زيادة في العقل".
وعن عليّ (ع) : "التّجارب لا تنقضي، والعاقل منها في زيادة".
وهكذا ـ أيّها الأحبّة ـ لا تعرف مسيرة العلم التوقّف في مدى الزّمن والحياة، كما قال تعالى: {وقل ربّ زدني علماً}. وتنطلق التجارب مع كلّ حركة تطوّر في الحياة، ليبقى الإنسان في حركة تصاعديّة في الخطّ الذي يكون معه حاضراً في كلّ موقع من مواقع العلم، فاعلاً فيها من موقع التّجربة والخبرة.
وأخيراً، أسأل الله لكم المزيد من التّوفيق، والانطلاق لما فيه رضا الله تعالى، حتّى نفد إليه يوم القيامة، وقد ملأنا كتاب أعمالنا بحركة مسؤوليّتنا، وانطلقنا فيه بالحكمة في المضمون والأسلوب. |