|
قضايا
مختلفة >
المقدمة
المقدمة
لم
تبدأ الحروب الصليبية يوم جندت أوروبا
جيوشها وأرسلتها إلى الشرق تحت شعار
تحرير المقدسات، والتي كانت تخفي
وراءها مجموعة من العوامل والأبعاد لا
تقلّ في أهميتها عن البعد الديني، ولم
تنته هذه الحرب يوم تم تحرير القدس من
قبل المسلمين، أو بالأحرى يوم طرد
الصليبيون نهائياً من بلادنا. ذلك أن
هذه العلاقة بين الشرق والغرب شهدت
أطواراً متنوعة تبادل فيها كل طرف
مهاجمة الآخر، والعمل على تطويعه، وما
تزال عملية التجاذب هذه قائمة حتى يومنا
هذا، حيث الغرب هو المهيمن.
وبالعودة
إلى فترة الحروب الصليبية فقد استمرت
قرابة قرنين من الزمن شهدت
بلادنا خلالها جولات من الصراع على غير
صعيد، لاسيما العسكري منه أمعن فيها
الفرنجة قتلاً وتشريداً وتدميراً وما
إلى ذلك، ما خلف أفدح الأضرار في الشرق،
ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد بل
تجاوزه إلى حركة الوعي والذاكرة، من
خلال ما اختزنه كل فريق من صور عن الآخر،
حيث ارتسمت في وعي الشرقي وذاكرته، تلك
الصورة المرعبة التي رافقت الغزو
الصّليبي، لا سيما في بداياته، من قتل
وجرائم ومذابح وتدمير، والتي ما كادت
لتخبو حتى أذكتها صورة الجيوش الغازية
والمستعمرة لبلادنا في بدايات القرن
العشرين، وزاد في تأجيج حمى لظاها ما
يقوم به الكيان الصهيوني الغاصب في
فلسطين، باعتباره كياناً من صنيعة
الاستعمار، وما يرتكبه الاستكبار من
تعديات على عالمنا العربي والإسلامي،
لاسيما في أفغانستان والعراق وفي
غيرهما من البلدان، هذا في الوقت الذي
تم الترويج فيه لصورة العربي والمسلم
الغافل والجاهل، وفي وقتنا الراهن صورة
الإرهابي والمجرم، وما إلى ذلك، في أكبر
عملية تحريضية بهدف الاستيلاء على
ثرواتنا وإخضاعنا لسياساته الفكرية
والسياسية والاقتصادية، وبعبارة أوضح،
أن نكون مجرد تابعين لسياساته.
ولعل
المفارقة الأهم في هذا المجال تجلّت في
فترة الحروب الصليبية في اقتباس الغرب
المنتصر عسكرياً من معين الشرق على
مختلف المستويات، لا سيما الجانب
الفكري والعلمي،حيث كان الشرق هو
المتفوق علمياً وحضارياً، ما جعل هذا
التفاعل يشكل إحدى ركائز نهضة الغرب
الحديثة.
|