بدعوة من جمعية التضامن
الثقافية الخيرية، صور؛ وبمناسبة ذكرى
التحرير، وفي أجواء التحديات التي تواجه
الأمة، أقامت الجمعية لقاءً حوارياً
مفتوحاً مع سماحة العلامة المرجع، السيد
محمد حسين فضل الله ، في مركز باسل الأسد
الثقافي، صور، بحضور عددٍ من الشخصيات
يتقدّمهم الوزير، محمد عبد الحميد
بيضون، والنواب محمد فنيش، وعبد الله
قصير وعلي خريس وياسين جابر وعبد اللطيف
الزين وعلي الخليل ونزيه منصور وقائمقام
صور، حسين قبلان، وسماحة العلامة السيد
علي الأمين، والأرشمندريت جوزيف جبيلي
والشيخ عفيف النابلسي ومدير الأوقاف في
قضاء صور، الحاج أحمد حولي ولفيف من
العلماء، وحشد غفير من المهتمين.
قدّم للحوار الأستاذ يوسف خضرا
فقال: في مثل هذا اليوم جُعِلَ أبناء صور
متراساً لقصف المدينة، واليوم نعيش
هزيمة جيش صهيون بفعل المقاومة الباسلة
والتضحيات الجسام، وما كان هذا النّصر
ليتحقق لولا تضحيات الجيش الوطني والشعب
والمقاومة...
يُشرّفنا في مدينة صور، مدينة
الحرف والحضارة، والعلماء والمفكرين،
بأبنائها الميامين، أن نلتقي سماحة
العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل
الله، رجل الألى والمنفتح على قضايا
الأمّة، الحامل في أنفاسه عطر تُراث
النجف الأشرف وعيناثا الجنوب...
ثم ألقى سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله،
كلمة جاء فيها:
في البدء كان الحوار! فالله حاور الملائكة حين أراد
خلق إنسانٍ يعطي الحياة إنسانيته، عقلاً من عقله، وقلباً من قلبه، وطاقةً
حيّة متطوّرة فاعلة من طاقاته... وتساءلوا ولم يكن السؤال اعتراضاً ولكن
أرادوا في أول حوار ملائكي مع الله اختزان الفكرة: لماذا هذا ؟ وما هي
النتائج؟ ولم يشعروا، وهم أمام الله، أنهم لا يملكون أن يتساءلوا؟! وحرّكهم
الله نحو التجربة، وفي ختام رحلة الحوار تغلّب الإنسان على الملكِ...
ليتحرّك في أفق جديدٍ وفكرٍ جديد... ومثّل آدم الإنسان الجديد الذي اعطاه
الله كل ثقافة الأرض، ولم يعطها للملائكة، وتحرّك آدم لعمارة الذات
والواقع...
وحاور الله إبليس حين رفض
السجود لآدم، وأخذنا من حوار بداية
الخليقة أن من الممكن أن تحاور الأبالسة،
وقرأنا في الرسالات أن الأنبياء خططوا
للحوار منهجاً، وقالوا ليكن للحوار عقل،
لأن الحوار حين يعيش عقلانية الفكرة ينتج
ويبدع ويحقق السلام... ولأنه إن لم يحقق
الوحدة أنتج التباغض... وقصة السلام تتمثل
في انفتاح عقلك على عقول الآخرين وانفتاح
طاقاتك على طاقات الآخرين لإنتاج وجودٍ
جديد وحركيّة جديدة... وأخذنا من كل ذلك
أنه لا مقدّسات في الحوار، وليس هناك شيء
لا يمكن أن تحاور فيه، وهو ما استوحيناه
من القرآن الكريم كتاب الحوار والمعرفة
المقدّس.
فالإيمان بالله والإسلام يدفع
للحوار وقبول الآخر، نقبله لا لنعطيه
شرعية إن اختلفنا معه، ولكن نقبله لنعترف
به ويعترف بنا في رحلة البحث عن الحقيقة
الضائعة، لأن الحوار لغة إنسانية تمتنع
من أن تفرض نفسك على الآخر وكأنك تملك
الحقيقة المطلقة والعكس صحيح، فكل يملك
الحقيقة في دائرة ثقافته... وبهذا يكون
الحوار إنسانياً لا عدواني... لنشعر
بإنسانيّةٍ واحدة تنفتح عليها...
وأضاف: إنّ القرآن الكريم
يعلّمنا:«قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن».
فإذا اردنا السلام فعلينا تحريك الحوار
في ما نختلف فيه وما نتفق عليه، إلا في ما
يفرض على الإنسان وما يُراد من خلاله
اسقاطه، وإسقاط وجوده والغاؤه... فالظالم
لا يفتح عقله على عقل أحد، وهو يجرّد
سلاحه لقتل الحياة والذّات... ونحن، في
مشكلتنا مع اليهود ومن خلفهم العالم
المستكبر، ليست مع يهوديتهم ولكن مع
ظلمهم واغتصابهم لأرضٍ وإنسان ومستقبل
ومصير وقوّة، ولسعيهم في سبيل إسقاط
الأمة وقضاياها... وهذا ما واجهناه مع 11
أيلول وبعده، وقلنا نحن وكل الذين
يحترمون الإنسان والسياسة، «حددوا لنا
الإرهاب» فقالوا: «إمّا معنا وإمّا مع
الإرهاب»، ورأينا ماذا حصل وما تمّ تحت
شعار الحرب على الإرهاب...
وفي ما يتعلّق بحوار الحضارات،
ولأن الغرب لا ينحصر بالإدارات الرسمية،
والمجتمع المصادر من اليهودية، فهناك
جماعات مثقفة وتحاور بموضوعية. ولعلّ
مشكلتنا تكمن في عدم نفاذنا إلى الإنسان
الغربي ليفهم قضايانا وتطلّعاتنا، من
خلال العلاقات الإقتصادية وغيرها... لقد
غرقنا بالانفعالات والشعارات وأعطينا
حكماً «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»،
ونحن نعلم أن الإثنين أخذا كثيراً من
معانيهما المشتركة، ولا يمكن لأحد أن
يعلّب ذاته...
إن علينا أن نفتح إنسانيتنا على
إنسانية الآخر لنحقق شيئاً نطوّره في
المستقبل... أن لا نرجم الآخر بالحجارة،
بل ننظر إلى جميع الجوانب الإيجابية
والسلبية لتتوازن الصورة الإنسانية
والصورة الواقعية في جميع جوانبها... في
جوّ التحديات والمشاكل فلننفذ إلى
الأعماق لنتحاور ونتطوّر ونصحح الخطأ
ونصوّب الهدف، ونعيش حوار الحضارات،
لنعطي الحياة عقلاً من عقولنا وقلباً من
قلوبنا...
وتابع: إننا نعيش في تحدّ كبير
في ما يتعلق بالمؤتمر الدولي الأخير، حيث
قرّر الحلف الأطلسي والمحتضن لروسيا أن
العدو الجديد هو الإرهاب الذي لم يحدّد
هوّيته... وسمعنا الحديث الذي يصف
العمليات الاستشهادية بالعمليات
الانتحارية والإرهابية... ومن المؤسف
سماعنا لصوتٍ فاتيكانيّ يقول إن
الاستشهاديين إرهابيون، وإن وسائل
الإعلام العربية الإسلامية تدعم الإرهاب
وهو ما كنّا نسمعه من بعض فقهاء الإسلام...
فالمشكلة في هؤلاء أنهم لم يحاوروا
أصالتهم وأنفسهم، ولم يقرأوا الساحة
الفلسطينية التي قتل فيها اليهود كل
الأمن الفلسطيني.
ولذلك انطلق الفلسطينيون
ليقتلوا كل الأمن الإسرائيلي، لأن
الصراع هو صراع أمن ووجود... فحين نفتي فلا
نغرق في التجريد، وحين تتحدّث عن القيمة،
فالقيمة تنطلق لخدمة الإنسان وقضاياه،
لذلك نحن نعيش إنسانيتنا ولا نريد أن
يقتل طفل أو امرأة، ولكن عندما تطبق عليك
الجبال السياسية والاقتصادية والأمنية
والعسكرية فهل يمكن أن تفكّر بطريقة
هادئة؟! ألم تقتل الطائرات الأمريكية
الشعب الأفغاني بأطفاله وتدفنه تحت
انقاض قراه ومنازله؟! إن الذهنية
الأمريكية الوحشية تلتقي مع الذهنية
الوحشية الإسرائيلية.
وخلص إلى القول: لقد عشنا
التحرير من خلال فتية آمنوا بربّهم...
ولكن بعد تحرير الأرض يبقى السؤال: كيف
نحرّر الإنسان الذي نريد له أن يحرّر
عقله من الخرافة والجهل والتخلّف، لإنّ
هذا الإحتلال الثقافي هو الإحتلال
النفسي والعقلي... فهو لا يزال في عقله
ونفسه إنساناً طائفياً ومتعصباً وخائفاً
من التفكير... فمن منا يعيش الديمقراطية
في بيته ومؤسسته السياسية والثقافية
والاجتماعية... فالشخص هو كلّ شيء، أما
الباقون فيهلّلون ويصفقّون وهم لا شيء...
وهناك في واقعنا أكثر من إلهٍ اقتصاديّ
وسياسي وأمني نعبده بكلّ عقولنا
وأفكارنا.