نسخة للطباعة

أرشيف قضايا فكرية

شكل الدَّولة الإسلاميَّة

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

ويبقى السّؤال: كيف نقيم الدّولة؟

هنا لا بدَّ لنا من دراسة شكل الدَّولة الّذي يمكن أن يحفظ نظام النّاس، وطالما أنّه لم تكن ثمة صيغة محدَّدة، فيمكننا أن نختار الشَّكل المناسب، وبالتّالي، قد يكون أحد الأشكال هو النّظام الدّيمقراطيّ في إطار الخطوط الإسلاميَّة العامّة الّتي ترسم حدود الحلال والحرام...

وفي ضوء هذا، يمكن الحديث عن مشروعيَّة تداول السّلطة، أي يمكن أن يكون حفظ النّظام مرتكزاً على أساس أن يكون الحاكم منتخباً لمدّة معيَّنة، يخلفه حاكم آخر، ويمكن بذلك مثلاً أن تتناوب الاتجاهات الإسلاميّة على السّلطة داخل دائرة النّظام، من أجل أن تجعل الحكم على حسب اجتهادها، أي بحسب الخطّ الاجتهاديّ الّذي تراه...

ونحن هنا نتحدَّث عن المسلمين الّذين يشكّلون الأكثريَّة في بلدٍ ما، ويكون النّظام الّذي يمثّلهم يستند إلى دستورٍ إسلاميّ يقوم على رأسه حاكم مسلم قادر على ممارسة السّلطة ورعاية القوانين وفق الشّريعة، تماماً كما هو النّظام العلمانيّ الّذي يقوم دستوره على العلمانيّة ويرأسه مسؤول مؤمن بالعلمانيّة يحرص على حفظها من خلال قدرته على إدارة الحكم وتطبيق الدّستور وحمايته وحفظه.. وفي الواقع، قد يتماثل الاتجاهان في الموقف نفسه من الاتجاهات الأخرى، فالعلمانيّة لا تتيح إفساح المجال لتداول السّلطة لمعادين لدستورها العلماني، كذلك يتعامل المجتمع الإسلاميّ مع الاتجاهات المعادية...

إنّنا في الواقع نختلف مع الديمقراطيّة في نقطة فلسفيّة أساسيّة، وهي أنّ الدّيمقراطيّة تعتبر أنّ الأكثريّة هي الّتي تحدّد الشّرعيّة، وأنّ الحقّ هو ما تقوم به الأكثريّة من دون أيّ ضوابط أخرى، إذ ليس لأحد في هذا الإطار أن يفرض على الأكثريّة أيّ قيود وأيّ حدود معيّنة، ولكنّ الإسلام لا يؤمن بهذه النّظرة...

ولذا كنّا نقول إنّنا نأخذ بالديمقراطيّة أو بالأكثريّة كآليّة، ولكنّنا لا نتبنّى فلسفتها. ومن هنا، فأنا لا أتحدّث عن المسألة بعنوان الدّيمقراطيّة، ولكن بعنوان الأكثريّة، والسّبب هو أنّ الدّيمقراطية كمفهوم، هي ذات دلالاتٍ فكريّة لا نلتقي معها، وهذا ما يجعلنا نقف موقفاً متحفّظاً من استعمال الكلمات المطروحة في السّاحة السياسيّة، مما كان محمّلاً بإيحاءاتٍ وبمفاهيم تختلف عمّا نؤمن به...

المصدر : كتاب "الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل".

التاريخ: 23 جمادى الأولى 1433 هـ  الموافق: 14/04/2012 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: