قضايا مختلفة> الكنيسة الكاثوليكية بين الممانعة والاختراق الصهيوني   

الكنيسة الكاثوليكية بين الممانعة والاختراق الصهيوني

استهداف يهودي للكنيسة الكاثوليكية

وبقيت الكنيسة الكاثوليكية على مواقفها القديمة، فأصدر البابا غريغوري الثالث عشر عام 1581م، حكماً بإدانة اليهود نص على "أن خطيئة الشعب الذي رفض المسيح وعذّبه تزداد جيلاً بعد جيل، وتحكم على كل فرد من أفراده بالعبودية الدائمة"، وسار على هذه السياسة الباباوات من بعده، ولذلك كان من الطبيعي أن يعمل اليهود على استهداف الكنيسة الكاثوليكية، والسعي إلى تقويض نفوذها في فرنسا، تمهيداً للانقضاض على الحصن الكاثوليكي في روما بالذات.

ويلاحظ "صابر طعيمة" في كتابه "التاريخ اليهودي العام"، "أنه قبل القرن العشرين بكثير، والنيل من القداسة الدينية للفاتيكان، كان من بين مخططات الأطماع، ومن بين الأهداف السيطرة اليهودية والوثنية اليهودية على معتقدات الدين المسيحي، وليس المقصود في الهدف اليهودي من تحطيم الفاتيكان، تجريح قداسة الدين المسيحي، وخدش جلال القائمين فيه على أمر دينهم فقط، وإنما هو تخطيط للنفاذ إلى وجود الفاتيكان نفسه، لخلق قيم مستحدثة، ولزعزعة الثقة في القيم التقليدية المتوازنة أولاً، حتى يمكن بهذا العمل زرع مبادئ التشكيك حول صحة قداسة الأناجيل المسيحية، والتي كانت تسجيلاً عقائدياً للمسيحيين".

ولذلك عمد اليهود في اتباع سياسة الخطوة خطوة في اختراق الكنيسة الكاثوليكية والوصول إلى رأس الهرم فيها، والمقصود بذلك البابا، بغية تحريكها وفق مخططاتهم، من خلال تدمير قيم المسيحية، والتحكم بالقرار المسيحي، في تأييد المشروع الصهيوني، وهذا ما عبرت عنه بروتوكولات حكماء صهيون عندما تحدثت عن لحظة سوف يقوم اليهود فيها بتدمير الفاتيكان، لأن الفاتيكان رفضت الدعوات البروتستانتية التي تقول بأن على كل مسيحي أن يهتم بإعادة اليهود إلى أرضهم في فلسطين، والتي هي أرض آبائهم وأجدادهم".

ولذلك كان لابد من حصول المواجهة بين الحركة الصهيونية والبابوية ممثلة بالبابا بيوس العاشر، الذي رفض الموافقة على المشروع اليهودي ـ الصهيوني، في جعل القدس مركزاً لدولة يهودية، وأكّد على البيان الذي كان أصدره الفاتيكان عند انعقاد مؤتمر بازل في سويسرا، وأوضح فيه أن "جعل القدس مركزاً لدولة يهودية يتعارض مع نبوءات المسيح نفسه". كما أنه أكد أثناء لقائه بهرتزل في اللقاء الذي حدث بينهما سنة 1904على مواقف الكنيسة الكاثوليكية من الحركة الصهيونية، وذلك بقوله: "لا أستطيع أبداً أن أتعاطف مع هذه الحركة ـ الصهيونية ـ فنحن لا نستطيع أن نمنع اليهود من التوجه إلى القدس، ولكن لا يمكننا أبداً أن نقره. إنني بصفتي قيِّماً على الكنيسة، لا أستطيع أن أجيبك في شكل آخر، لم يعترف اليهود بسيدنا، ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي، وتالياً، فإذا جئتم إلى فلسطين، وأقام شعبكم هناك، فإننا سنكون مستعدين كنائس ورهباناً لتعميدكم جميعاً".

في هذا اللقاء قال هرتزل: "إن النكبات والاضطهادات لم تكن في اعتقادي خير وسيلة لإقناع قومي بما يكرهون"، فرد البابا: "إن سيدنا يسوع المسيح، أتى إلى هذا العالم ولا قوة له ولا سلاح… وهو لم يضطهد أحداً، وإنما هو الذي تعرض للاضطهاد وتخلى عنه الناس"…

وإذا كان هذا المقطع من كلام البابا بيوس العاشر، يمثل رداً على ادعاءات هرتزل، فإن البابا قد أوضح في مقطع آخر من الحديث نفسه المعتقد المسيحي وموقف الكنيسة من اليهود، ما نصه: ".. أما أن يظل اليهود محتفظين بمعتقدهم ينتظرون مجيء المسيح، والمسيح عندنا قد جاء وتمت بعثته للبشر، في هذه الحالة نعتبر اليهود منكرين للاهوت يسوع المسيح، ولا مجال هنا لمساعدتهم لا في فلسطين ولا في غيرها، وهذا هو الوجه الأول، والآخر أن يذهبوا إلى فلسطين شعباً بلا دين بالإطلاق، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا في مجال أضيق، وغير مستعدين لمؤازرتهم".

تحوُّل في موقف الكنيسة

وبقي الفاتيكان مصمماً على مواقفه بالرغم من كل الضغوط التي كانت تمارس عليه من قبل الصهيونية بشقيها اليهودي والمسيحي. وبقي الأمر كذلك حتى الستينات من القرن الماضي، حيث حصل تحوّل في موقف الكنيسة الكاثوليكية عندما أصدرت وثيقة "نوسترا إيتاتي" التي برّأت اليهود من دم المسيح، فقد أعلنت هذه الوثيقة، أن موت السيد المسيح لا يمكن أن يعزى عشوائياً إلى جميع الذين عاشوا في عهده، أو إلى يهود اليوم.

وقد سبق صدور هذه الوثيقة، قيام البابا يوحنا الثالث والعشرين، بإلغاء مقطع من الصلاة الكاثوليكية يتحدث عن "اليهود الملعونين"، كما ألغى من النصوص الدينية جرم "قتل الرب"، على اعتبار أن وثيقة "نوسترا إيتاتي" التي كانت آنذاك في طور الإعداد قد نصت أيضاً على "أن لا ينظر إلى اليهود كمنبوذين من الرب، وملعونين كما جاء في الكتاب المقدس".

لقد شهد المجمع الذي صدرت عنه هذه الوثيقة صداماً بين الكنائس الكاثوليكية العربية، والكنائس الغربية، عارض فيها المسيحيون العرب الاعتراف الديني باليهودية، وتمخّض عنه قرارات خطيرة، تقضي بتبرئة اليهود من دم المسيح، وتعيد الاعتبار للشخصية اليهودية، وبالرغم من ذلك، فإن جماعات الضغط هذه اعتبرت أن الوثيقة غير كافية، ولا تفي بالمطلوب.

أحدثت هذه الوثيقة تحوّلاً خطيراً في رؤية الفاتيكان، انتقلت بموجبه من الرفض المبني على عقيدة دينية لقيام "دولة إسرائيل"، إلى التعامل مع الواقع المبني على معطيات سياسية، وهو ما جعل للابتزاز اليهودي الصهيوني، والمسيحي الصهيوني، تأثيرات مضاعفة، أسقط على نحو تدريجي ومتتابع كل أشكال التحفظات التي كانت تتمسك بها الكنيسة، والتي عبر عنها البابا بيوس العاشر بشكل شديد الوضوح.

ولعل التطوّر الأبرز على هذا الصعيد، والذي جاء نتيجة للضغوطات سالفة الذكر، هو قيام البابا يوحنا بولس الثاني بإصدار ما عرف "بوثيقة 1985". وقبل التعرض لما جاء في هذه الوثيقة، يجدر أن نلاحظ بأن الضغوطات اليهودية الصهيونية خاصة، قد ارتكزت إلى ادعاء علاقة بين البابا بيوس الثاني عشر والنازية، وأن الفاتيكان لم يأخذ موقفاً ضد "المحرقة"، وأن هناك أموالاً لليهود آلت إلى الفاتيكان. ولذلك فإن الوثيقة المذكورة جاءت بمثابة انقلاب كامل على مستوى العقيدة المسيحية، وموقف الكنيسة الكاثوليكية، بدعوتها إلى نمط تربوي جديد في الكنيسة، وإلى ما يشبه الاعتراف بالتقصير إزاء التعامل مع الظاهرة النازية، وموقفها المدّعى من اليهود.

تقول الوثيقة: "لا يتوقف الأمر فقط على استئصال رواسب العداء للسامية، هذا العداء الذي مازال قائماً إلى الآن في نفوس المسيحيين الكاثوليك، بل أن يضمن لهم من خلال مجهود تربوي، فهماً صحيحاً للعلاقات الفريدة التي تربطنا بها كنيستنا بالعبرانيين والعبرية". وتقول الوثيقة إنهم "يرثون للجهل المحزن لتاريخ وتقاليد اليهودية، هذه التقاليد التي تظهر فقط الأوجه السلبية منها، والتي كثيراً ما تكون مضحكة، هي وحدها التي تظهر في الفهم العادي الشائع عند الكثيرين من المسيحيين"، وتشفع الوثيقة باليهود فتقول: "إنه لا يجوز أن يحسب شأن اليهود اليوم كشأن الذين عرفوا المسيح ولم يؤمنوا به"، ثم تقول: "إن المسيح كان عبرانياً وسيكون كذلك دائماً"، وتدعو كاثوليك العالم "ليفهموا تمسك اليهود الديني بأرض أسلافهم".

وتصل الوثيقة ذروة هدفها بالقول: "إن الشعبين المسيحي واليهودي، على الرغم من أنهما ينطلقان من وجهات نظر مختلفة، غير أنهما يتجهان نحو أهداف متماثلة، تركز على مجيء المسيح أو عودة المسيح". وتقول الوثيقة: "إنه من الضروري أن نتقدم لحمل مسؤولية تهيئة العالم لذلك لحضور المنقذ".

لاقت الوثيقة الفاتيكانية (1985) نقداً شديداً من أوساط مسيحية متعددة، ولاسيما من الكنائس العربية المشرقية، ولكنها أصبحت سياسة معتمدة لدى الفاتيكان.

وخلاصة القول هنا، إنه قد جرى تجديد ضخ اليهودية في المسيحية، وكان المستهدف في هذه المرة، الكنيسة الكاثوليكية. ونستطيع القول: إن ترجمة محصلة هذا الضخ ظهرت في زيارة البابا الأخيرة إلى فلسطين المحتلة.

لقد صدرت وثيقة "نوسترا إيتاتي" تحت الضغط باتهام الفاتيكان بمساعدة النازية، واستمرت الضغوط، لتصدر وثيقة 1985، ثم ليعترف الفاتيكان بالكيان الصهيوني، ويقيم علاقات رسمية معه، وليصدّق على كل أساطيره ودعاواه، ورغم كل ذلك، فقد كان البابا أثناء وجوده في فلسطين المحتلة مطالباً بتقديمات جديدة، تصل إلى حد الاعتذار عن "الضحايا" الذين قتلتهم النازية، مع أنه سبق زيارته بطلب "الصفح" على أخطاء ارتكبتها الكنيسة خلال ألفي عام، ولم يكتفي البابا بكل ذلك بل ذهب إلى "ياد فاشيم" وألقى خطبة قال فيها: "أتيت إلى "ياد فاشيم" لأحيي ذكرى ملايين اليهود الذين جردوا من كل شيء، وخصوصاً من كرامتهم الإنسانية وقتلوا خلال المحرقة… لا أحد يمكنه أن ينسى أو يتجاهل ما حصل، لا أحد يمكنه أن يخفف من حجم ما حصل".

وكرر البابا كلاماً بالمعنى ذاته، في الورقة التي أودعها في أحد ثقوب حائط البراق ونقلها الحاخامات اليهود على الفور إلى "ياد فاشيم" باعتبارها وثيقة تاريخية.

يقول البابا: إنه لم يكن يريد القيام بزيارة سياسية، ولكنه بدأ زيارته سياسية، وأغرقها بالسياسة المنحازة، فقبل الزيارة قال المتحدث باسمه: "إن البابا سيذهب إلى "إسرائيل" كصديق للشعب اليهودي بوصفه بابا الفاتيكان الذي قال مراراً إن أي نوع من معاداة السامية خطيئة، وهو الذي أقام العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل فاتحاً بذلك الكثير من القلوب، والإسرائيليون يعلمون ذلك". إن هذه بداية سياسة منحازة ما لبثت أن تتابعت فصولها، فعندما استقبله أولمرت، رئيس بلدية القدس، على جبل الزيتون، قال متحدث فاتيكاني: إن جبل سكوبس كان جزءاً من الدولة الإسرائيلية منذ العام 48، ولسنا ندري إن كان نصب "ياد فاشيم" مكاناً مقدساً يتوجب الحج إليه؟.

لقد قال البابا: "في ظل الانفتاح الجديد على بعضهم بعضاً، يجب أن يبذل المسيحيون واليهود جهوداً شجاعة لإزالة كل أشكال الأحكام المسبقة".

لقد نجحت اليهودية مجدداً في اختراق عميق جداً للمسيحية، وهي إذ تريد عالماً على هواها، ومطواعاً لها، فإنها تحطم أول الشيء قيمه، وتكسر هيبة مراجعه الروحية. هل من داع لنقرأ التاريخ مجدداً، لنرى كيف جرى عبور المسارات في هذا الاتجاه، وصولاً إلى اللحظة التي يأتي فيها بابا الفاتيكان ليصادق على اغتصاب اليهود للقدس، وفلسطين، اليهود الذين قال لهم السيد المسيح: "اخرجوا فقد جعلتم بيتي مغارة لصوص يا أولاد الأفاعي".

نقصد بالتحديد تلك الإطلالة من "جبل نبو" باتجاه فلسطين (تقليداً للنبي موسى!) ثم وضع ورقة في شقٍ بحائط البراق (جرياً على عادة يهودية أشبه ما تكون بطقس وثني)، ففي الحالتين، كانت تلك الاستجابة، في الشكل والمضمون، لما جاءت به الأساطير اليهودية، حتى لكأن البابا المنشغل في شق مسار تاريخي مختلف للعلاقة اليهودية ـ المسيحية، أراد البدء من أعمق نقطة في هذا التاريخ، ولكن بالضبط، وفق النص التوراتي الأسطوري، ليجري الانتقال بعد ذلك، إلى رسم مسار هذه العلاقة وفق النص الأسطوري الصهيوني، وهذا ما بدا شديد الوضوح، أثناء زيارته لما يعرف بنصب "يادفاشيم"، النصب المقام لكي تظل الكذبة فاعلة في التاريخ.

لقد صلى البابا في جبل نبو من أجل "سكان أرض الميعاد.. أرض اللبن والعسل"، وكأن لا اسم لها في الجغرافية والتاريخ، غير هذا الاسم المحمل على دلالات رمزية معينة. وصدّق في القدس المحتلة على مزاعم "المحرقة اليهودية". ولم يكن مغتصبو فلسطين، والقدس في القلب منها، بحاجة إلى ما هو أكثر من ذلك، أي أن تحوز الأساطير المؤسسة لوجودهم على شهادة حديثة، ومن مرجع بمرتبة البابا.


المصادر والمراجع

ـ صابر طعيمة، التاريخ اليهودي العام، دار الجيل ـ بيروت، الطبعة الثالثة 1983.
ـ سليمان ناجي، التحركات اليهودية عبر التاريخ زحف الطاعون المزمن، دار النبراس، دمشق، الطبعة الأولى 1980.
ـ د. يوسف الحسن، البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي ـ الصهيوني، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1990.
ـ يوسف الياس ضاهر، رد على الوثائق الفاتيكانية، الصادر عن لجنة العلاقات مع اليهودية، بدون تاريخ، بدون مكان نشر.
ـ نصر شمالي، إفلاس النظرية الصهيونية، منشورات فلسطين المحتلة.
ـ عبد الرحمن ناصر، "الإسلام وفلسطين"، العدد 64، تموز 1999.
ـ يوسف العاصي الطويل، الصليبيون الجدد، مكتبة مدبولي، ط1، 1997.