|
قضايا
فكرية>
صراع بين المستكبرين والمستضعفين لا تنافر قاعدي حضاري
صراع بين
المستكبرين والمستضعفين لا تنافر
قاعدي حضاري
العلاّمة
المرجع السيّد محمد حسين فضل الله
لا بدّ لنا، كمدخل للكلام على
علاقة إسلام - غرب إن كانت صراعية أم لا،
من تحديد المفردات؛ مفردات الغرب،
الإسلام والصراع.
إيضاح
المفاهيم:
ما المقصود من كلمة «غرب»؟ هل
المقصود الغرب السياسي الذي يتحرك على
حساب الشعوب لتأكيد موقعه السياسي
والاقتصادي والأمني، ويبحث لنفسه عن
ساحات استراتيجية يملك فيها صنع قوته
وتنظيم حركة تطوره ورفاهه، أم أن
المقصود هو الإنسان الغربي؛ المثقف
والعامل والتاجر والإنسان العادي؟
وهل أن الغرب يمثّل منظومة
واحدة في عالم القيم أو في القاعدة
الفكرية أم أن الغرب، كأي موقع من مواقع
الشعوب، يتنوّع في اتجاهاته الفكرية
والقيمية.
ثم ما المراد من كلمة «الإسلام»؟
ولا أريد هنا أن أذهب مع الذين يتحدثون
عن وجود إسلامات متعددة. بل السؤال عن
المراد من الإسلام، هو السؤال عن تجربة
الاجتهادات المعرفية في فهم الإسلام؛
الفكرة والقيمة والحركة والشريعة وإلى
ما ذلك.
هل الإسلام هو القاعدة
الفقهية والروحية والحركية التي تبتعد
عن العقل وتقترب من الخرافة؟ هل الإسلام
هو الذي يعتبر العلم هامشاً ويرى في
المألوف التقليدي أصلاً؟ وهل المراد من
الإسلام هو ما توصل إليه الأقدمون من
العلماء والمفكرين أم أن الإسلام
منظومة متحركة يمكن أن يفهمها
المتأخرون بطريقة مختلفة عن ما فهمها
المتقدّمون؟
على ضوء ما
تقدم، نقارب كلمة «الصراع»،
ونسأل: هل هذا الصراع المفروض في
الأدبيات السياسية والفكرية، هل هو
صراع سياسي بين الإدارات الغربية
الرسمية وبين الشعوب أم أنه صراع بين
الإنسان الغربي في كل أبعاد إنسانيته
وتنوعاتها وبين الإنسان المسلم في ذلك
كله؟
أمام هذه
التساؤلات، ربما
نستطيع القول إن الواقع الذي نعيشه لم
تطرح فيه مسألة الغرب والإسلام من موقع
الصراع على القاعدة الفكرية الحضارية
إلا من دوائر خاصة جداً، والأصوات التي
ترتفع في الغرب اليوم أمام مشكلة الهجرة
أو تواجد المسلمين في بلاد الغرب، ربما
يكون مردّها إلى أن هؤلاء المهاجرين لا
ينسجمون مع نمط الحياة الغربية، وربما
يربكونها من خلال التأكيد على بعض
التقاليد التي قد تكون شرعية أو لا تكون، مستفيدين من بعض امتدادات خطوط
الحرية، أو أنها تعود إلى مضاعفات
سياسية جاءت نتيجة بعض الأحداث الأمنية، ما طرح مسألتي العنف والإرهاب
كعنوانين للذهنية الإسلامية في مواجهة
الآخر، ولذا صُنِّفت الأصولية
الإسلامية كإتجاه يرتكز على إلغاء
الآخر واعتبار العنف هو الوسيلة
الوحيدة للتغيير وبدأ الجدال يتحرك في
هذا الإتجاه.
لم يُلاحظ حتى
الآن، أن هناك صراعاً حاداً، على مستوى ما يسمى الغرب
والإسلام، فيما يتعلق بالقاعدة
الحضارية للغرب والقاعدة الحضارية
للإسلام، بين قاعدة مادية لحركة
الحضارة الغربية أو قاعدة مادية - روحية
للحضارة الإسلامية.
وقد يشير بعض المثقفين هنا
وهناك إلى الفوارق الحضارية، باعتبار
أن الحضارة الغربية هي حضارة خالية من
الروح بينما الحضارة الإسلامية حضارة
ممتلئة بالروح مع حفظها للمادة مكانة
بقدر اقترابها من الروح.
إلاّ أنني أرى أن للحضارة
الغربية بُعداً روحياً باعتبار أن
للمسيحية دوراً في بعض ملامح القاعدة
الحضارية للغرب. فعلى الرغم من أن الغرب
قد أقصى المسيحية عن حركته القانونية
والعلمية والسياسية، ولكن بقيت هناك
رواسب ثقافية للروحية المسيحية في
العمق الغربي الذي يحكم تطلعاته، ولعل
هذا ما نلاحظه في الحالات الروحية، التي
تنشط بين وقت وآخر لدى الإنسان الغربي،
والتي تتمظهر في الإستقطابات الحاشدة
التي تشهدها زيارات البابا لبعض الدول،
الأمر الذي يدل على حضور الجانب الروحي،
بقطع النظر عن حجمه أو طبيعة تكوينه
وحضوره في النفس. ولعلنا نلاحظ أيضاً في
هذا الجانب أننا نعاني من مشكلة
الصهيونية - المسيحية في الموقع
البروتستانتي في أمريكا، والذي يبلغ
تعداد أتباعه عشرات الملايين، في
تأكيده على دعم إسرائيل بدافع ديني،
لاعتقادهم أن اجتماع اليهود في فلسطين
هو مقدمة لظهور السيد المسيح (ع). وبناء
على ما سلف يمكننا القول، إن زعم
استقطاب الجانب المادي وتفرّده في
تشكيل القاعدة الحضارية الغربية ليس
دقيقاً.
وفي المقابل، ليست الحضارة
الإسلامية حضارة روحية بالمعنى الذي
يجعلها بعيدة عن الواقع والشؤون
المادية والدنيوية. بل الإسلام دينٌ
بالمعنى الغيبي في الجانب العقيدي
وفيما يتصل بالماروائيات والوحي
والنبوات ولكنه دين مدني في كل مجالاته
التشريعية. ولعلنا نلاحظ هذا النمط من
التزاوج بين ما هو مدني وروحي أو غيبي.
اللقاء
والخلاف بين الحضارتين:
والمطروح
الآن، في هذا الجو
العاصف في حركة الصراع، ليست القاعدة
الفكرية لكل من الحضارة الغربية
والإسلامية، إنما المطروح هو أسلوب عيش
المسلم لحياته من خلال بعض الخطوط
الشرعية التي لا يألفها الغربي أو حركة
الغربي ونمط سلوكه اللذين لا يألفهما
المسلم. إذن، تتعلق ببعض مفردات حركة
المسلم في الواقع الغربي أو حركة الغربي
في الواقع الإسلامي.
هذا، ولا بد من الإشارة إلى أن
الغرب ليس واحداً، فالإتجاهات الفكرية
الغربية إتجاهات متعددة متنوعة لا يمكن
أن تحصى، باعتبار أنها تتطور بتطور
الثقافات التي تفرض نفسها على الأوساط
الثقافية الجامعية منها وغير الجامعية.
وهذا الأمر يتجسد في الأطروحات
والعناوين الفكرية مثل: نهاية التاريخ
وصراع الحضارات وغيرها. وهي عناوين
وأطروحات متفاوتة متباينة، الأمر الذي
يعني أن الغرب ليس كتلة واحدة يمكن
الإشارة إليها كمنظومة ثقافية محددة
الملامح والأصول في مقابل الإسلام.
كما أن الإسلام ليس
واحداً في
الفهم الاجتهادي، فهناك فهم متخلف وآخر
تقدمي وثالث يأخذ ببعض التقدم هنا وبعض
التخلف هناك ما يوحي أن ليس ثمة معادلة
يصنف وفقها كل من الإسلام والغرب
كبنيانين مستقلين، منفصلين ومتناقضين،
وبالتالي نحن لا نتمثل المقولة الشهيرة، الشرق شرق والغرب غرب ولن
يلتقيا أبداً.
أضف إلى ذلك، ملاحظة واقعية
حيوية، وهي أن التطورات الإنسانية التي
دفعت كثيراً من المسلمين إلى الغرب
ودفعت كثيراً من الغربيين إلى الواقع
الإسلامي، ضيّقت الهوة بين الإسلام
والغرب، وحثَّت المثقفين والمجتهدين
إلى التفكير بمعالجة المشكلات التي
يعيشها المسلم في الغرب بحيث لا يبتعد
عن الإسلام ويقترب من الحياة العامة
ويشارك فيها. وقد استطاعت الحركات
الاجتهادية الإسلامية أن تسهل للمسلمين
شؤون حياتهم في الغرب، فهناك فتاوى
إسلامية تشجع على مشاركة المسلمين في
الحياة السياسية الغربية سواء في
الأحزاب أو الانتخابات، على أساس أن ذلك
قد يكون السبيل لتقوية الوجود الإسلامي
ودعم القضايا الإسلامية في الغرب، حيث
سيلاحظ الغربي أن المسلمين الذين
يعيشون بين ظهرانيهم يشاركون في معالجة
القضايا السياسية والاقتصادية
والأمنية كما يعالجها أي غربي أصلي آخر.
هذا في حين كانت الإتجاهات الفقهية
السائدة، قبل حركات الإجتهاد هذه، تفتي
بعدم المشاركة في العمليات الإنتخابية
مثلاً لأنها عمليات تشريعية.
نخلص ممّا تقدم إلى أنه ليس
ثمة صراعاً بين الغرب الإنسان وبين
الإسلام الإنسان بالمعنى الحاد، بل
هناك مواقع للقاء ومواقع للخلاف، تماماً كما تختلف تقاليد بلد إسلامي عن
تقاليد بلد إسلامي آخر أو كما تختلف
تقاليد بلدٍ غربي عن تقاليد بلدٍ غربي
آخر.
أما مسألة الصراعات والنزاعات
التي نشهدها أحياناً بين الإسلام
والغرب، والتي تتخذ أشكالاً مختلفة
ومتفاوتة حدّة وضعفاً - مع أنها ليس
الصيغة الوحيدة التي تحكم العلاقة بين
الطرفين، إذ أحياناً تتسم العلاقة
بينهما بالتعاون والتوافق - فنرى أنها
تتحرك في المسألة السياسية من خلال
الذهنية الغربية التي تحاول الإيحاء
بأنها تمثل قيادة العالم وأن على العالم
أن يحافظ على رخاء الغرب وأن يقدم
التنازلات لمصلحة قضاياه الاقتصادية
والأمنية والسياسية والاستراتيجية.
المسألة مسألة صراع بين
المستكبرين والمستضعفين بحسب التعبير
القرآني، في وصف الصراع الإنساني
وسيطرة مواقع القوة على مواقع الضعف.
وإذا كانت هذه المواقع السياسية
الغربية قد استطاعت أن تؤثر تأثيراً
سلبياً على نظرة شعوب الغرب إلى الإسلام
والمسلمين، إلا أن هناك، وفي الغرب نفسه، من يقف مع الشعوب الإسلامية
ويناصر قضاياها في التحرر والإكتفاء
الذاتي والاستقلال. ثم أن هناك افتراق
بين الدوائر الأميركية والأوروبية في
النظر إلى عالمنا ولو كان ذلك من جهة
اختلاف المصالح.
أمريكا
دولة براغماتية بامتياز:
بتعبير أوضح، إن الصراع بين
الغرب السياسي المستكبر والمسيطر وبين
العالم الإسلامي أو العالم الثالث
تماماً كما هو الصراع بين الولايات
المتحدة وأميركا اللاتينية أو هو
كالصراع بين أميركا والاتحاد الأوروبي
أو بينها وبين الاتحاد السوفياتي في
الحرب الباردة، إنه صراع المصالح وليس
صراعاً ينطلق من حالة فكرية، ولذلك نرى
أن الغرب الذي دخل مع الاتحاد السوفياتي
في حرب باردة لم تكن اهتماماته في
المسألة الإيديولوجية بقدر ما كانت في
الشؤون السياسية والمصالح الاقتصادية
والتزاحم على مواقع النفوذ في العالم
والسيطرة عليها، ولذلك نجد أن الغرب لا
يعيش مشكلة نجاح بعض الأحزاب الشيوعية
في أوروبا طالما أنها لا تتحرك سلبياً
ضد سياسة هذا القطب أو ذاك.
ناهيك عن وقوف أمريكا
وتحالفها الجبهوي مع أعتى
الديكتاتوريات في العالم متناسية، بل
متغافلة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان
المستباحة فيها. وتالياً فهي لا تهتم
كثيراً بالإيديولوجيات التي تحكم هذا
النظام أو ذاك، وكل ما يهمها هو مصالحها
التي يؤمنها هذا النظام أو ذاك. وعندما
نراقب العناوين التي يطلقها الغرب، وفي
مقدمته أمريكا، في تبرير وتسويغ حركة
الصراع ضد العالم الثالث بشكل عام وفي
مقدمته العالم الإسلامي، نلحظ أن
العناوين الأبرز هي عنوان الديمقراطية
وعنوان حقوق الإنسان، وفي الجانب
السلبي عنوان الإرهاب. فإذا دققنا في
حركية هذه العناوين في المجالين
الإعلامي والسياسي نلاحظ أنها تعالج
الواقع الذي يتنكر لحقوق الإنسان ولا
يحترم إرادة الشعوب فيما تمثله
الديمقراطية، كما في حال الديكتاتوريات
الحليفة لها - والديكتاتورية لا تمت
بصلة إلى الإسلام - فتضع في واجهتها
عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان
ومحاربة الإرهاب وتزينها بهذا الأسلوب
أو ذاك.
ثم إن أمريكا عندما تتحرك
بعناوينها فإنها تعنف إلى حدِّ الحرب في
المواقع التي لا تتناسب ومصالحها أو
تؤمنها، وفي مواجهة الأنظمة
الديكتاتورية أو التي تعتبرها
ديكتاتورية وتتعارض مع مصالحها
السياسية والاقتصادية والأمنية، كما في
حربها على يوغوسلافيا، لأنها حاولت أن
تنهج نهجاً مستقلاً عن السياسة الغربية
وأن تتدخل في منطقة البلقان بحيث تكون
الدولة القائدة فيها لتفرض سياستها
التي قد تصطدم مع الخطوط السياسية
الغربية. وكما في حربها، ومعها الحلف
الأطلسي، على أفغانستان، باعتبار أن
أفغانستان - الطالبان قد آوت القاعدة،
وهي منظمة إرهابية مارست عملية إرهابية
في الولايات المتحدة الأميركية، فكانت
الضربة القاصمة، واستعملت لأجل ذلك
أقسى الوسائل ضد الفقراء المدنيين
العزل من الأفغان، قاضية على الآلاف
منهم بذريعة تحديث أفغانستان وتحريكها
في خط الديمقراطية واحترام حقوق
الإنسان.
ولعل خير
شاهدِ على علاقات
الولايات المتحدة القائمة على المصالح
هو علاقتها بالنظام العراقي، فقد كان
النظام العراقي حليفاً لها إبّان الحرب
العراقية - الإيرانية، أما اليوم
فهاجسها الأكبر إنهاء النظام العراقي
وتعمل على تحفيز العالم ضد العراق تحت
عنوان «أسلحة الدمار الشامل»، هذا
العنوان الجديد الذي بدأت الولايات
المتحدة في استخدامه واستهلاكه في
الحرب على الأنظمة التي قد تختلف مع
سياساتها، باعتبار أن هذه الأسلحة سوف
تشكل خطراً عليها.
وإذا انتقلنا إلى مشكلة
العلاقة بين إيران والولايات المتحدة،
فمن المؤكد أنها ليست مشكلة تتصل
بالإيديولوجية الدينية التي تتبناها
إيران، إنما هي مشكلة نجمت عن ارتكاز
إيران إلى مبدأ أن لا تسمح لأي دولة كبرى
في السيطرة على المواقع الحيوية
الإيرانية، وقد عملت إيران، في أصعب
ظروف سياسية واقتصادية، من أجل أن تبني
نفسها اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً
لتؤكد لأمريكا أنها قادرة على أن تثبت
نفسها بعيداً عن العلاقة معها. وأمريكا
التي تعمل بكل رغبة وشوق وقوة لإعادة
العلاقات مع إيران، لما تمثله إيران من
موقع استراتيجي في المنطقة المحيطة بها
وما تمثله كموقع متقدم من المواقع
الإسلامية على المستوى الشعبي، تذهب
إلى الضغط على إيران اقتصادياً
وإعلامياً وسياسياً في عملية حصار، لم
تستطع أن تجعله مطبقاً، لكي تقدم هذه
الأخيرة التنازلات لأمريكا، لأن أميركا
غير مستعدة أمام هذا الجبروت الذي توحي
به لنفسها أن تقدم التنازلات لأحد.
فالقضية إذن، ليست قضية حقوق الإنسان
وليست قضية الديمقراطية، لأن إيران
بحسب نظامها هي أكثر بلدان العالم
ديمقراطية، فقانونها الانتخابي قائم
على الاستفتاء الشعبي المباشر، سواء
انتخاب رئيس الجمهورية أو مجلس الشورى
أو الاستفتاء على الدستور، بل المسألة
هي أن أمريكا تفكر في مصالحها
المستقبلية في إيران ولكن على أساس
تحقيق موقع متقدم فيها، وهذه نقطة
الصراع وعملية عض الأصابع بينهما.
وعليه، فإن أمريكا ليست دولة
ديمقراطية، كما هي الديمقراطية في فكر
المنظّرين لها، بل هي دولة تنطلق حركتها
في خطوط مصالحها، ولذا، يقولون إنها
الدولة البراغماتية التي تتحرك خطوطها
الفكرية في امتدادات خطوطها الاقتصادية
ومصالحها السياسية والقيادية
الاستبدادية في العالم.
وإن كان الإسلام يتحفظ - كما
نرى - على الجانب الفلسفي للديمقراطية
الذي يعتبر أن الديمقراطية ورأي
الأكثرية هو الذي يعطي الشرعية، بمعنى
أن لا حق ثابت في نفسه، فالإسلام شرعي
إذا اختارته الأكثرية وغير شرعي إن لم
تختره الأكثرية، وهكذا بالنسبة لكل
الأصول الشرعية. بهذا المعنى لا نعتبر
أن الديمقراطية تعطي الشرعية لأن هناك
حقاً ثابتاً لا يمكن أن يلغيه الناس. وإن
كان الإسلام يتحفظ على هذا الجانب وفي
هذا المقام، فإنه مع إعطاء الفرصة
للحركة الإجتهادية، فعندما يختار الناس
على أساس اجتهاد معين يختلف مع اجتهاد
الأقلية، فهذا أمر يملك الناس الخوض فيه.
أما في الدائرة السياسية وعلى مستوى
الواقع المتحرك في الجانب السياسي
الشعبي، فالإسلام لا يمانع في اللجوء
إلى الديمقراطية والاستفتاء الشعبي،
وإذا دار الأمر بين الديكتاتورية
والديمقراطية فنحن مع الديمقراطية،
باعتبارها نفياً للديكتاتورية. وقد
لاحظنا أن شخصية قيادية كبيرة كالسيد
الخميني رحمه الله، قد أخذ بأسلوب
الإستفتاء الشعبي حتى على مستوى
التصويت على الدستور.
الاستفادة
من «التقدم الغربي»:
وعليه فإن مواجهة مشكلة
العلاقة مع الغرب يمكن أن تتم من خلال
دائرتين:
الأولى: علينا
أن نعترف أننا بحاجة حيوية، تقرب من
الحاجة المصيرية، للأخذ بأسباب التقدم
العلمي المادي، لا سيما التكنولوجي،
الذي سبقنا الغرب إليه على مستوى
الأجيال، والإسلام قد أكّد على ضرورة
طلب العلم ولو في الصين، في الوقت الذي
لم يكن للصين أي امتداد اقتصادي أو
معرفي أو سياسي في العالم الإسلامي. كما
أننا نقرأ: الحكمة ضالة المؤمن، وخذوا
الحكمة ولو من أهل النفاق. والحكمة هي
عنوان الثقافة المتحركة التي تتصل
بمصير الإنسان وحياته. وعلى ضوء ذلك
فإننا نشعر بالحاجة إلى دخول الغرب من
الباب الواسع لنتعلم منه، تماماً كما
تعلم الغرب منّا في البداية، ولعل
المؤرخين يذكرون أن التجربة كمصدر من
مصادر المعرفة هي نظرية إسلامية أضافت
التجربة إلى التأمل.
أما بالنسبة لتعلم العلوم
الإنسانية والإستفادة منها، فإن العلوم
الإنسانية على أقسام، فمنها ما يتصل
بالجانب العقيدي والماورائيات والوحي
والرسالات والنبوات، فهذه جميعاً مما
لا بد أن ندخل في حوار فكري مع الغرب فيه.
والغرب المثقف ليس عدائياً اتجاه
الإسلام في المسألة الفكرية، إلا من
اتخذ لنفسه موقعاً إيديولوجياً أو
سياسياً، أما الذين يواجهون الإسلام
نتيجة الجهل بالإسلام أو الإشتباه
فيمكن محاورتهم لتصحيح الرؤية.
أما الأخذ بالجوانب الثقافية
الأدبية وتلك المتعلقة بحقول الاجتماع
وعلم النفس وعلم المناهج فيكمن الأخذ
والرد في هذا المجال.
إذن، نحن بحاجة إلى الغرب في
كل تطوره العلمي والتكنولوجي والثقافي
سواء على مستوى المنهج أو الأساليب.
الثانية: إن
الحريات الفكرية والسياسية
والاجتماعية في الغرب تمنحنا ساحة
واسعة لحركة الدعوة إلى الإسلام في
الغرب، لا سيما أولئك الذين لا يملكون
خلفية معقدة ضد الإسلام أو أولئك الذين
لا يملكون خلفية حضارية أو ثقافية، فإذا
أحسنّا تقديم إسلام حضاري فإن الإنسان
الغربي لن يكون بعيداً عن الإسلام.
إذن، بمقدورنا الإستفادة من
الحريات المتاحة في الغرب وإيجابياتها
للنفاذ إليه وإقناعه بالإسلام أو
لموازنة فهمه للإسلام بعيداً عن كل
الأوضاع السلبية والمتوترة، كتلك التي
حدثت في الحادي عشر من أيلول، والتي
أضرّت بالإسلام ضرراً بالغاً، لأنها
عطَّلت كثيراً من المبادرات التي كان
دعاة الإسلام يتحركون بها من أجل الدعوة
إلى الإسلام، وقد لا نستطيع استرجاع ذلك
المناخ المنفتح على الإسلام إلا بعد زمن
طويل.
بين
توازن المصالح وحالة الانفتاح:
أخيراً، لا بد من
التأكيد على نقطتين:
أولاً: إن
العالم، ولا سيما الغرب، إن كان ينطلق
في كل علاقاته ومشاريعه على أساس
المصالح، ولكن بحجم الجبروت الطاغي
الذي يفرض مصالحه على مصالح الشعوب
الأخرى بحيث يصادرها، فعلينا أن نتحرك
مع هذه الشعوب، خصوصاً تلك التي نملك
الحركة فيها وهي دوائر العالم الثالث،
على أساس أن الشعوب الأخرى غير
الإسلامية أو الإسلامية غير العربية
لها عندنا مصالح كما لنا عندها مصالح،
وأن لها تطلعات في قضاياها السياسية كما
لنا تطلعاتنا، لذا، لا بد لنا أن نرتب
علاقاتنا مع الشعوب الأخرى، لا سيما
الشعوب المستضعفة، على أساس من
الاحترام المتبادل لمصالح الآخرين،
خصوصاً وأن القضايا الاقتصادية
والأمنية والسياسة لهذه الشعوب هي
قضايا مشتركة، فقد نستطيع من خلال هذا
الترابط المصلحي بيننا وبين العوالم
الأخرى - والتي قد ندخل فيها بعض الخطوط
الثقافية، كالخط العربي في الواقع
العربي والخط الإسلامي في الواقع
الإسلامي والخط الاستضعافي في الواقع
المستضعف، بحيث يقوى هذا الترابط، الذي
يرتكز على قاعدة إنسانية مشتركة ننفتح
فيها على المستقبل من موقع واحد - قد
نستطيع إقامة جبهة عريضة لحفظ مصالح
المستضعفين في مواجهة المستكبرين توازن
بين مصالحنا ومصالحهم. فمصالح الغرب لا
تنحصر في موقع واحد؛ فالبترول الذي
يعتبر الشريان الحيوي للاقتصاد الغربي
موجود في مختلف بلدان العالم الثالث،
وكذا الأمر بالنسبة للمعادن والأسواق
الاستهلاكية والاستثمارات.
ثم إن للغرب عندنا
مصالح، يجب
أن نحترمها، وأن نؤكد له بأساليبنا وكل
أوضاعنا أن عليه احترام مصالحنا، وإذا
احترم مصالحنا فستكون مصالحه أكثر
ثباتاً مما هي عليه الآن والمفروضة
بالاستكبار والسيطرة العسكرية والقوة
والتي تعرضها دوماً للاهتزاز في كل
مناطق العالم الثالث.
ثانياً: عدم
الانعزال عن العالم، بمعنى أن لا نعيش
الذهنية الانعزالية عنه، فاختلافنا مع
الآخر، سواء في الدين أو المصالح أو نمط
الحياة، لا يعني العزلة، بل يجب التخطيط
للانفتاح على العالم من خلال فتح ثغرة
هنا وثغرة هناك لمصالحنا وخطوطنا
الفكرية والإسلامية وأوضاعنا الأمنية،
خصوصاً وأن العالم ليس سلبياً تجاه بعضه
البعض في هذا المجال.
والإنطلاق نحو
هذا الهدف يكون من نقطتين متصلتين
بالعقيدة الإسلامية:
-
نحن دعاة
للإسلام على مستوى العالم (وما أرسلناك
إلا رحمة للعالمين)، (وما أرسلناك إلا
كافة للناس بشيراً ونذيراً)، ولذلك
فالعالم كله ساحتنا للدعوة إلى الله.
وإذا كانت الحروب قد أغلقت في أيامنا
باباً، فيمكن النفاذ من الأبواب
المفتوحة للشعوب بعضها على بعض، والتي
وفرتها ثورة الاتصالات، والإعلام،
كالأبواب الاجتماعية والثقافية
والسياسية وغيرها.
-
لقد أراد
الإسلام منّا أن نكون أصدقاء للعالم
وذلك في قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة
ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا
الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)
وأراد لنا أن لا نعيش الإنغلاق الذاتي
من أجل أن لا نتحدث مع ملحد أو كافر أو
منحرف أو ضال، فمهمتنا إخراجهم من كفرهم
وإلحادهم وضلالهم وانحرافهم. لقد انطلق
الإسلام في روح الله (ص) كإنطلاقة الشمس
عندما تشرق على البر والفاجر، وكمثل
إنطلاقة الينبوع الذي يعطي الخصب
والرخاء حتى للأرض الجدباء.
المنطلق
الجديد عدد5 - صيف 2002 |