المــلاحــق
(ملحق 1)
مقابلة للتلفزيون البريطاني مع المرجع فضل الله حول ذكريات
ووقائع مجزرة بئر العبد:
الإدارة الأمريكية تخطط للفوضى وتستهدف من يواجه مشروعها
أجرى الصحفي البريطاني كيفن تولز مراسل التلفزيون
البريطاني القناة الرابعة لقاءاً مع سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل
الله، تناول بشكل تفصيلي وقائع مجزرة بئر العبد التي خططت لها المخابرات
المركزية الأمريكية بهدف الاغتيال سماحة السيد لما يشكله من "إزعاج كبير
للولايات المتحدة" وخطر على مصالحها الحيوية ومشاريعها للمنطقة، وقد تناول
الحديث ذكريات سماحة السيد عن تلك المرحلة، وعن مجريات يوم الثامن من آذار الذي
شهد المجزرة المروعة التي ما زالت في الذاكرة دليلاً على الوحشية الأمريكية
التي تستهدف الأبرياء وتقتل النساء والشيوخ والأطفال والأجنّة. والحقد الذي
تحمله الإدارة الأمريكية على الحالة الإسلامية وقياداتها ورمزها الذي شكل
الحاضن لحركة المقاومة منذ انطلاقتها ضد الصهاينة والاستكبار الأمريكي...
المرحلة الصعبة:
* ما الذي كان يجري في لبنان في فترة مجزرة بئر العبد؟
ـ كان لبنان يعيش الفوضى في التفجيرات وفي الجانب
الأمني، الذي تتحرك فيه التيارات الداخلية والخارجية، وخصوصاً في المشاكل التي
حدثت بين اللبنانيين والفلسطينيين، وخصوصاً أيضاً التدخلات الإسرائيلية من جهة
هنا وهناك، وأيضاً دخول القوات الدولية ومنها الأمريكية على الخط، بحيث أنه كان
يخيّل للناس أن أمريكا تريد أن تقيم قاعدة عسكرية لها في لبنان، كان الوضع يمثل
الفوضى الأمنية بكل معنى الكلمة، فكل إنسان يفكر من خلال المخابرات الدولية بأن
يقتل خصومه وما إلى ذلك.
بصمات المخابرات الأمريكية:
* لماذا أرادوا اغتيالكم؟
ـ لقد قرأنا بعض الوقائع في مذكرات وليم كايسي، مدير
المخابرات الأمريكية آنذاك، والتي سجلها الصحفي بوب ودرود في كتابه "الحجاب"،
وينقل فيه أن كايسي قد التقى مع أحد الأمراء العرب، وتحدث بأن "الشيخ فضل
الله"، حسب اصطلاحهم، أصبح مزعجاً للسياسة الأمريكية، وأن عليه أن يرحل. وعلى
هذا الأساس سلّم هذا الأمير لكايسي مبلغ ثلاثة ملايين دولار أمريكي لتغطية
عملية اغتيالي، لأن الكونغرس الأمريكي لا يدفع مالاً في هذا المجال. وهكذا
اتفقوا مع مخابرات الجيش اللبناني آنذاك، ووظفوا بعض الشباب وأغلبهم من الشيعة
من منطقة مشغرة في البقاع الغربي وغيرها، ودرّبوهم تدريباً دقيقاً جداً،
وهيّأوا الظروف من أجل اغتيالي من جهة تفجير بيتي، وكانوا يراقبونني مدة سنة
عندما أذهب إلى المسجد في يوم الجمعة، حتى أن الصحافة كانت في ذلك اليوم تلح في
طلب أي تصريح مني، كأنها تريد أن تبين آخر كلماتي قبل التفجير.
* الصحافة العالمية؟
ـ نعم، الصحافة العالمية، وساروا معي إلى مسجد الإمام
الرضا(ع) في بئر العبد، وفجأة دوى بعد الصلاة انفجار السيارة المفخخة، وكان
هناك قبل ذلك شيء يلفت النظر وهو أن امرأة مؤمنة صعدت إلى المسجد، والمسجد في
الطابق الأول، وطلبت أن تتحدث معي واعتذرت منها لأني كنت متعباً، ولكنها أصرت،
وعندما بدأت الحديث حصل التفجير، بحيث لو لم أستجب لهذه المرأة لكنت في قلب
التفجير، فالمسألة كانت هي مسألة أمريكية من جهة الثأر لما حدث للأمريكيين في
متفجرة المارينز حينها، لأنهم كانوا يتهمونني بأنني وراء ذلك، ولكنهم فشلوا في
هذا الموضوع، وقد نشرت هذه المعلومات في صحيفة "الواشنطن بوست" وصرّح الرئيس
ريغان آنذاك بأنه "نحن لم نأمر بذلك"، وأحب أن أؤكد أنه ليست لي أية علاقة من
قريب أو من بعيد بمسألة المارينز وإنما هي تهمة أمريكية لا أساس لها من الصحة.
الانفجار وضحايا الوحشية الأمريكية:
* عندما سمعتم الانفجار، خرجتم إلى الخارج ورأيتم ما الذي
يحصل؟
ـ عندما سمعت الانفجار، طبعاً لم أعرف في ذلك الوقت بأنه
موجّه ضدي، ولكن جاء من أخبرني بذلك، وذهبت لتفقّد الضحايا وتفقّد الأضرار التي
حصلت، وقد أدّت هذه المتفجرة الوحشية إلى سقوط حوالي ثمانين قتيلاً بين جنين
وبين طفل وبين امرأة وبين عامل من العمال الذين كانوا يرجعون من أعمالهم وأكثر
من مئة وعشرين جريحاً في المدنيين.
* هل تستطيع أن تحاول أن تصف لنا ماذا رأيت عندما ذهبت؟
ـ رأيت طبعاً الأبنية المحيطة ببيتي كانت مدمرة بشكل
كبير من جهة أن التفجير ترك آثاراً كبيرة عليها، كما أنني تابعت مسألة الضحايا
الذين قتلتهم المتفجرة، وخصوصاً النساء اللواتي كنّ قد رجعن من المسجد وهنّ
يحملن أطفالهنّ، كما أن هناك بعض النساء كنّ حوامل وقد قتلت احداهن وقتل جنينها
أيضاً في أحشائها، إلى جانب العمال الذين كانوا راجعين من أعمالهم، ولذلك شعرت
بالوحشية الأمريكية في هذه العملية العدوانية، وهذا يدلل على أن المخابرات
الأمريكية تقوم بمثل هذه الأعمال التفجيرية التي تقتل المدنيين وتقتل الأبرياء
من النساء والأطفال وحتى الأجنّة في بطون أمهاتهم.
* مولانا، لماذا اختاروا هذه الوسيلة بتفجير سيارة؟
ـ لأنهم لا يستطيعون اغتيالي بالطريقة التقليدية،
باعتبار وجود حرس حولي أو في المنطقة آنذاك، ولهذا كانت قضية التفجيرات هي
الظاهرة التي كانت تستخدم في لبنان من قِبَل أكثر من جهة من الجهات التي تواجه
خصومها.
* لماذا كانت تفجيرات السيارات هي السائدة في ذلك الحين؟
ـ لأنه من الممكن أن تقتل أكبر عدد ممكن من الناس، مما
يجعل الأشخاص الذين يطلقونها يجدون تحقيقاً لأهدافهم في تخويف وترويع أو في
إسقاط خصومهم، وهذا ما نلاحظه الآن فيما يحدث في العراق وفي أفغانستان.
اللطف الإلهي:
* ماذا كانت الخطة: أن تنفجر السيارة على الطريق بين البيت
وبين المسجد؟
ـ كانت هناك سيارتان إلى جانب بيتي وكانوا قد رصدوا
الطريق التي أمرُّ بها إلى بيتي بشكل دقيق جداً، حتى أصاب بالتفجير عند مرور من
هذا الطريق ، ولكن تأخري بفعل هذه المرأة المؤمنة التي كانت تستشيرني في بعض
قضاياها أخّر المسألة ومرّت هناك بعض السيارات التي تشبه سيارتي فلذلك حصل
التفجير قبل أن آتي إلى البيت، ولو كنت قد أتيت إلى البيت بعد الصلاة لأصبت في
ذلك الوقت، حتى أن الخطة الموضوعة أن إذاعة محلية تابعة لحزب محلي يميني، قالت
إن فلان موجود تحت الأنقاض معتقدةً أني وصلت إلى المكان، وأنني قضيت بتأثير
التفجير، والظاهر أن الصحافة العالمية كانت على علم بذلك، لأنهم كانوا
يتابعونني ليطلبوا مني آخر تصريح قبل أن يحصل الانفجار.
محاولة "ثأر" أمريكي لتفجير المارينز:
* لماذا لامك الأمريكيون على تفجير المارينز؟
ـ أولاً، لأن بعض المخابرات اللبنانية، والظاهر أنها
الكتائب آنذاك، سرّبوا إليهم هذه المعلومات وأنني أنا الذي وعدت منفذ عملية
التفجير بالجنة، وإنني خرجت من أجل تفقّد المنطقة لأحدد كيف يمكن أن يكون
التفجير، وقد عبّرت في ذلك الوقت بأن هذا أمر أسخف من أن يعلّق عليه، لأنه ليس
من شأن علماء الدين أن يقوموا بمثل هذه الأساليب أو أن يتفقدوا القضايا
العسكرية أو ما أشبه ذلك.
* هل المخابرات الأمريكية بالتالي قد افتعلت انفجارات أخرى
في لبنان؟
ـ لا أستطيع أن أحدّد خلفيات المتفجرات، لأن هناك أكثر
من جهة في لبنان كانت تمارس ذلك، ولكن قيام المخابرات الأمريكية بالتفجير
الموجّه إليّ يدل على أنهم ليسوا بعيدين عن كثير من هذا الأسلوب.
لبنان ساحة مفتوحة:
* لماذا برأيكم، ما زالوا إلى الآن يستخدمون نفس الطريقة
التي هي تفجير السيارات بعد عدة سنوات؟
ـ في تصوري أن هذا هو الأسلوب الذي جرت عليه الفوضى التي
خلقتها المخابرات الأمريكية في المنطقة، هذا بالإضافة إلى الذهنية المتخلفة
التي تحكم بعض الناس، ومنهم بعض المتطرفين في القاعدة وفي غيرها لممارسة هذا
النوع، وهذا ما لاحظناه فيما حدث في 11أيلول أو في أسبانيا أو في بريطانيا أو
حتى في المغرب وفي السعودية ولا يزال الأمر مستمراً في العراق.
* هل عرفتم من أين أتت المتفجرات التي استهدفت حياتكم؟
ـ كان لبنان مملوءاً بهذا النوع من أدوات التفجير، بحيث
كان ساحة مفتوحة لكل الأسلحة ولكل أدوات التفجير.
* هل ترون نهاية لمسألة التفجيرات للسيارات في لبنان؟
ـ أنا لا أتصور ذلك، لأننا لم نعرف الجهات التي تقوم
بهذه الأعمال، ولم تستطع المخابرات اللبنانية وحتى المخابرات في لجنة التحقيق
أن تكتشف هؤلاء، ولذلك فالقضية لا تزال غامضة من هذه الناحية، فيمكن للإنسان أن
يتهم "إسرائيل" التي تريد أن تربك الواقع اللبناني، ويمكن أن يتهم كثيراً من
الجهات الإقليمية والدولية، ويمكن أن يتهم القاعدة والمتطرفين الذين أصبحوا
يمارسون مثل هذه الأعمال.
* هل ترون نهاية لهذه الأعمال؟
ـ ما دامت المشاريع الأمريكية تحكم المنطقة من أجل
المصالح الإستراتيجية الأمريكية، وما دامت إسرائيل تريد إرباك الأوضاع في
المنطقة لمصالحها، فإني لا أرى هناك نهاية لمثل هذه الوسائل، وخصوصاً ما دام
الاحتلال الأمريكي مستمراً للعراق ولأفغانستان وللسيطرة على الباكستان امتداداً
بالصومال وما إلى ذلك. إن أمريكا تتحدث عن تخطيط للفوضى في المنطقة والتي
تسميها الفوضى البناءة، ومن الطبيعي أن الفوضى تهيئ المناخ لمثل هذه الأعمال
وغيرها.
الانتقام من الرمز:
* هل بتقديرك أن الأمريكان كانوا يريدون شخصاً حتى يلقوا
عليه اللوم ليقولوا أنهم انتقموا من الذي فجرهم وبالتالي اختاروك لأنك رمز
ديني، وهل انتقوك من دون أن يكونوا متأكدين أنك من ارتكب العملية؟
ـ بطبيعة الحال لم يستطيعوا أن يعرفوا الجهة التي تقف
خلف تفجيرات مقرّ المارينز في هذا المقام، ولذلك عندما قدمت إليهم هذه
المعلومات الاستخبارية من بعض اللبنانيين بادروا إلى الجهة التي كانت وراء ذلك،
ولذلك خططوا من أجل الثأر من هذه الجهة وهي متصلة بي.
* هل كانوا يبحثون عن أي هدف ليقولوا لشعبهم إننا قتلنا
المسؤول؟
ـ ربما يكون الأمر كذلك.
* هل هناك شيء لم نذكره حول هذا الموضوع؟
ـ أظن أننا استوعبنا الموضوع من جميع الجهات، وإني أريد
أن أشير إلى أن ريغان حاول أن يتفلت من هذا الموضوع ويزعم أن المخابرات
الأمريكية قامت به دون علمه، ولذلك أصدر الرئيس ريغان بياناً في ذلك الوقت بأنه
لم يصدر الأوامر للقيام بمثل هذه العملية بعد أن نشرت "الواشنطن بوست" والصحف
الأمريكية وغيرها، الحديث عن هذه المتفجرة. لكن من المؤكد الدور المباشر
للإدارة الأمريكية.
* * *
(ملحق 2)
مقاطع من كتاب "الحجاب"
تحدث بوب وودرود في كتابه " الحجاب، العمليات السرية
لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية" عن التحضير الأمريكي لتنفيذ مجزرة بئر
العبد والخطوات التي اتخذها جهاز الاستخبارات الأمريكية ومديره وليام كايسي وعن
ردة فعلهم اثر فشل العملية، حيث أصيب كايسي "بالمغص" اثر تلقيه نبأ نجاة سماحة
السيد فضل الله، وفيما يلي نعرض بشكل حرفي المقطع الذي يتناول العملية نقلاً عن
كتاب "الحجاب" لبوب وودرود:
التحضير للضربة:
كانت النار تشتعل ببطء في مدفأة المكتب البيضاوي وتضفي
جواً حميماً على الاجتماع بعد ظهر يوم خريفي، وذلك بعد الفوز في الانتخابات.
عرض كايسي النقاط الهامة في ورقة منفصلة، وكان متأكداً أنّه خفض المسألة إلى
أصلها. والآن مع دورة الرئاسة الثانية حان الوقت. كان يعد مذكرة رئاسية توجه
وكالة المخابرات المركزية إلى تدريب ودعم وحدات من بلدان أجنبية في الشرق
الأوسط وذلك لتنفيذ ضربات وقائية ضد الإرهابيين. عندما تظهر الاستخبارات أنّ
منظمة إرهابية كانت على وشك توجيه ضربة إلى مؤسسة أميركية مثل سفارة أو قاعدة
عسكرية، فإنّه يمكن لهذه الوحدات أن تمنع الإرهابيين من تنفيذ هجماتهم وأن
تقتلهم. كان الرئيس يدرك تماماً أنّ المتعصبين ومفجري قنابل الاغتيال كانوا
دليلاً واضحاً على عجز إدارته، ووافق على أن يقوم بعمل ما.
رفض وينبرغر أن يشرك العسكريين، لأنّ قصف المدمرة
نيوجرسي للبنان لم يؤد إلى أية نتيجة. لقد كان القصف عنيفاً جداً، غير مميّز،
ولم تكن الإصابات دقيقة، كما أدت الغارات الجوية إلى مقتل ضحايا بريئة. كان
جواب وزارة الدفاع: لا، شكراً، ليس نحن. وجمع وينبرغر يديه وقال: لا. وفي وكالة
المخابرات المركزية أجاب مكماهون: لا، شكراً، الوكالة تقوم بالاستخبارات وليس
بالقتل. ولكنّ كايسي كان عنيداً ودعمه شولتز.
أوضح كايسي للرئيس أنّ المذكرة كانت لتدريب الوحدات
ووضعها في أماكن عملها وأنّه يتوجب إصدار مذكرة أخرى لتنفيذ أي عمل خفي. كان
للإسرائيليين تجربة هامة في هذا المجال، ولديهم خبرة لا بأس بها في العمل
الوقائي الخفي ولكن من الضروري أن تبقى عين الإدارة مفتوحة عليهم. يجب أن يظهر
أي عمل من الإدارة على أنّه ضد الإرهاب وليس ضد العرب.
ولحسن الحظ لم يشأ أحد أن يعرف شيئاً عن هذه الوحدات.
وكان من المقرر أن يبدأ تدريب ثلاث وحدات، كل وحدة تتألف من خمسة رجال في
لبنان. وستنفذ الضربات الوقائية تحت غطاء بحيث لا يظهر أي أثر للوكالة أو
للولايات المتحدة.
طلب الرئيس من كايسي أن يعلم لجنتي الاستخبارات في
الكونغرس وأن يستعمل التدبير الاحتياطي في القانون الذي يسمح له بإعلام ثمانية
أشخاص فقط هم رئيس لجنة الاستخبارات ونائبه في كل من مجلس الشيوخ ومجلس النواب
وزعيم الجمهوريين وزعيم الديموقراطيين في كل مجلس أيضاً.
قال كايسي إنّه سيتولى ذلك شخصياً ليؤكد على حساسية
الموضوع. ولن يخبر أحداً من الأركان الكثيري الكلام. ورأى ذلك فرصة ليظهر أنّ
الوكالة يمكن أن تنفذ عمليات خفية بشكل صحيح.
وقع ريغان المذكرة الرسمية وتوجيهات تنفيذية لقرار أمني
قومي. بلغت تكاليف الوحدات اللبنانية حوالي مليون دولار، وعندما يتوسع البرنامج
إلى بلدان أخرى ستبلغ التكاليف 5.3مليون دولار.
وصف الأميرال جون بواندكستر نائب مكفرلين الذي كان
حاضراً في الاجتماع جلسة بعد الظهر لأحد الزملاء: كان كايسي يتمتم ورونالد
ريغان يهز رأسه موافقاً.
صمم كايسي أن يرى ذلك قيد التنفيذ. وقد حاربه مكماهون
حول كل خطوة من الطريق. وبدأ يشوش: هل يمكنهم الثقة بالأجانب وخاصة اللبنانيين؟
هل تستطيع وكالة المخابرات المركزية السيطرة عليهم؟ برأي مكماهون أنّ أي جواب
عن السؤال الثاني يؤدي إلى مشاكل. إذا كانت الوكالة تسيطر عليهم فهل تتورط في
عمليات الاغتيال؟ ألا يعتبر ذلك اشتراكاً في ضربات وقائية وتخطيطاً لعمليات
اغتيال منعه الرئيس ريغان بموجب أمر تنفيذي مهما كانت صيغة العمل وشكله؟ وإذا
لم تكن السيطرة للوكالة، أليسوا هم من يطلق صواريخ غير موجهة؟ وتعجب مكماهون
أكثر: هل سيكون لديهم معلومات عن الهجوم الوقائي وهل هو فعلاً وقائي؟
ساعد سبوركين كايسي في هذا المجال وأصدر رأياً قانونياً
يؤكد أنّ الهجوم الوقائي لن يكون بالضرورة اغتيالاً أكثر مما لو أطلق رجل
البوليس الطلقة الأولى على الرجل الذي يسدد البندقية نحوه. الوقاية هي دفاع عن
النفس.
أزمة الاستخبارات الأمريكية في بيروت:
كان كايسي يركز على بيروت. هناك أزمة عاطفية للوكالة منذ
ثمانية أشهر. وليم بكلي الذي خطف في بيروت كان معروفاً بأنّه ضابط سياسي في
السفارة الأميركية، ولكنّه في الحقيقة كان رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية.
كان كايسي متأكداً من أنّ المسلمين المتطرفين الذي خطفوه يعرفون حقيقته. وضغط
على مدير العمليات كل يوم تقريباً للعثور على مكان بكلي وإنقاذه. اتخذ تدابير
غير عادية. سمح بدفع المال إلى المخبرين وأمر بالتركيز على التقاط المكالمات
وكثّف من صور الأقمار الاصطناعية. أنشأ قوة عمل خاصة لإنقاذ الرهائن. كان يدرك
أنّه لا يستطيع لا هو ولا الوكالة المساومة على بكلي دون مخالفة سياسة الإدارة
التي تمنع المفاوضات، ودفع فدية لإنقاذ الرهائن. كانت هذه المحنة مخزية. يجب
تقليص عناصر محطة بيروت إلى رئيس محطة وبضعة حراس أمن. وقد تمّ تحويل العديد من
أعمالها الاستخبارية إلى الاستخبارات اللبنانية وهي مجموعة قاسية كانت فعلاً
آخر أثر لسلطة الحكومة في العاصمة. وقد زودتها وكالة المخابرات المركزية بالمال
والتجهيزات والدعم التكنولوجي.
أعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم "منظمة الجهاد
الإسلامي" مسؤوليتها عن خطف بكلي. وكان كايسي متأكداً من أنّ هذا الاسم كان
شعاراً للمتطرفين الذين ظهروا أيضاً في تفجير المؤسسات الأميركية في بيروت.
أعاد خطف بكلي الكوابيس إلى ذهن مدير العمليات كلير جورج
الذي كان رئيس محطة بيروت في عامي 1975 و1976. وخلال وجوده في بيروت خطف
مسؤولان حكوميان أميركيان واحتجزا لمدة أربعة أشهر ثمّ أطلق سراحهما. لقد عاش
العذاب من قبل. حرك جورج نفسه محاولاً إنقاذ بكلي. إنّه لم يرد عودة بكلي فقط
بل كان يريد أن يصدر إشارة إلى جميع ضباط العمليات في الخارج بأنّ الوكالة
ستقوم بأي شيء لإنقاذهم. أتى إلى بيروت فريق متخصص ومدرب وله خبرة في تحديد
أماكن المخطوفين من مكتب التحقيق الفدرالي وعاد بعد شهر دون نتيجة.
استهداف السيد: "عليه أن يرحل"
آن الآوان لرد الضربة، لكن تبين أنّ تدريب اللبنانيين
يثير المشاكل، لا يمكن التحكم بهم، كانوا يرغبون في القتل، يرغبون كثيراً. وبدأ
رجال كايسي يخمدون. لا أحد داخل الوكالة أراد أن يواجه. رأى كايسي وجوهاً
مضطربة وضائعة وخائفة من المواجهة الحقيقية للمخاطر. لقد سار معهم في طريق
طويلة خلال السنين الأربع الماضية، ولكنّ العديد منهم وخصوصاً مكماهون ومدير
العمليات لم يفهموا مراده.
كان كايسي يرى أن السيد محمد حسين فضل الله الزعيم
المسلم الأصولي هو الداعم الأول للخاطفين ولمخططي خطف الرهائن في بيروت، وأنه
كان على علاقة وثيقة بالانفجارات الثلاثة في المؤسسات الأميركية في بيروت، وأن
عليه أن يرحل.
فيما بعد اتخذ كايسي قراراً مؤثراً. لقد بدأت
البيروقراطية في الوكالة تقاوم أكثر فأكثر التدابير العملية المضادة
للإرهابيين. أتى برجل إنكليزي كان قد عمل في الخدمات الجوية الخاصة البريطانية
وهي نخبة قوات الكوماندوس العملانية. هذا الرجل كان قد سافر كثيراً في الشرق
الأوسط وكان يدخل إلى لبنان ويخرج منه عن طريق دولة عربية أخرى. ويمكن له أن
يكون قائداً مثالياً للعملية المعقدة. وكالة المخابرات المركزية لن تقوم طبعاً
بأي شيء، وسوف يمكن للوكالة أن تنكر تورطها ومعرفتها المسبقة. كان الارتباط مع
أجهزة الاستخبارات الأجنبية أحد نشاطات الوكالة التي لا يستطيع أعضاء لجان
المراقبة في الكونغرس الوصول إليها. رفض كايسي بشكل قاطع أن يعلم اللجان حول
هذا العمل الحساس. وفي هذه الحالة فإنّ وكالة المخابرات المركزية كمؤسسة لا
تعرف. لم يكن هناك أي شيء مكتوب، ولم تكن هناك سجلات.
شكل الإنكليزي فروعاً عملانية لينفذ الأقسام المختلفة
لحظة الاغتيال، ولم تكن لأي فرع القدرة على الاتصال بالفرع الآخر إلاّ من
خلاله. تمّ استئجار عدة رجال للحصول على كمية كبيرة من المتفجرات. وتمّ استئجار
رجل آخر للحصول على سيارة. ودفعت مبالغ مالية لمخبرين لمعرفة مكان تواجد السيد
فضل الله في جميع الأوقات. وتمّ استئجار مجموعة أخرى للتخطيط لعمل خداعي بعد
التفجير بحيث أنّه لا يبدو مرتبطاً بالولايات المتحدة. واستأجرت الاستخبارات
اللبنانية الرجال الذين سيتولون تنفيذ العملية.
المجزرة الوحشية:
في 8 آذار/مارس 1985 توجهت سيارة محملة بالمتفجرات إلى
ضاحية بيروت، ووصلت إلى حوالي 50 قدماً من منزل السيد فضل الله الذي يقطن في
الطوابق العليا. انفجرت السيارة وقتلت ثمانين شخصاً وجرحت مائتين وتركت الدمار
والنار وانهارت بعض الأبنية. لقد قتل أو جرح جميع الأشخاص الذين صادف وجودهم في
المناطق القريبة مباشرة وأصيب العديد بالرعب. لكنّ فضل الله لم يُصب بأذى. وعلق
أتباعه علماً أمام البناية التي تفجرت كتبوا عليه بأحرف ضخمة " صنع الولايات
المتحدة".
صدمة كايسي:
عندما سمع كايسي الأخبار أصيب بمغص في معدته. يجب تغطية
الآثار بدقة. عممت المعلومات التي تفيد بأنّ الإسرائيليين كانوا وراء تفجير
السيارة. لكنّ وكالة المخابرات المركزية عبر مخابرات دولة صديقة حاولت أن تثبت
عدم تورطها. كان هناك طريقة واحدة لقد أعطوا معلومات لا تقبل الجدل ساعدت فضل
الله في القبض على بعض العاملين المستأجرين. فسر كايسي ذلك بقوله: " أنا أطلق
النار عليك وأنت تشك فيّ، فأتحول إلى سائقي وأقول إنّه هو الذي أطلق النار،
عندها تتأكد أنني لست مشبوهاً". ما زال فضل الله هو المشكلة. والآن أكثر من أي
وقت مضى.
مع أنّ مهمة قتل فضل الله قد فشلت فقد بدأت الاستخبارات
اللبنانية تأخذ رصيدها واعتبارها الخاص على الرغم من دورها الصغير نسبياً. كان
إظهار القوة ضرورياً. يجب إظهار أنّ الدم يواجه بالدم والإرهاب يواجه بالإرهاب.
كان كايسي متضايقاً لأنّ علاقة وكالة المخابرات المركزية مع الاستخبارات
اللبنانية وتدريب وحدات للقيام بأعمال وقائية قد وضعا الوكالة في خطر. لقد كانت
تلك الاستخبارات على علاقة وثيقة بخطة الاغتيال. لقد أراد مكماهون قطع هذه
العلاقة وقال إنّ على الوكالة أن تتخلى بسرعة عن التدريب على النشاط السري
المضاد للإرهابيين. لم يكن أمام كايسي أية فرصة وألغيت المذكرة الوقائية.
على الرغم من ذلك كان يجب المحافظة على بعض العلاقات
المستمرة مع الاستخبارات اللبنانية لأنّ وكالة الاستخبارات المركزية اعتمدت
عليها من أجل الحصول على المعلومات ولوضع أشخاص في مراكز تنصت. في آذار/مارس
استدعي إلى واشنطن ضابطان لبنانيان برتبة مقدم وثلاثة ضباط برتبة رائد في
الاستخبارات اللبنانية للتدريب على برنامج عالي المتسوى في وكالة المخابرات
المركزية في مجالي التدبير والإدارة وذلك لمدة ثلاثة أسابيع.
المصدر: الحجاب العمليات السرية لوكالة المخابرات
المركزيةالأمريكية 1983-1985 ,بوب وودورد,دار المناهل بيروت ,ط 1 1989
* * *
(ملحق 3)
الحاجة التي كانت السبب في نجاة السيِّد من الانفجار:
وحيّ إلهي دفعني لتأخير مغادرته
حلم فحقيقة، وبين الخيال والواقع كانت معجزة، وربَّما هي
وحي إلهي أو إلهام روحاني حال دون اغتيال العلامة المرجع السيِّد محمَّد حسين
فضل اللّه في أبشع مجزرة أمريكية في محلة بئر العبد بضاحية بيروت الجنوبية في 8
آذار عام 1985، بهذه العبارات المؤثّرة وصفت الحاجة زينب الشامي ـ 67 عاماً ـ
واقعة انفجار السيارة الملغومة التي أسفرت عن استشهاد وجرح ما يقارب الـ 240
شخصاً.
إمرأة مؤمنة:
يومها قال العلامة المرجع فضل اللّه: "امرأة مؤمنة أنقذت
حياتي"، واليوم تقول نفس المرأة الحاجة الشامي: لا شك أنَّ ما كان يربطنا
ويشدّنا إلى سماحته، هو المسجد حيث كان يؤم المؤمنات المسلمات كلّ يوم جمعة،
وكان الوضع الأمني في ذلك اليوم متأزماً جداً، وكنتُ أعيش القلق والخوف على
السيِّد، وهذا القلق مرده إلى حلمٍ مزعج ومُرعب أثار مشاعري، حيث تراءى لي في
ذلك المنام أنَّ انفجاراً رهيباً وقع قرب سينما ساندريلا أي في نفس مكان
الانفجار وأدّى إلى استشهاد السيِّد، وبعدما فرغ من الصلاة وهمّ بمغادرة المسجد
وسط حشدٍ ضخم جداً، أعتقد أنَّه الأكبر من نوعه في تلك الفترة أوحي لي وكأنَّ
ملاكاً هبط عليَّ من السَّماء بأن أعترض طريقه، فتقدّمت منه بسرعة ولا شعورياً
واعترضت طريقه وطلبت منه التمهل لأنَّ لدي سؤالاً لا أستطيع الصبر عليه، فرفض
طلبي قائلاً: أنا منهك متعب أرجو أن تسامحيني، ولنؤجل الموضوع إلى وقتٍ آخر،
وتدخل مرافقه في الحوار إلاَّ أنَّ وحياً ما شدَّ عزيمتي في الإصرار على موقفي
فطلبتُ من المرافق الخروج وإقفال الباب، وكنت لا أدري في قرارة نفسي ما هو
السؤال الملح..
*هل استجاب سماحة السيد فضل اللّه لطلبك وإلى ماذا تردّين
هذا الأمر؟
ـ إنَّه مجرّد إلهام وربَّما قوّة خفية ربانية روحانية،
شجعتني على هذه الجرأة التي لـم أعهدها في حياتي من قبل، فأنا لا أذكر أنَّني
وقفتُ يوماً من الأيام مثل هذا الموقف مع السيِّد، ولست أدري كيف تجرأت وفرضت
عليه رغبتي، صحيح أنَّه يمثِّل لنا الأب الروحي ونحادثه بكلّ أدبٍ واحترام
وإجلال، إلاّ أنَّني في ذلك اليوم، وكأنَّني أرسلت لأفرض عليه أن يبقى في
المسجد ووسط إلحاحي وإصراري عاد السيِّد وجلس ليستمع إلى سؤالي، ولا أدري يومها
ماذا قلت له، وكلّ ما أذكره أنَّني طلبت منه توخي الحذر، وتعزيز الحراسة حوله
لأنَّه يعيش في دائرة الخطر.
وعندما رويت له ما رأيت في الحلم اكتفى بالقول: اتكالنا
على الله وآجركم الله، والمكتوب ليس منه فرار. كلّنا تحت رحمة الله.
وقالت بعد أن سكتت قليلاً عن الكلام وكأنَّها أرادت
استعادة الصورة في ذاكرتها لذلك اليوم المشؤوم: وفجأةً دوى صوت انفجار رهيب
وكأنَّه زلزال مدمّر وساد جوٌّ من الرعب والخوف كامل المنطقة، صراخ وأصوات
أبواق سيارات، وسيارات إسعاف تشق طريقها بصعوبة، للوصول إلى المكان وبدأت
عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض.
القدرة الإلهية حمت السيد:
*كيف كان شعورك في تلك اللحظة خصوصاً أنك سبب نجاة السيد من
الاغتيال؟
ـ أقول صادقة: لـم أشعر بأنَّني أنا من منعت السيِّد من
الخروج من المسجد، وكأنَّ قدرةً إلهية أوقفته وعندما خرجت إلى الشارع رأيت
عشرات الأشخاص يتهامسون، وبعضهم يصرخ بقوّة: قتل السيِّد، اغتيل السيِّد،
استشهد السيِّد فصحت في وجوههم: لا.. ليس صحيحا على الإطلاق.. السيِّد لـم
يمت.. إنَّه لا يزال في المسجد.. استغربوا من سماع كلامي، وبعضهم قال: ربَّما
الصدمة جعلتها تقول ذلك.
يمكن القول إنَّ ما رأيته في الحلم في تلك الليلة تجسّد
لي واقعاً في اليوم التالي مع فارق بل معادلة غير محسوبة لدى الأعداء الذين
دبروا محاولة الاغتيال، وهي أنَّ السيِّد لـم يكن من بين الشهداء في ذلك اليوم
المشؤوم، إنَّها القدرة الإلهية، ولا أستطيع أن أمنن نفسي أو أنسب إلى ذاتي فضل
نجاته، لأنَّ نجاته كانت بفضل من اللّه ولا فضل لي في ذلك، صحيح أنَّني كنت
ربَّما السبب ولكن بغير إرادتي بل أراد اللّه سبحانه وتعالى أن تحدث هذه
المعجزة.
وفي طريق عودتي إلى منـزلي قيل لي: هل سمعت ما ذُكر في
وسائل الإعلام من أنَّ السيِّد استشهد؟ فبادرتهم بالقول لا.. مستحيل لأنَّني
كنتُ معه في المسجد لحظة وقوع الانفجار، وهو سليم معافى، ولـم يمسّ بأي أذى.
الله استجاب لدعائي:
*وهل زرت السيِّد بعد الحادث وكيف كانت المواجهة؟
ـ طبعاً زرته في اليوم التالي للمجزرة وهنأته بالسلامة،
فبارك إيماني وشكر الله سبحانه وتعالى على أنَّه جعلني حماية له، وأعتقد أنَّ
اللّه سبحانه وتعالى استجاب لدعائي، وحمى السيِّد من كلّ مكروه، ليبقى لنا
سنداً دائماً يرفع عنّا الظلم، ويوجهنا ويقودنا إلى الصراط المستقيم.
*لماذا ذهبت إلى المسجد في ذلك اليوم مادمت تشعرين بالخطر؟
ـ إنَّه السرّ الذي لا أفهمه، فقد استخرت اللّه للذهاب،
وكانت الاستخارة جيِّدة بل ملحة، وكنت في حينه أشعر بضيق كبير ولا أدري لماذا
قلت في قرارة نفسي ربَّما وجودي في المسجد يبدد عني بعض القلق على المصير، وكان
لا بُدَّ لي أن أطلع السيِّد على ذلك الحلم المزعج، صحيح أنَّ الأمر برمته كان
لا يخصني شخصياً إنَّما هو ينسحب على الوضع العام الذي كنّا نعيشه، وهو القلق
والخوف، فما كان يمرّ يوم إلاّ ويقع فيه انفجار أو نتعرّض للقصف المدفعي وكان
الأمن هم كلّ النّاس.
ولا بُدَّ من إشارة هنا إلى أنَّني استخرت الله أن
أقابله وأسأله، ولا أدري حقيقة ماذا كان السؤال، وكانت الاستخارة جيِّدة بل
ملحة، وذهبت إلى المسجد وكأنَّ إرادةً ما كانت تشدّني إلى هناك، وربَّما كنت من
النسوة الأوائل اللواتي وصلن إلى المسجد للصلاة، إنَّها إرادة اللّه، أزالت
تردّدي عن رغبة الذهاب وحملتني إلى هناك وشكل حضوري سبباً غير مباشر وغير إرادي
لنجاة السيِّد.
(مجلة الأهرام العربي)