قضايا مختلفة> أمريكا والمشروع الصهيوني   

أمريكا والمشروع الصهيوني

الفكر الأمريكي والبعث اليهودي

شهدت نهايات القرن الثامن عشر بعث الأمة الأمريكية، التي شكل البعث اليهودي جانباً مهماً من مرتكزاتها الفكرية، حيث كان واضحاً أثر العهد القديم على الفكر الأمريكي.

وهذا ما نتلمّسه في مجريات التطورات والأحداث في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ لحظة الاستقلال، إذ نجد الرئيس توماس جيفرسون، واضع وثيقة الاستقلال، يقترح بأن يمثل رمز الولايات المتحدة الأميركية، على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهار غيمة وفي الليل عمود من النار، بدلاً من الرمز المعمول به حالياً. وهذا الأمر يتفق مع النص التوراتي الوارد في سفر الخروج، والذي يقول: "كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب يهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نور ليضيء لهم".

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وبالتحديد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث ظهرت في أمريكا عدة مذاهب بروتستانتية نادت بعودة اليهود إلى فلسطين، انطلاقاً من إيمانها بالمعتقدات المسيائية. ولم يكتف أصحاب هذه المذاهب بالدعوة، بل عملوا من أجلها، فقد تبنت كثير من الفرق البروتستانتية الدعوة إلى هذه الأفكار، مثل المعمدانيين والسبتيين وغيرهما من الفرق.

وقد علق على ذلك هنري فورد في كتابه "اليهودي العالمي"، بقوله: "لقد سيطر اليهود على الكنيسة في عقائدها وفي حركة التحرر الفكري المسماة بالليبرالية، وإذا كان ثمة مكان تدرس فيه القضية اليهودية دراسة صريحة وصادقة، فهو موجود في الكنيسة العصرية، لأنها المؤسسة التي أخذت تمنح الولاء دون وعي أو إدراك إلى مجموعة الدعاية الصهيونية".

وقد سيطرت الأفكار اليهودية على سياسيي الولايات المتحدة وصانعي القرار فيها، ما دفع بالرئيس الثاني لأمريكا جون آدمز، إلى أن يرسل في عام 1818 برسالة إلى الصحفي اليهودي مردخاي مانويل نوح يعبر له فيها عن أمنيته في" أن يعود إلى جوديا ـ يهودا ـ لتصبح أمة مستقلة".

العمل من أجل تحقيق النبوءات التوراتية:

في نهاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، بدأ التعاطف الأمريكي مع اليهود يتحول إلى عمل ملموس لتحقيق النبوءات التوراتية، سواء عن طريق أفراد أو جمعيات أو كنائس.

وقامت هذه الفئات بأعمال تخدم فكرة العودة اليهودية، كتأسيس المستوطنات في فلسطين. ومنها ما قام به في عام 1850 واردكريون القنصل الأمريكي في القدس، من تأسيس لمستوطنة زراعية في منطقة القدس، والتخطيط لإنشاء مستوطنات أخرى.

كما شهد هذا القرن ظهور الطوائف والجمعيات المسيحية التي دعت إلى ضرورة إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، حيث أخذت تنشر دعوتها بين العامة، بالإضافة إلى سعيها للتأثير على الشخصيات المهمة في أمريكا، منها جماعة (أخوة المسيح)، والتي تقوم دعوتها التبشيرية بشكل رئيسي على تطبيق النبوءات التوراتية وسفر الرؤيا على الأحداث الحاضرة والمستقبلية، وجمعية بنات بريث (أبناء العهد) في مدينة نيويورك، بهدف تسهيل إعادة اليهود إلى فلسطين.

جمعية شهود يهوه:

أنشئت هذه الجمعية في ولاية بنسلفانيا الأميركية عام 1884، ثم انتقلت إلى مدينة نيويورك في عام 1909، حيث أخذت توفد المبشرين إلى جميع أنحاء العالم لكسب التأييد لفكرة إعادة اليهود إلى أرض فلسطين، تحقيقاً للنبوءات التوراتية. وقد وصل نشاط هذه الجمعية إلى البلاد العربية نفسها.

يقول عبد الله التل، في كتابه "جذور البلاء" عن هذه الجمعية: "هي جمعية يهودية ترتدي ثوباً مسيحياً مزيفاً، وهي في الواقع من أخطر الجمعيات اليهودية في العالم، ذلك أنها تقوم على مبدأ خداع الجماهير المسيحية الساذجة، وإدخال نبوءات التوراة في النفوس المؤمنة، ليصبح الاعتقاد جازماً عند المسيحيين، بوجوب عودة اليهود إلى أرض الميعاد. وطريقة التبشير عند أتباع هذه الجمعية، هي اقتحام بيوت الناس بوقاحة عجيبة، والبدء بإلقاء دروس دينية من التوراة اليهودية، لاستدرار عطف السامعين وكسبهم في صف الداعية، إلى ضرورة عودة اليهود لأرض الميعاد، تحقيقاً لأوامر اليهود".

ولقد تسربت هذه الجمعية إلى البلاد العربية، وخدعت حكومات عربية كثيرة، فتغاضت عن نشاطها، "وفي لبنان استفحل نفوذها، فهب فريق من رجال الدين المسيحي الواعين، وهالهم التطبيق العملي لتعاليم هذه الجمعية، وقاد المعركة ضد شهود يهوه، الخوري جورج فاخوري، وفضح أسرارها وكشف حقيقتها.

وليم بلاكستون أبٌ للصهيونية:

في أواخر القرن التاسع عشر، ظهر رجال دين يطالبون بعمل شعبي لإعادة اليهود إلى فلسطين، وكان من أبرز هؤلاء وليم بلاكستون، رجل الدين والمؤلف والمليونير الذي ينفق الملايين على التبشير، والذي يعتبر أباً للصهيونية اليهودية، بسبب نشاطه المتواصل من أجل تحقيق النبوءات التوراتية، وهو صاحب الشعار المعروف: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ".

وبلغ نشاط بلاكستون ذروته عندما قاد حملة لجمع توقيعات على عريضة قدمها للرئيس الأمريكي بنيامين هارسون في عام 1891، حيث طالب فيها بالمساعدة في إعادة فلسطين لليهود وإنشاء وطن قومي لهم هناك.

وعندما أنشئت الحركة الصهيونية بزعامة هرتزل، قام القس بلاكستون بإرسال نسخة من التوراة إلى هرتزل، واضعاً خطوطاً وعلامات تحت النصوص التي تشير إلى استعادة فلسطين، ولقد حفظت هذه النسخة في ضريح هرتزل".

الحكومة الأمريكية والمطالب الصهيونية:

لما وضعت الحركة الصهيونية برنامجها، سعت إلى تحقيقه عن طريق الحصول على مساعدة الحكومة البريطانية، وكان لأمريكا دور كبير في تحقيق أول المطالب الصهيونية، والتي تحققت بفضل وعد بلفور، هذا الوعد الذي لم يصدر إلاّ بعد اتصالات بين الحكومتين البريطانية والأمريكية، حيث كانت موافقة أمريكا على الوعد ضرورية، وكان على رأس السلطة آنذاك الرئيس ويلسون الذي أعلن عن تأييده لمنح اليهود وطناً قومياً في فلسطين، فقد صرّح عشية صدور الوعد بقوله: " لن تصبح فلسطين مؤهلة للديمقراطية إلاّ إذا امتلك اليهود فلسطين كما سوف يمتلك العرب شبه جزيرتهم أو البولونيون بولونية"، كما أنه لم يتوان عن تأييده لهذا العهد بعد صدوره وإعلان موافقته عليه. وقد عبر ويلسون عن ذلك في آب 1918 بقوله:" أعتقد أن الأمم الحليفة قررت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين بتأييد تام من حكومتنا وشعبنا".

وكان الرئيس ويلسون مدفوعاً لتحقيق آمال اليهود انطلاقاً من خلفيته الدينية، حيث تربى على التعاليم البروتستانتية التي تؤمن بالنبوءات التوراتية، وكان يسعده أن يكون له دور في إعادة اليهود إلى فلسطين، وذلك في قوله: "إن ربيب بيت القسيس ينبغي أن يكون قادراً على المساعدة في إعادة الأرض المقدسة لأهلها".

وقد سار على هذه السياسة خلفاء ويلسون، فقد عبر الرئيس الأمريكي هاردنج في عام 1921 عن تعاطفه مع الحركة الصهيونية وتأييده الشديد لإنشاء صندوق فلسطين.

وفي عام 1922، اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً، وقّع عليه الرئيس هاردنج جاء فيه "بأنه نتيجة للحرب، أعطى بني إسرائيل الفرصة التي حرموا منها منذ أمد بعيد لإقامة حياة وثقافة يهوديتين مثمرتين في الأراضي اليهودية القديمة، وإن كونغرس الولايات المتحدة يوافق على إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي".

أمريكا مركز ثقل الصهيونية

بعد أن أصدرت بريطانيا الكتاب الأبيض في عام 1939، والذي حدَّ من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، قابل الزعماء الصهاينة والمتعاطفون معهم هذا الكتاب بالرفض والاستنكار، وبدأوا يشعرون أن بريطانيا بدأت تتخلى عنهم ولو جزئياً بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، هذا التحول دفع الزعماء الصهاينة لتركيز جهودهم في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد كتب بن غوريون في عام 1940 يصف مشاعره في هذه الفترة، فقال: "أما أنا فلم أكن أشك في أن مركز الثقل بالنسبة لعملنا السياسي كان قد انتقل من بريطانيا إلى الولايات المتحدة، التي كانت قد احتلت المرتبة الأولى في العالم كدولة كبرى".

وعندما اجتمع الزعماء الصهاينة في مؤتمر "بلتيمور" في عام 1942، قرروا نقل جهودهم إلى أمريكا لكي تساعدهم في تحقيق مطالبهم. فقد أعلن بن غوريون أمام المؤتمر، أن اليهود لم يعد باستطاعتهم الاعتماد على الإدارة البريطانية في تسهيل إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين.

وفي عام 1943 انعقد مؤتمر بورد مودا بتدخل قوي وضغوط مباشرة من الرئيس الأمريكي روزفلت، وهو المؤتمر الذي فتح أبواب الهجرة إلى فلسطين على مصراعيها أمام اليهود.

وبالرغم من أن هذا التعاطف الكبير مع الحركة الصهيونية، من قبل الجمعيات والمؤسسات العامة خلال عشرينات القرن الماضي وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يرافقه موقف عملي واضح من الحكومة الأمريكية، إلا أن ذلك لم يكن لعدم إيمان الرؤساء الأمريكيين ـ في تلك الفترة ـ بأهداف الحركة الصهيونية، بل لأن بريطانيا في ظل انتدابها على فلسطين كانت تقوم بتقديم كافة التسهيلات والمساعدات للحركة الصهيونية، ولذلك لم يكن هناك أي داع لتدخل أمريكا ما دامت بريطانيا تقوم بنفس العمل وعلى أكمل وجه.

هذا بالإضافة إلى أمر آخر مهم، وهو ظروف الحرب الثانية التي فرضت على أمريكا عدم تأييد المطالب الصهيونية بصورة علنية، والسعي إلى استرضاء العرب حرصاً على الموقف العسكري في المنطقة.

ترومان المنقذ:

عندما تولى ترومان منصب الرئاسة خلفاً لرزوفلت، كان من أكثر الرؤساء الأمريكيين تأييداً للمطالب الصهيونية. في 31 آب عام 1945، طلب الرئيس ترومان ـ نيابة عن الصهيونية ـ من رئيس الوزراء البريطاني أتلى، إدخال مائة ألف لاجىء يهودي إلى فلسطين، ولكن رد أتلى كان غير مشجع، حيث أنه اشترط أن تتحمل أمريكا الأعباء العسكرية والاقتصادية لتنفيذ هذا المطلب، ولكن الرئيس ترومان رفض ذلك وقال إنه لا يرغب في إرسال 50.000 جندي لإقرار السلام في فلسطين.

ونتيجة لذلك، بدأت اتصالات بين الحكومة البريطانية وبين الزعماء الصهاينة المدعومين من أمريكا، لتحقيق مطالبهم، ولكن هذه الاتصالات فشلت، ما دفع ترومان إلى تأييد الحل الصهيوني المتمثل بتقسيم فلسطين، وأصدر في 4 تشرين الأول من عام 1945 بياناً طالب فيه بإدخال مائة ألف يهودي فوراً إلى فلسطين، كما أوصى بتطبيق خطة التقسيم حسب الخطوط التي اقترحتها الوكالة اليهودية، وقال ترومان: "إنه كان يعتقد بأن حلاً على هذه الصورة سيصادف تأييداً من الرأي العام في الولايات المتحدة"، ومن المعلوم أن هذا البيان صدر في يوم عيد كيبور ـ الغفران ـ اليهودي". معتبراً "أن تأييد وطن قومي يهودي كان دائماً من صلب السياسية الأمريكية المنسجمة مع نفسها".

وعندما أعلن عن قيام دولة إسرائيل، اعترف الرئيس ترومان بها بعد دقيقة من إعلان قيامها، كما أنه قام بتصرف يخالف كل المبادئ الدبلوماسية المعروفة، عندما اعترف بدولة إسرائيل قبل أن تطلب الاعتراف رسمياً وقبل انتهاء الانتداب البريطاني بعشر ساعات. وقدمت حكومة الولايات المتحدة لها قرضاً قيمته مليون دولار، وفي عام 1943 مبلغ 150 مليون دولار.

كان ترومان صهيونياً أكثر من الصهاينة، فانعكس ذلك على سياسته تجاه المسألة الفلسطينية، والتي كانت سياسة رئاسية تم تنفيذها من جانب واحد رغم معارضة كثير من المستشارين الحكوميين لها، وقد اعترف ترومان نفسه بحقيقة سياسته هذه، حيث قال في مذكراته: "لقد كنت أعلم بأن المستشارين جميعاً لا ينظرون إلى المسألة الفلسطينية نظرتي أنا إليها، وأكثر من ذلك، كان الاختصاصيون من موظفي وزارة الخارجية في شؤون الشرق الأوسط جميعهم تقريباً ضد فكرة دولة يهودية".

أيزنهاور...

لم تكن إسرائيل في عهد أيزنهاور بحاجة للدعم الأمريكي الصارخ، كما كانت في عهد ترومان، حيث قلل أيزنهاور منه، لامتصاص رد الفعل العربي الساخط على الانحياز الأمريكي إلى جانب إسرائيل، وبالرغم من ذلك، فإنه لا يجب إغفال حقيقة الالتزام الأمريكي تجاهها في هذه الفترة، والذي عبر عنه جون فوستر دالاس ـ وزير الخارجية الأمريكي في عهد أيزنهاور ـ حيث أدلى بتصريح أمام جمعية بنات برث (أبناء العهد) بتاريخ 8 أيار عام 1958، قال فيه:"إن مدنية الغرب قامت في أساسها على العقيدة اليهودية في الطبيعة الروحية للإنسانية، لذلك يجب أن تدرك الدول الغربية أنه يتحتم عليها أن تعمل بعزم أكيد من أجل الدفاع عن هذه المدنية التي معقلها إسرائيل".

جون كيندي:

تولى جون كيندي الرئيس الكاثولوكي الوحيد الحكم في بداية الستينات، حيث كانت فترة ولايته من الفترات القليلة النادرة التي تم فيها ضبط السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

وقد جاء ذلك نتيجة لبعض العوامل الخارجية التي أدركها كيندي بوضوح، حيث كان يرى: "أن الانحياز الأمريكي في النـزاع العربي الإسرائيلي لا يهدد الولايات المتحدة فحسب، بل يهدد العالم بأسره".

ليندون جونسون:

اغتيل الرئيس كيندي في ظروف غامضة، وتولى الرئاسة من بعده ليندون جونسون الذي أعاد السياسة الأميريكية إلى سابق عهدها، حيث لم يتوان عن تقديم كافة الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري لإسرائيل.

وهناك تصريح لجونسون، أدلى به في سبتمبر 1968 أمام جمعية بنات برث (أبناء العهد) ربما يلقي الضوء على أثر الأفكار والتنبؤات التوراتية على سياسته تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.. حيث قال فيه: "إن بعضكم، إن لم يكن كلكم، لديكم روابط عميقة بأرض إسرائيل، مثلي تماماً، لأن إيماني المسيحي ينبع منكم، وقصص التوراة منقوشة في ذاكرتي، تماماً مثل قصص الكفاح البطولي ليهود العصر الحديث، من أجل الخلاص من القهر والاضطهاد".

عندما عبر الرئيس جونسون عن قناعاته الدينية التي تدفعه لدعم إسرائيل، فإنه لم يكن الوحيد الذي ينظر إلى الصراع العربي الإسرائيلي هذه النظرة الدينية، بل إنه كان يعبر عن وجهة نظر عامة سادت الأوساط الشعبية المتدينة في أمريكا، وبالذات بعد الانتصار الإسرائيلي في حرب 1967، حيث ساهم هذا الانتصار إلى حد كبير في تزايد التيار المسيحي البروتستانتي المؤيد لإسرائيل ، باعتبار أن ما حدث على أرض فلسطين ما هو إلا تحقيق لنبوءات توراتية ولمشيئة إلهية.

لهذا لم يكن من المستغرب أن نجد عناوين الكتب والمقالات التي نشرت في أمريكا وبعض الدول الأوروبية، في أعقاب حرب 1967، من هذا الطراز الديني المستمد من النصوص التوراتية، مثل "وانتصروا في اليوم السابع"، "حرب إسرائيل المقدسة"، "عملية السيف البتار"، "داود وجوليات"، "أضربي يا صهيون" وغيرها.

وفي الإطار نفسه، قامت بعض الجماعات الدينية المسيحية، بتوزيع منشورات وكراسات بعناوين مثل، "مستقبل إسرائيل والعالم" و"الخطط المقدسة للتاريخ"، حاولت فيها إظهار انتصار إسرائيل في عام 1967، وكأنه ينبثق عن الإرادة الإلهية، إذ تبر بوعدها لشعب الله المختار، وتقوم باستباق الأحداث لتجعلها مطابقة لما جاء في النصوص الدينية، ونبوءات العهد القديم من الكتاب المقدس.

تولى ريتشارد نيكسون الرئاسة في جو مشحون بالمشاعر الدينية والمؤيدة لإسرائيل، حيث لم يتوان عن تقديم كافة أنواع الدعم الاقتصادي والعسكري والسياسي لإسرائيل، وذلك استجابة لرغبة الرأي العام المتدين من ناحية، وإرضاءً لقناعاته الدينية من الناحية الأخرى.

فقد كان نيكسون من المتأثرين بالأفكار والنبوءات التوراتية، وكانت تربطه علاقات حميمة مع بعض رجال الدين المسيحيين المعروفين بتأييدهم لإسرائيل. وقد وصل تعاطف نيكسون مع إسرائيل إلى الحد الذي جعله يقول: " إن استعداده للقيام بالانتحار السياسي، أكثر من استعداده لإلحاق الضرر بإسرائيل".

جيمي كارتر ينفذ أمراً إلهياً:

في النصف الثاني من السبعينات، وصل إلى الرئاسة الأمريكية جيمي كارتر، الذي قام بجهد غير عادي لدعم إسرائيل، ثم تتويجه بتوقيع أول معاهدة "سلام" مع دولة عربية وهي مصر.

وقد وصف سايروس فانس وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، سياسة كارتر تجاه الشرق الأوسط، فقال: "لم يكن محلاً للسؤال أن حجر الأساس في سياسة كارتر حيال الشرق الأوسط، سيبقى هو التزامنا بأمن إسرائيل"، كما عبر كارتر نفسه عن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية خلال مؤتمر صحفي في عام 1977، فقال:" إن لنا علاقة خاصة مع إسرائيل، وإنه من المهم للغاية أنه لا يوجد أحد في بلادنا أو في العالم أصبح يشك في أن التزامنا الأول في الشرق الأوسط إنما هو حماية إسرائيل في الوجود إلى الأبد، والوجود بسلام، إنها بالفعل علاقة خاصة".

وتأكيداً لهذا الارتباط العضوي بين أمريكا وإسرائيل، أعلن الرئيس الأمريكي كارتر في عام 1984 إيمانه بأسطورة معركة هرمجدون ودور إسرائيل في اقتراب عودة المسيح ليحكم العالم، وقدم ريغان دعماً غير محدود لإسرائيل في فترة رئاسته فتح الباب واسعاً لليمين المسيحي المتطرف في الحزب الجمهوري للتدخل في رسم سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية وعلاقتها العضوية مع إسرائيل.

وحين أصبح جورج بوش رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية في عام 1989م، خلفاً للرئيس رونالد ريغان، مضى في المسار المؤيد للفكر التوراتي الأسطوري الذي يحكم العلاقات العضوية بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، لكنه خسر الانتخابات عام 1992م نتيجة التحالف اليهودي المسيحي اليميني ضده بسبب دعوته إلى إقامة نظام عالمي جديد، رأى التحالف فيها خطراً على إسرائيل، وبسبب تجميده ضمانات القروض الأمريكية لإسرائيل.

كلينتون .. الابتهاج لانتصارات إسرائيل

أما الرئيس كلينتون الذي أصبح رئيساً للولايات المتحدة عام 1992، فقد كان متأثراً بالفكر التوراتي، وقد أوضح بنفسه الخلفية التي تدفعه للتعاطف مع إسرائيل، بأن دافعها ديني، وهذا عبر عنه في وصفه زيارته لإسرائيل في عام1981، حيث قال عنها بأنها كانت زيارة دينية أكثر منها سياسية، كما أنه تأثر كثيراً بقصة موت أحد رجال الدين المسيحيين،كان قد مات مؤخراً، وتحدث إليه طويلاً قبل ذلك، حيث قال له هذا القس: "إنه يأمل في أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة"، ولكنه قال له أيضاً: "إنه يجب عليه أن يحافظ على إسرائيل.."، لأنه إذا تخلى عن إسرائيل، فلن يغفر له الله. وعلق كلينتون على ذلك بقوله: "أعتقد أنه ينظر إلي الآن ـ يقصد القس ـ وإذا ما انتخبت فلن أتخلى عن إسرائيل".

كما أنه تحدث بوضوح عن قوة الرباط العقائدي بإسرائيل في خطابه أمام الكنيست الإسرائيلي في السابع والعشرين من تشرين الأول 1994، عندما تحدث بعاطفة جياشة عن الرباط العقائدي ـ السياسي المقدس الذي يربط أمريكا بإسرائيل، قال:"عندما كانت إسرائيل تكافح للبقاء كنا نبتهج لانتصاراتكم ونشاطركم مآسيكم، وفي السنوات التي تلت إقامة اسرائيل أعجب الأمريكيون من خلال كل معتقد ديني بكم وساندوكم. إن بقاء إسرائيل هام ليس لمصالحنا فحسب، بل لكل القيم العزيزة علينا....".

وختم خطابه مؤكداً على وقوف الولايات المتحدة الدائم إلى جانب إسرائيل، وذلك بقوله": ينبغي أن تدركوا أن مسيرتكم هي مسيرتنا، وأن أمريكا ستبقى إلى جانبكم الآن وإلى الأبد".

وفي عام 2000م، فاز جورج دبليو بوش في انتخابات الرئاسة الأمريكية في جو من الاضطراب السياسي، والمنازعات الحزبية، بأسلوب غريب وفارق انتخابي عجيب، ومنذ تسلمه الرئاسة وهو يكشف عن منهجه المضطرب وغير العقلاني في التعامل مع العالم وقضاياه المختلفة، ويشرع في دعم إسرائيل وقادتها العنصريين متجاهلاً كل القرارات الدولية والاتفاقات، محرضاً إسرائيل على تدمير السلطة الوطنية الفلسطينية، والإجهاز على الانتفاضة، وخاصة بعد الهجوم المباغت الذي تعرضت له أمريكا في 11 أيلول 2001م في نيويورك وواشنطن، متهماً بعض المنظمات: "تنظيم القاعدة" بارتكابها، وقد شن على أثر ذلك حرباً لا هوادة فيها على الإسلام، وقد تجلى ذلك في قوله" إنها حرب صليبية جديدة"، وذلك تحت عنوان ما يسمى بمكافحة "الإرهاب".


المصادر:

  •   د. يوسف الحسن، من أوراق واشنطن.

  •   هنري فورد، اليهودي العالمي، تعريب خيري حماد.

  •   يوسف العاصي الطويل، الصليبيون الجدد، مكتبة مدبولي،ط1، 1997.

  •   عبد الله التل، جذور البلاء.

  •   محمود عباس، الاتصالات السرية.

  •   د. ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية.

  •   ريتشارد ستيفن، الصهيونية الأمريكية وسياسة أمريكا الخارجية.

  •   روجيه ديلورم، إني أتهم، ترجمة نخلة كلاس.

  •   برنارد ريتش، الولايات المتحدة وإسرائيل، ترجمة مصطفى كمال.

  •   أ.أ.أ.وسيبوف، الولايات المتحدة والدول العربية، ترجمة محمود شفيق الشعبان.

  •   مذكرات سايروس فانس، خيارات صعبة.

  •   الشيخ محمد غزالي، مائة سؤال عن الإسلام، الجزء الثاني.

  •  عبدالعزيز بن عثمان التويجري، الرابطة التوراتية بين أمريكا وإسرائيل.

  •   فرج بوالعشة، مشروع تأسيس أمريكا فكرة صهيونية.