نص كلمة العلاّمة المرجع، السيد
محمد حسين فضل الله، في وفد من مجلس الكنائس في بريطانيا وأمريكا زاره في
منـزله.
أرحِّب بالأخوة والأخوات، باعتبارهم يمثّلون
الخطَّ الروحي الذي يرتبط بالله تعالى من خلال السيِّد المسيح وأمّه
العذراء مريم، لأنّنا نلتقي على الخط الروحي مع المسيحيَّة، في الإيمان
بالله الواحد، وفي اعتبار السيِّد المسيح يُمثِّل روح الله وكلمته،
ويمثِّل في عقيدتنا أيضاً النبيّ الذي يُبلِّغ رسالة الله تعالى إلى
العالم، ونلتقي في التّقديس والتّعظيم للسيّدة مريم العذراء، باعتبارها
أطهر امرأة، فنحن نعتقد أن السيدة مريم تُمثِّل أعلى قيمة روحية في
محبتها لله، وفي محبتها للإنسان، وفي عقيدتنا أنها حملت بالسيد المسيح
بقدرة الله من دون أية علاقة جنسية بأيّ إنسان آخر، فهي إنسانة العفَّة.
والقرآن الكريم يتحدّث عنها بأنها سيدة نساء
العالمين، كما تحدّث عن ابنها بأنّه المبارك، أي الذي ينفع الناس، وأنّه
الشخص الذي يحب والدته ويبرها ويُخلص لها، وفي الوقت الذي نعرف أنّ السيد
المسيح(ع) جاء بالسلام على الأرض، نعتقد أيضاً أنّ كل الأديان تدعو إلى
السّلام، فالتحية الإسلامية التي يلتقي فيها المسلم مع الآخرين هي
(السلام عليكم)، فكأنَّه بذلك يقول للآخر: إن علاقتي معك هي علاقة سلام،
بمعنى أني لا يمكن أن أسيء إليك أو أؤذيك أو أحاربك أو أرهبك.
والقرآن الكريم يتحدّث عن أهل الجنة أنّ تحيتهم
فيها سلام. والجنَّة في المصطلح الإسلامي هي دار السلام، والناس في الجنة
هم ناس السلام، ولا يمكن أن يسيء أحد إلى أحد، لأنهم يعيشون السلام بين
يدي الله. وفي بعض النصوص الإسلامية، أن الله هو السلام، وهو الذي يجسِّد
السلام، ولكنّنا نعتقد أن السلام على الأرض ينطلق من خلال احترام الإنسان
للإنسان، وهذا هو الذي نسميه العدل؛ أن يكون لكل إنسان الحق في أن يعيش
ويحيا، وأن يمارس كل طاقاته في الخير، وأن لا يحرم إنساناً حقه في الحياة
وفي الحرية.
لذلك، نحن نؤمن بالسلام مع العدل؛ أن يعيش العالم
السلام، وأن يأخذ كل إنسان حقه في الحياة وفي الحرية، حتى إنّنا نلاحظ
أنّ هناك آيةً في القرآن تقول إنّ كلّ الرسالات وكل الرسل الذين أرسلهم
الله تعالى، وكل الكتب المقدسة التي أنزلها الله، إنما كانت من أجل أن
يقوم الناس بالعدل. وعلى هذا الأساس، فنحن ضد سيطرة الإنسان على الإنسان،
وضد المستكبرين الذين يرون أنفسهم أعلى وأضخم من الإنسان الطبيعي. لذلك
عندما ننتقد بعض السياسات في الغرب أو في الشرق، فإنّنا ننتقدها لأنها
تُسيء إلى الإنسان الضعيف الطيب الذي يريد أن يعيش حياته بعزة وحرية. نحن
نعتقد أنَّ كلَّ الثروات الطبيعية الموجودة في العالم هي ملك النّاس
جميعاً، وقد أراد الله للناس جميعاً أن يستفيدوا منها، وأن لا تكون هناك
عائلة معينة أو شخص معين يستغلّها لمصالحه الخاصة، لذلك نحن لا نوافق على
أن تكون هناك عائلة في الشرق أو في الغرب تصادر الثروات لحسابها ولحساب
أفرادها، لأنّ هذه الثروات؛ البترول والمعادن الأخرى، هي للنَّاس كافة.
ونحن لا نشجع على أن تصرف ثروات العالم من أجل إنتاج أسلحة الدمار التي
تدمِّر هذا العالم.
نحن نعلم أنّ الغرب له مصالح عندنا في الشرق، وأنّ
لنا مصالح أيضاً عند العالم في الغرب، ونريد أن تكون العلاقة بيننا وبين
الشعوب الأخرى على أساس احترام المصالح المتبادلة، وعلى أساس الاحترام
المتبادل لإنسانيتنا وإنسانيتهم.
لذلك، نحن عندما نُعارض السياسية الأمريكية أو
سياسة بعض الإدارات الغربية، فهذا لا يعني أننا ضدّ الشعب الأمريكي أو ضد
الشعوب الغربية، بل إنّنا نريد أن نكون أصدقاء لهذه الشعوب، ولكنّنا ضد
سياسة هذه الإدارات التي تعارضها حتى شعوبها.
إنّ القرآن الكريم يدعو المسلمين إلى أن يتّبعوا
مع الآخرين الأسلوب الّذي يحوّل أعداءهم إلى أصدقاء، وهو يدعو اليهود
والنصارى إلى كلمة سواء، أي إلى القضايا التي نلتقي معهم فيها بالعقيدة،
وبوحدانية الله، ووحدة الإنسان، بحيث لا يكون الإنسان رباً للإنسان بل
أخاً له.
ولذلك نحن ندعو إلى حوار الأديان؛ بأن يطرح كل دين
أفكاره لأتباع الدين الآخر، بحيث يصبح في استطاعة أتباع هذه الأديان أن
يقفوا على القضايا المشتركة، وأن يتحاوروا في القضايا المختلف فيها. ونحن
ندعو أيضاً إلى حوار الشعوب بعضها مع بعض في تنوّع حضاراتها، لأنّنا
نعتقد أنَّ الحوار هو الذي يمكن أن تلتقي فيه الشعوب بعضها مع بعض، إذ
يصبح في إمكان هذه الشعوب أن تفهم بعضها بعضاً من خلال الحوار، فيؤدّي
ذلك إلى أن تلتقي على القضايا المشتركة.
وإذا كنّا نختلف مع "إسرائيل" في المسألة
الفلسطينية، فهذا الخلاف ليس خلافاً دينياً، ونحن مستعدون لأن نلتقي مع
اليهود في العالم على أساس الحوار الديني، ولعلّنا إذا قرأنا التاريخ،
رأينا أن المسلمين هم الذين احتضنوا اليهود وساعدوهم في العالم الإسلامي
في مدى التاريخ. إنّ اليهود قالوا إنّ فلسطين هي لهم من الله، ونحن
نناقشهم في هذه المسألة، لأنّ فلسطين لم تكن أرضاً خاليةً من الناس، بل
كان فيها شعوب عاشت منذ مئات السنين في هذه الأرض، وجاء اليهود وطردوا
الأغلبية منهم، وهم لا يريدون لأهلها أن يرجعوا، فالخلاف هو سياسي؛ هل
فلسطين لكلِّ أهلها، لليهود والمسلمين والنصارى، أو أنّها لليهود فقط ولا
حق للنصارى والمسلمين فيها؟ هذه قضايا سياسية وحضارية أيضاً.
نحن نختلف معهم في أنّهم يقولون إنَّ حقَّهم في
أرض فلسطين هو حق ديني، وأنّ الله وهبهم هذا الحق قبل ثلاثة آلاف سنة.
ونحن نقول إنّ الله جعل الأرض للناس كلّهم، وأنّ الشعوب تتحرك، فهناك شعب
مثلاً يأتي اليوم ثم يأتي شعب آخر غداً، لذلك لا نستطيع أن نعتبر أنّ
الأرض التي سكنتها شعوب قبل آلاف السنين، هي من حقهم اليوم. ولهذا نحن
نعتبر أن المسألة بيننا وبين اليهود في إسرائيل هي مسألة ثقافية حضارية
سياسية وليست مسألة دينية، نحن قد نختلف معهم في بعض الأمور الدينية،
ولكن لا نحاربهم لأنهم هم يتبنّون الدين اليهودي ونحن نتبنى الدين
الإسلامي، لأنّنا نعتبر أن الحرب في الإسلام ليست حرباً عدوانية هجومية،
بل هي حرب دفاعية وقائية، حتى يدافع الإنسان عن نفسه وعن أمته، وأيضاً
ليتوقّى هجوم الآخرين عليه.
إنّ الإسلام يقول في القرآن الكريم، طالما أنّ
الآخرين لا يقاتلونكم في دينكم ولا يطردونكم من أرضكم، فعليكم أن تحسنوا
إليهم، وأن تقوموا معهم على أساس أن تعطوهم كل حقوقهم، وأن تعدلوا فيهم.
فالقرآن الكريم يريد أن يؤكد للجميع أنّ هناك إمكانات للقاء بين الأديان
في القضايا المشتركة، وللحوار معها، سواء كان الدّين يهوديّاً أو
نصرانيّاً أو بوذيّاً أو حتّى هندوسيّاً. علينا أن نتحاور معهم حواراً
علمياً مبنياً على العقل، ونحن ضدّ العنف الذي يمارسه بعض الناس ضد الناس
الآمنين، ولا نعتقد أن الخلاف السياسي يجعلنا نحارب الذين نختلف معهم
سياسياً، بل إنّ الخلاف السياسي يمكن أن نحلّه بالحوار الموضوعي المرتكز
على أسس إنسانية.
ولذلك نحن ضدّ الإرهاب من أيّ شخص أتى، سواء أتى
من مسلم أو من غير مسلم، ولذلك أنا كنت أوّل شخصية إسلامية استنكرت ما
حصل في أمريكا وفي بريطانيا وفي إسبانيا بشكل سريع جداً، وقلنا إنّ هذا
الأمر لا يقبله الدين ولا العقل.
نحن نقول لكم: بلّغوا كل الناس في أبرشياتكم،
إنّنا لسنا أعداء لهم، ولسنا ضد الغرب، بل نحبُّ أن نكون أصدقاء للغرب
وأصدقاء للمسيحيين، وأن يلتقي الإسلام والمسيحية على أساس السلام في
العالم.
لذلك عليهم أن يفهمونا جيداً بعيداً عن الإعلام
المعادي، وعلينا أن نفهمهم جيداً بعيداً عن الإعلام المعادي، لأنّ
الإعلام ربما يخلق مشاكل غير صحيحة عندما يكون كاذباً. مجدّداً نرحب بكم
بكلِّ محبة، ومستعدون أن نستقبل كلّ أسئلتكم، ولكم كلّ الحرية في أيَّ
سؤال.
نصّ الحوار:
* نحن نعرف أنّه حصل في
التّاريخ عدّة حوادث باسم السيِّد المسيح، ونحن نعتذر عمّا قام به هؤلاء
الأشخاص من أذىً للمسلمين باسم السيِّد المسيح.
- ونحن في الوقت نفسه، إذا كان قد حصل أيّ أذى
للمسيحيين غير مبرّر من قبل المسلمين، فنحن أيضاً نقدّم اعتذارنا
للمسيحيّين عن ذلك، لأنّنا لا نريد أن يؤذي بعضنا بعضنا الآخر.
* نريد أن نسمع منك ما تأمله
لشعبك للسّنين القادمة؟
- نحن نحبُّ أن نعيش بسلام، لا نريد لأية قوة في
العالم أن تصادر حرياتنا أو أن تمنعنا من استغلال ثرواتنا في عملية
الاكتفاء الذاتي، كما نحبُّ أيضاً أن تكون علاقاتنا مع العالم علاقات عدل
وسلام، وقد ذكرنا أنَّ مشكلتنا مع الإدارة الأمريكية، هي أنّها عملت على
أن تحتلَّ بعض المواقع الإسلامية، وأن تتدخل أيضاً بكلّ شؤون المسلمين
بما لا يريدون، ونحن لا نعتقد أنها في هذه السياسة تؤذي المسلمين وحدهم،
بل تؤذي المسيحيين الموجودين في الشرق.
وعلى ضوء هذا، نحن نتمنى السلام للعالم كلّه، على
أساس أن نتبادل خيراتنا، وأن نحرك طاقاتنا في سبيل الخير للإنسان كل
الإنسان، هذا ما نأمله لشعبنا ولشعوب العالم، ونتمنى أن تُدمَّر كلّ
أسلحة الدمار في العالم.
* كيف نستطيع أن نبني جسور
المحبَّة بين الناس؟ وهل تظن أن السيّد المسيح قد يكون عاملاً أساسياً في
بناء هذه الجسور للمحبّة والسلام على الأرض؟
- يُنقل عن السيد المسيح(ع) قوله إنّ الله محبة،
وعندنا حديث نبوي يقول: «الخلق عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم
لعياله». وفي الأدبيَّات الإسلامية، أنّ على الإنسان أن يحبّ لأخيه ما
يحبّ لنفسه وأن يكره له ما يكره لها؛ فإذا كنّا نحن نحبّ الحرية لأنفسنا،
فعلينا أن نحبَّها لكلّ الشعوب، وإذا كنّا نكره أن نُمنَع حقوقنا، فإنّنا
نكره ذلك لكلّ الشعوب.
علينا أن نلتقي على محبَّة الله، ومن خلال محبة
الله ننفتح على الإنجيل والقرآن، فنحن نعتبر أن الإنجيل كتاب الله
المقدّس، كما أنّ القرآن كتاب الله المقدس، ونحن نتعلم من الإنجيل كما
نتعلم من القرآن، لأنّ الإنجيل والقرآن كلمة، وعلينا أن نتعلم من كلمات
الله. نحن نؤمن بالسيد المسيح بأنه روح الله وكلمته، وهو الذي يحبه الله،
كما يؤمن المسيحيون بذلك، وإذا كان هناك اختلاف في الجانب اللاهوتي، إلاّ
أنّنا لا نختلف على السيد المسيح باعتبار أنه المسيح الإنسان.
نحن نعتقد أن محمداً يحب المسيح ويعظّمه، وأنّ
المسيح، حسب عقيدتنا، بشّر بأنّه سوف يأتي شخص يسمى (أحمد) يحمل رسالة
الله في الكون، ولذا نحن لا نعتقد أن هناك مشكلة بين محمد(ص) وبين السيد
المسيح(ع)، وبالتّالي، لا مشكلة بين الإسلام والمسيحية، وإنّما هناك
اختلاف في فهم بعض الأشياء التي يمكن أن ندير الحوار حولها. والعقيدة
الإسلامية تقول نحن إنّنا بكل رُسل الله لا نفرق بين أحد من رسله. ولذلك
فالدّين لا يفرق، ولكن العصبية هي التي تفرق.
أماّ من أين نبدأ بناء الجسور، فنبدأها من الإيمان
بالله، فالله ربّنا جميعاً، ومن الرّسل الذين أرسلهم الله بكلمته
المقدّسة، لأنّهم حملوا ما يحبُّ الله لنا أن نعيشه كأخوة في الإنسانية،
بأن نعيش إنسانيتنا في إنسانية الإنسان الآخر في القيم الروحية
والأخلاقية، وأن نلتقي بالإله الواحد، وأن لا يكون لنا آلهة من الذين
يتكبَّرون على الإنسان ويعتبرون أنفسهم آلهةً للناس، وأن نتحاور حتى يقدم
كلّ واحد منّا فكره بوضوح للآخر، لأنّ بعض الناس يحاولون أن يشوّهوا صورة
المسيحية عند المسلمين، وصورة الإسلام عند المسيحيين. أن نبدأ من السلام
الإنساني والعدل الإنساني بين يدي الله سبحانه وتعالى، ومن محبّتنا لله،
لأنّنا إذا أحببنا الله أحببنا الإنسان، وإذا التقينا على الله فلن
نختلف، لأنّ المشكلة التي يعيشها الناس هي أنهم ابتعدوا عن الله وأصبحوا
يعبدون المادة ولا يعبدون الله.
* نحن في الولايات المتحدة
نعاني من سياسة الرئيس بوش الّذي جعل لنا أعداء كثراً في العالم، وخصوصاً
طالبان والقاعدة. كرسل سلام، ماذا نستطيع أن نفعل حتّى نقرّب الأعداء
أكثر إلينا؟
- علينا أن نتحاور مع الشعوب التي تحبُّ الحرية
وتحب السلام وتحب الله، وأن نتعاون معهم على إقناع الذين يتحرّكون
بالإرهاب والعنف والتطرّف لنعيدهم إلى خطِّ الإنسانية، وإذا لم نستطع
ذلك، فعلينا أن نرفضهم، وأن ننطلق في العالم حتى نشكّل فريقاً كبيراً
يمثّل القوة التي تردع كل إرهاب وكل تطرّف. وعلى ضوء هذا، يمكن أن نُفهِم
الناس أنّ سياسة بوش، ومعه المحافظون الجدد، لا تمثّل الشعب الأمريكي،
وأنّ الشعب الأمريكي هو شعب طيب، وعلينا أن نكون أصدقاء له ونتعاون معه
ونستفيد من خبرته، كما علينا أن نقول للشعب الأمريكي، إنّنا أناس مسالمون
وطيبون نحبُّ الحرية كما يحبُّها الشعب الأمريكي. نحن نريد للشعب
الأمريكي أن يقنع الرئيس بوش وإدارته بأنَّ سياسته أدت إلى أن يسيء
العالم فهم الشّعب الأمريكي، وأن يكره هذا الشّعب، مع أنّ فيه أناساً
طيّبين. نحن نلتقي معكم في معارضتكم لسياسة بوش، سواء سياسته في الحرب أو
في الاقتصاد، ونحن أيضاً نعارض الرئيس بوش في سياسته في الاحتلال وفي
تدمير اقتصادنا وأمننا، فنحن وأنتم في خط واحد، وهو معارضة سياسة الإدارة
الأمريكية التي تسيء إلى سلام الشعوب، ونريد للشعب الأمريكي أن يختار
رئيساً وإدارةً يمكن لها أن تفتح أمريكا على كلّ شعوب العالم بالمحبة.
أحب أن أنقل هنا طرفةً، وهي أنّ مراسل (الواشنطن
بوست) سألني: إذا التقيت بالرئيس الأمريكي فبماذا تنصحه؟ فقلت له: أقول
له: عندما تستيقظ من النوم، انظر إلى تمثال الحرية، حتى تعرف أنّنا نحب
الحرية، كما يحبها الشعب الأمريكي، فلا تضغط على حرية شعوب العالم.
* سيدنا، أنا يشرّفني أن أكون
معك، وأنا قدمت مع الوفد الأمريكي، لكن أصلي لبناني من صيدا، فخرٌ لي أن
أجتمع معكم. سؤالي هو: سيدنا عيسى(ع) جاء في وقت كان هناك احتلال روماني،
حيث كانوا يضطهدون الشعوب، لكن السيّد المسيح بمحبّته عامل الجميع
بالتساوي، فشفا الروماني واليهودي، وشفا تابعه والذي كان يكرهه، كان يمنح
المحبة للجميع، ولم يدع أبداً إلى العنف، حتى قال: أعطوا ما لله لله وما
لقيصر لقيصر. وقد قلت في حديثك معنا إنّ السيد المسيح يجمعنا، فكيف
يمكننا كمجموعة أمريكية ولبنانية موجودين هنا، مسلمين ومسيحيّين، أن
نطبِّق هذه المقولة عملياً، خصوصاً أنَّنا نتفق على مسألة أن الأنبياء
يدعون إلى السّلام، وأن طريقتهم في الحياة كانت طريقة المحبة والتضحية؟
- قلت نحن نلتقي بالسيّد المسيح، لكن لا بدّ من أن
ندرس المسألة في دائرة أنّ هناك اجتهادات في اللاهوت المسيحي بالنسبة إلى
شخصيَّة السيد المسيح(ع)، فالمسيحيون يعتبرون أنّ الله تجسّد في السيد
المسيح(ع)، ونحن نعتقد أن السيد المسيح هو روح الله ورسوله وكلمته ألقاها
إلى مريم، وأنّ ولادته كانت مظهراً لقدرة الله على الخلق، كقدرة الله على
خلق آدم وحواء، ولكن على الرّغم من أنّنا نختلف في اللاهوت، إلاّ أنّنا
نعتقد أن المسيحية والإسلام يلتقيان في القيم الإنسانية الأخلاقية
الروحية، فنحن جميعاً نعبد الله الواحد، ونحن جميعاً نعتقد أن الإنسان لا
بد من أن يعيش مع الإنسان في وحدة إنسانية، وأن لا يكون الإنسان رباً
مستعلياً على الإنسان الآخر، وأن السيد المسيح والنبي محمد يلتقيان في
المحبة، فالنبي محمد(ص) يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحب
لنفسه»، فهو يربط الإيمان بالمحبة، والسيد المسيح أيضاً يؤكِّد المحبة.
ولكن أساليب المحبة في العالم تختلف، فمحبتنا للإنسان الذي يريد أن يضطهد
أو يقتل الإنسان الآخر، تفرض علينا أن نمنعه من ذلك لنعيده إلى إنسانيته
من خلال احترامه للإنسان الآخر، والسيد المسيح أرادنا أن نتعاون، فنفجّر
طاقاتنا لخدمة الإنسان، وأن نتواصل، فلا يبتعد الإنسان عن الإنسان، حتى
لا يُساء فهم بعضنا لبعضنا الآخر، وأن نتكامل، فيعطي كل واحد منا للإنسان
الآخر ما ينقصه، لتتحرّك الطاقات كلّها في خدمة الإنسانية. وبذلك يلتقي
المسلم مع المسيحي بين يدي الله على أساس احترام إنسانية الإنسان في
القيم الروحية والأخلاقية للإنسان.
أن تكون مسلماً، أو أن تكون مسيحياً، يعني أن تكون
إنساناً، أن نلتقي بالإنسانية التي تنفتح على الله وتنفتح على الإنسان.
وإذا كان السيد المسيح(ع) في عهده قد استخدم أساليب معيّنة مع الرّومان،
فذلك يعود إلى الظّروف التي عاشها الرومان آنذاك، وخصوصية نمط الحكم
القائم وسمات ذلك المجتمع في تنوعاته، وقد كانت طريقتهم في العدوان على
المستضعفين تأخذ حدوداً معينة، أما المستكبرون اليوم، فإنّهم يملكون
القنابل الذرّية وأسلحة الدمار الشامل، ويملكون مصادرة ثروات الشعوب.
ولذلك لا بد من أن نأخذ من روح السيد المسيح(ع) لنعرف كيف نمنعهم من ذلك
بالوسائل التي تسقطهم أمام شعوبهم، كما هي حال الطبيب الذي يحبُّ المريض،
ولكنّ محبّته تتمثّل بأن يعطيه أحياناً دواءً، أو بأن يقوم بعملية جراحية
تنقذ حياته. وقد نكون بحاجة إلى عمليات جراحية للذين يريدون اضطهاد
الإنسان ومصادرته، فنحن نحبّهم، ولأنّنا نحبّهم نقاومهم، لأنّنا بذلك
نقاوم الشيطان في داخلهم. مشكلتنا هي أن الشيطان يدخل في عقول وقلوب
الكثيرين من الذين يتولّون مصائر الناس في العالم، ولذلك مشكلتنا ليست مع
هؤلاء الناس، بل مع الشيطان في داخلهم. فلنتفق على محبة الله وعلى محاربة
الشيطان الذي يقف ضد الله ويبعد الناس عنه.
لذلك عندما يقوم الطبيب بالعملية الجراحية التي
تجرح جسد المريض، يقوم بها بمحبة، ونحن عندما نقاوم المستكبرين نقاومهم
بمحبة، لننقذهم من الجانب الشرير في أنفسهم. فلننطلق معاً في لقائنا هذا،
كُلٌّ في موقعه، بكلّ محبة، لننقذ الإنسان الطيب من الإنسان الشرير، وأنا
معكم بكل محبة.
ونحن نقول دائماً: العقل مفتوح، والقلب مفتوح،
والبيت مفتوح.
* نشكركم سماحة السيد على
استضافتكم إيَّانا، إنني أمثل بريطانيا، وأدعوك إلى زيارة بلدي.
- أنا أحبُّ الشعب البريطاني، لأنّه شعب حضاري
وشعب حرّ، بالرغم مما عانيناه من خلال الاستعمار البريطاني، ولكنّنا بعد
انتهاء الاستعمار، نسجل على الرئيس بلير مشاركته للرئيس بوش في احتلال
العراق، ونحن لاحظنا أن الشعب البريطاني تظاهر ضد الحرب، ولذلك فنحن
ننفتح على كل هذه الروح التي تحبّ الحرية، وتحب الشعوب، ونحن نريد أن
نكون أصدقاء للشعب البريطاني ولكل شعوب الغرب.