|
| الاجتهاد السياسي والعناوين الثّانوية |
العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله
يملك الاجتهاد الإسلامي الكثير من المرونة الفكرية والحركية، التي يمكن لها أن تحرّك إيجابيات الساحة في دائرة الطروحات العمليّة، الّتي لا تترك أيّ شلل في التحرّك، وأيّ فراغ في الواقع، مما يؤدّي إلى أن تجتذب الحركة السلبيّة حركة إيجابيّة مقارنة لها، لحساب الهدف الكبير، فلا يكون الإسلاميّون في الموقع الذي يتحرّكون فيه لخدمة الآخرين، بل يعملون على إثارة الحركة لحساب الإسلام، لأنّهم يملكون الأسس الّتي تثير أمامهم الحلول العمليّة للمشاكل الطّارئة، في نطاق القواعد الإسلاميّة العامّة، وفي دائرة العناوين الثانوية التي تمنح الموضوعات العمليّة بُعداً شرعياً جديداً، وفي دائرة التّزاحم بين المصالح والمفاسد الواقعيّة، الّتي قد تجمّد حكماً إسلاميّاً معيّناً لمصلحة حكم إسلاميّ آخر، في حساب الأهميّة في الملاك. وهكذا ينطلق الاجتهاد الشّرعيّ في دراسة الواقع المتحرّك، ليلتقط منه المفردات الشّرعيّة الّتي يتحرّك فيها الاجتهاد السياسي، في نطاق التّخطيط للحركة الإسلاميّة في ساحة الواقع...
ولن نطلق المسألة في دائرة النظريّة الّتي قد تدخلنا في متاهات الفرضيّات والاحتمالات، بل إنّنا نستطيع الإشارة إلى التجربة الإسلاميّة الرّائدة في حركة الثورة الإسلاميّة في إيران، التي انتصرت في إدارة المسألة الإسلاميّة الثّورية في خطّ المعارضة للحكم اللاإسلامي، كما انتصرت في تأسيس الحكومة الإسلاميّة، على أساس الخطوط الشرعيّة المرحليّة في التّخطيط للحركة، وفي اللّقاء بالآخرين، وفي تحريك المواقع المختلفة في السّاحة، وقد تمكّنت من إغناء الساحة الإسلاميّة في مفردات العمل السياسيّ، في نطاقها السّلبيّ والإيجابيّ، ما ترك للحركة الإسلاميّة في المواقع الأخرى، أو في مستقبلها العمليّ، الكثير من التّجارب والمواقف والمواقع الّتي نستطيع الإفادة منها في الحركة السياسيّة...
وقد كان البعض ممن يتّهمون العمل الإسلامي بالسلبيّة، يواجهون تلك الثورة بالتهمة نفسها، لأنهم لم يتعوّدوا السلبية الحاسمة التي تنتظر إيجابيّات كبيرة بالمستوى نفسه، بل كانوا معتادين على الأسلوب الخائف الّذي ينتظر النّتيجة بشكلٍ سريع، بحيث لو تأخّرت قليلاً، خافوا على الموقف من الانهيار...
إنّ كثيراً من الأوضاع السياسيّة في العالم، على صعيد الأوضاع والأشخاص والمواقع، قد يحتاج إلى الكثير من المواقف السلبيّة التي تهزمها نفسيّاً، لتؤكّد الأسلوب الجديد البعيد عن الأساليب المألوفة الخاضعة للطّريقة الغربيّة في العمل السياسي، ولتؤكّد الطريقة الإسلاميّة في الواقع الإسلاميّ السياسيّ...
المصدر: كتاب الحركة الإسلامية ـ هموم وقضايا.
|