|
قضايا
فكرية
>
السياسة المستوردة
بمناسبة
الإفطار السنوي لجمعية المبرات الخيرية
فضل
الله: تعودنا السياسة المطبوخة حتى رأينا
شعباً يصفق وينافق
|
أقامت
جمعيّة المبرّات الخيريّة حفلَ إفطارها
السنوي في ثانويّة الكوثر – طريق
المطار، وبحضور حشدٍ دينيٍّ وسياسيٍّ
وإجتماعيٍّ واقتصاديٍّ وثقافيّ،
يتقدَّمهم سماحة المرجع الديني السيّد
محمد حسين فضل الله وحشد من الشخصيَّات:
أمين عام حزب الله سماحة السيّد حسن نصر
الله، الرئيس الدكتور سليم الحص، الرئيس
رشيد الصُّلح، الرئيس حسين الحسيني،
الوزير أسعد دياب ممثّلاً رئيس
الجمهوريّة، النائب حسن الخليل ممثّلاً
الرئيس برّي، الوزير قانصو ممثّلاً
الرئيس الحريري.
|
 |
والنواب
السّادة: محمد رعد، أنور الخليل، مروان
فارس، علي بزّي، عمّار الموسوي، ياسين
جابر، نزيه منصور، محمد فنيش، جورج نجم،
غطّاس خوري، والسفير السعودي محمد صادق
مفتي، والسفير الإيراني مسعود إدريسي،
ممثّل مؤسسات نائب رئيس مجلس الوزارة
عصام فارس، بول سالم، وممثلون عن السفارة
الإسبانيّة، السفارة الفرنسيّة،
والوزير بيار حلو، ونوّاب ووزراء
سابقون، وممثّلون عن النقابات الصحيّة
والاجتماعيّة والبلديات، ونقيب
الأطبّاء محمود شقير.
كلمة
جمعيّة المبرات
كلمة
جمعيّة المبرات الخيريّة ألقاها مدير
عام الجمعيّة الدكتور محمد باقر فضل الله
ومما جاء فيها:
جمعيّة
المبرات الخيريّة، ومن خلال عطاءات
الخيِّرين آتت أكُلَها بصروح منها خمس
مبّرات للأيتام تضمّ 3300 يتيم ويتيمة،
مؤسّسة للمعاقين الصُّم والمكفوفين
والإعاقة النطقية واللغويّة، تضمّ 350
معوّقاً، معهدين مهنيين، ومدرسة للتمريض
وداراً للمعلّمين، إضافة إلى 14 مدرسة
أكاديميّة تضمّ 15500 طالب وطالبة،
ومستشفيين ومركزين صحيين، ومراكز
رساليّة وثقافية متعدّدة.
وأشار
إلى ما حققته الجمعيّة بالتعاون مع
المجتمع الأهلي والمنظمات الأهلية
والدولة، مؤكداً أنّ ذلك لا يُمثِّلُ
حالةً من الرضى والشعور بالغبطة فقط، بل
يضاعِفُ عندنا العزيمة، لنجعل من مؤسسات
المبرات منارات حضاريّة على مستوى
الوطن، نموذجاً يُحتذى ومثلاً يُتَّبع
على مستوى الأُمّة.
فضل
الله
وفي
الختام ألقى سماحة المرجع الديني السيّد
محمد حسين فضل الله كلمةً ومما جاءَ فيها:
في
مواسم الروح، نحتاجُ إلى أن ننفتح على
الإنسان فكراُ يتروّح، وقلباً يحبُّ،
وحركةً تنتج الخير والعدل والحياة، في
مواسم الروح ننفتح على الله حيث لا حدود،
فتشعر بأن المطلق يندفع إليك لتقترب منه
فكراً يبدِعُ ويبدع حتىّ يصل إلى كُلّ
نهايات الحقيقة عمقاً وصفاءً،
وقلباً يهفو وينبض ويحبّ حتّى لا يعود في
الحياة شيءٌ اسمه الحقد..
فأنت
عندما تعيش الحبّ في معنى المطلق وتقترب
منه، فأنت تحب الإنسان كله وتبغِضُ عمله
وظلمه وجريمته، لأن الإنسان عندما
يتأنسن ويعيش معنى الروح، فإنّهُ لا
يفهمُ معنى الحقد الذي حاولنا في كُلّ
وحول الفكر والشعور والصراع أن نجعله
مقدّساً ولا أَدريَ كيف يكون مقدّساً!
الحقد
يتجمّد ويجمّد، والحب هو الذي ينتج عقلك
عندما يندفع بالعقل إلى حُبّ الحقيقة
وينطلق العقل هنا وهناك ؟؟ فالعيش لأجل
حقيقة صغيرة أو كبيرة يساعدك على أن
تنفتح على الضوء.
في
مواسم الروح ننطلق لنحب الله، لا حُبّاً
يجعلك تعيشُ في زوايةٍ تجعلُ مسألة حُبّك
لله شيئاً ذاتياً، بحيث تحاول أن تُعلِّب
الله في خصوصياتك عندما تعيش الحبّ في
خصوصياتك.. عليك حب الخلق مهما تنوّعوا،
فأحبُّ الخلقِ إلى الله أنفعهم لعياله...
أن تحب الله أن تنفتح على الإنسان
لتستثير الحبّ في ذاتك.
في
المقابل، حاولنا في كلّ الحقد الطائفي
والمذهب والعشائري وحتى الإقليمي أن
نجعلّ الله سبحانه وتعالى منطلق نزاع
وخلاف بدل أن يكون منطلق رحمة، وأن نجعل
في كلّ موقعٍ إلهاً ونشيرُ إلى الموقعِ
الآخر أنّهُ بعيدٌ عن الله.. فإذا كنّا
نختلف في التفاصيل، ففيها يأخذ العقل
حُرّيته ليبحث عن الحقيقة هنا وهناك..
فالكلمة السّواء هي القاعدة، والإيمان
بالله هو الذي يجمع لا يفرِّق..
في
مواسم الروح نلتقي بمعنى الوحدة في
إنسانيتنا ومعنى التنوّع في هذه الوحدة،
أن نتنوّع لنغتني ولا نفكِّرُ في وحدة
جامدة تجمّدُ الحياة بجمودها، ولكنها
حين تتنوّع تعطي الحياة والفكر رحابةً..
إننا من خلال ذلك نطِلُّ على الاعتراف
والقبول بالآخر، لا أن تقبل فكره مختلفاً
معه، ولكن تقبل حُريته كحريتك..
لقد
خلق الله لنا عقولاً حرّة لتنطلق في
الآفاق، والكون والحياة.. إن اعترافك
بالآخر يفتح للحقيقة بعداً واسعاً، لأن
الآخر يعطيك وجهة نظرٍ معك قد تطل على
جانب من الحقيقة هنا أو هناك، لنصل إلى
الحقيقة من خلال التمازج...
لقت
اغتنت الحضارات بالتنوّع الثقافي وكذلك
الأديان، وعندما زحف التعصّب إلى داخل
العلم والدين. جمد العلم والدِّين، ولم
يعد يسمح بانفتاح الإنسان على الآراء
والأفكار ليغتني بها.
إننا
ننطلق إلى الواقع في كُلّ هذا الشرق، في
هذا العالم العربي والإسلامي، لنرى أن
مشكلتنا هي عدم الاعتراف بالآخر، ولذلك
نتقاتل لخلافنا فكراً ومذهباً وديناً
وحزباً وسياسةً... وكُلّها عصبيات
يختلِفُ باسمها الإنسان، إن المتعصبين
لا يتنفسون معنى الحرية في الإنسان
والحرية في الفكر، وهم لا يتنفسون حرية
العقل في دائرة الحياة..
لقد
عشنا في هذا الشرق عصبياتنا وخُيّل
للجميع أن العصبية هي الحقيقة، فالمتعصب
يحبس نفسه داخل فكرة تعصّب لها، حتّى لا
يسمح لنقطة ضوء أن تنطلق إلى عقله وقلبه...
كُنّا نتعصّب للطائفة والمذهب فأصبحنا
نتعصّب للشخص، وعادت الوثنيّة تطل بثوب
الشخص الذي نعطيه نقاط قوّة لا يملكها،
حتى صار الانتفاخ الشخصي يتحرك في كل
مواقفنا الدينية والسياسية
والاجتماعية، فأصبحنا نعبد الأصنام التي
أرجعتنا إلى كُلّ وحول التأريخ فعشنا في
الوحول وخُيّل إلينا أنّّهُ الينبوع
الصّافي.
إن
المرحلة التي نعيشها ليست مجرد مرحلة
تفرض نفسها أمنياً وسياسياً، وإنما تفرض
نفسها علينا ثقافياً... إننا لم نحاول
تأصيل فكرنا، وسياستنا واقتصادنا
وأمننا، ولم نعمّق كلّ مفرداتنا بل
أصبحنا نستجدي كُلّ خطوط السياسة من هنا،
وخطوط الاقتصاد وحركة الأمن من هناك، حتى
أنهم فرضوا علينا أن نبحث مفرداتنا
بالطريقة التي يبحثونها، «فالإرهاب»
كلمة عربية، ولكنّنالم نبحثها قبلهم.
إن
في العالم مواقع ثقافية متعددة، والعالم
لا يختصر في بيت أبيض هنا أو مركز قرار
هناك. لماذا لم نُسمع المواقع الثقافية
ما هو الإرهاب قبل أن يفرضوا مفهومهم
علينا، لنتحرك من باب ردّ الفعل.. ونحنُ
الآن حائرون في مصطلحات كثيرة: العولمة،
التنميّة، حقوق الإنسان، الإرهاب.. ونحنُ
حين نفكّرُ في الضجيج فإن الضجيج
يُصادِرُ كلّ فكرك..
في
مواسم الروح يحترم الإنسان الإنسان،
وينطلق الإنسان الحامل للفكر لينفتح على
الحياة في كُلّ مواقعها..
لقد
أصبحنا نخافُ من النقد أمام الحقيقة
وأصبح النقدُ عداوة، ممنوع أن تنقد وأن
تحلل خطأ اجتماعياً وسياسياً، وممنوع أن
تبدع فكراً جديداً، وكثيرون ينطلقون
ليكفِّروا فكرة هنا ويضلِّلوا فكرة
هناك، فالقمع ليس قمع السلاح ولكن قمع
الموقف والواقع، حتّى أن القمع يمنع
المفكر والمبدع من العطاء.. نحنُ الذين
نعتبر أنفسنا في مواقع القيادة ديناً
وسياسة واجتماعاً نخاف من الناس أن
يفكروا ونمنعهم من التفكير، فنقدِّم لهم
الفكرة نقية صافية، وتحوّلنا بالفكرة
إلى السياسة المطبوخة وتعوّدنا على
الاجتماع والفكر المطبوخ والسياسة
المطبوخة.. فعملنا ونعمل على أن يكون هناك
شعبٌ يصفقُ ويهتف، وينافق، حتّى علّمنا
الشعب النفاق، فإذا لم ينافق سيفقد موقعه
ووظيفته ومكانه.. فلماذا نخافُ من كل حركة
سياسية سواء انتخابية وغيرها!؟ لماذا
يهتزُ البلد ويشعر كلّ الناس بأن هناك
خطر على البلد، لأن الذين يديرون المعركة
– والحديث عن ظاهرة لا شمولية –
يديرونها من خلال استشارة غرائز الناس لا
عقولهم..
فإنك
تلتقي في كلّ الهتافات والاعتصامات
والتصريحات واللقاءات بالطائفية وهي
تلبس لباساً وطنياً، وبالكلمات الحادة
وهي تلبس لباس الحوار.. دلُّوني على معركة
انتخابية واحدة في لبنان، وأقول لبنان
لأنه لا ديمقراطية في العالم العربي بل
شكل ديكور للإنتخاب، دلوني على معركة
واحدة لم تنطلق من الغرائز، وانطلقت من
البرامج التثقيفية، أبداً، إن كل
معاركنا تنطلق من السباب والشتائم
والخيانة، حيث يُثقف الناس بثقافة الوحل
السياسي..
إن
المطلوب من الجهات الدينية والسياسية
والاجتماعية، أن تكون لهم ثقافة ما
ينتمون إليه، لأن مشكلتنا أننا نجد
موقعاً دينياً لا يفهمُ الدين، وموقعاً
سياسياً لا يفهم السياسة، وموقعاً
اجتماعياً لا يفهم ثقافة الاجتماع..
إن
العالم الذي يتحدانا الآن سواء في الهجمة
الأمريكية أو الإسرائيلية، إنه يخطط
ويفكر وينطلق يبحث عن نقاط الضعف فينا،
حيث تدرس جامعات الأعداء خلافاتنا
الطائفية والمذهبية والعشائرية.. فلا
يقبلون دراساتنا العلمية ولكنهم يقبلون
الخلافات ومظاهرها.. إن المرحلة خطرة
جداً فالتطورات في الغرب والكيان
الصهيوني تنذر بخطر كبير، فعلينا أن لا
نعتبر البندقية السلاح الوحيد، بل العقل.
لنستعد عقلنا لنتدرّب على التخطيط
والفكر والمواجهة للآخرين وإلا سنظل
نستهلك ما ينتجه الآخرون.. إن الأمة التي
تعيش ردّ الفعل ستعيش تحت سيطرة ذهنية
الآخرين.. فمتى نفعل في الثقافة والدين
والسياسة والاجتماع.. وأنّ لقاءنا يعطي
قوة، لأن الأمة هي أنا وأنت والآخرون..
ليست
المسألة هزلاً إنّها الجدّ، لقد ثقفنا
لبنان الذي أردناه نموذجاً حضاريّاً في
العالم تتداخل فيه الثقافات والسياسات
وأردناه منطلقاً للأعالي كجباله،
ثقفناهُ بالحقد وجعلناه يتحرك في أسواق
البغايا، لماذا يحملُ كل منكم طائفته ولا
يحمل دينه، ويحمل حزبه وليس وطنه؟
وهتافاته وليس أمته..
أيها
الأحبة لا تزال في العمر البقيّة فتعالوا
لنجعل لبنان جميلاً روحاً وعقلاً،
وفكراً وحضارة وأصالة وإنسانية، تعالوا
للبنان عقلاً ينفتح على العقل وقلباً
ينفتح على القلب، تعالوا لنعطي النموذج
والمثال والقدوة، حتّى لا نبقى نلقى
وندور مكاننا.
|