قضايا فكرية > الشباب الجامعي المسلم ... الدور والهدف

الشباب الجامعي المسلم ... الدور والهدف

أنا في كلِّ تطلّعاتي في الحياة، دائماً أجد أنَّ للشباب، وخصوصاً الشباب الجامعي، رجالاً ونساءً، الدور المميَّز الكبير الذي لا بدَّ للأمة من أن تشجّعه وأن تعطيه الفرصة ليؤكد ذاته، فنحن نعيش اليوم في مرحلة يسيطر فيها العلم على كل مرافق الحياة، صحيح أنّ للمقاومة دورها، وقد رفعت رأسنا أمام شعوب العالم، واستطاعت أن تؤكِّد أن هؤلاء الناس المؤمنين استطاعوا أن يحرروا بلادهم بكل صلابة وشجاعة وإيمان وقوة وتضحية، لكن يبقى عندنا أنّ المقاومة الدائمة هي المقاومة العلمية والمقاومة الثقافية، لأنّ المقاومة العسكرية لها مناسبات معينة، أي عندما يحدث عدوان على البلد، عندها نحتاج إلى مقاومة إمّا وقائية أو دفاعية.

ولكن عندما نريد أن ندخل العالم، خصوصاً كمسلمين، علينا أن ندخل بجيل من الشباب الجامعي المبدع، بحيث إنّه يبدع في الفكر وفي كل المعادلات الرياضية، ويبدع حتى في صناعة النظريات التي تساهم في تقديم الاختراعات والاكتشافات العلمية، فيكون لنا اختراعاتنا التي تدلُّ على عمق ثقافتنا. فعقول الآخرين ليست من ذهب وعقولنا من فضة أو من تراب، بل نحن نملك عقولاً مثلما يملكون، لكن ظروفهم استطاعت أن تشجع حركة العقل عندهم كما في الغرب، أمّا الأنظمة الموجودة عندنا فلم تعمل على تشجيع حركة العقل في هذا المقام، ولذلك نجد أنَّ الكثير من مثقفينا ومتعلمينا، سواء كانوا عرباً أو مسلمين، عندما ذهبوا إلى الغرب، استطاعوا أن يصلوا إلى أعلى المستويات العلمية، حتى صاروا مخترعين ومكتشفين.

الآن الأطباء العرب والمسلمون يعتبرون في الدرجات العليا في أمريكا مثلاً، أيضاً هناك علماء في الوكالات الفضائية أغلبهم عرب ومسلمون، ولأنّهم يملكون عقلاً وعندهم ثقافة وعلم، استطاعت الظروف الموجودة في أمريكا، التي تحاول أن تشتري الأدمغة كما يقولون، أن تشجعهم، وأن تعطيهم الفرصة لكي يبدعوا في هذا الموضوع. لذلك نحن نقول إنّ المستقبل هو للشباب، أما جيل الآباء والأمَّهات مثلاً، فهم جيل عاشوا تجربتهم، سواء كانت تجربةً ناجحةً أو تجربةً فاشلة نتيجة ظروفهم، فبعض آبائنا وأمهاتنا لم يفسح لهم المجال ليتعلموا أو ليدخلوا المجتمع من الباب الواسع. لكن دورنا الآن هو أن نصنع شيئاً للمستقبل، وأن نتخلَّص من الأمية الثقافية، ولا يكفي أن يكون عقلنا مملوءاً بالنظريات العلمية، بل يجب أن تدخل النظريات العلمية إلى داخل شخصيتنا، لأنّ العلم يجب أن لا يبقى فقط معادلات في العقل، بل يجب أن يكون معادلة في الذات، بحيث يكون علم الإنسان داخل دمه، داخل إحساسه وداخل مشاعره في هذا الموضوع.

لذلك كنت أقول دائماً لكثير من إخواننا وأخواتنا وبناتنا في المبرات: أنا لا أقبل منكم أن تنجحوا، أنا أريد منكم أن تتفوَّقوا، وأن تبدعوا، فنحن نريد أن نثبت أنّ الشاب المؤمن المسلم والشابة المسلمة المؤمنة، قادران على أن يمشيا في خطِّ الإبداع، لأنّ الفكرة الموجودة الآن، هي أنّ غير المؤمنات هُنّ اللاتي يقدن النشاط الاجتماعي والنشاط العلمي، لذلك علينا أن نثبت بالنسبة إلى الفتيات، أنّ حجابنا لا يمنعنا من أن نتقدّم ونتفوق حتى على غير المحجّبات. فنحن بإيماننا والتزامنا نستطيع أن نتفوَّق حتى على غير المؤمنين. لذلك أنا أحب أن أقول لكم، وأنتم أولادنا وبناتنا: إنّ موقعكم في الجامعة عبادة، وكلما نجحتم أكثر وتفوَّقتم أكثر، كان ذلك محلَّ رضا لله تعالى أكثر، لأنّ الله سبحانه وتعالى يريد للمسلمين أن يكونوا في الموقع المتقدّم الذي يجعلهم محلَّ احترام العالم، حتى نستطيع أن ندخل العالم. أنا لماذا أقف ضد الخرافة وضد التخلف وضد الغلوّ؟ لماذا أقف من أجل تصحيح التاريخ والدراسة العلمية؟ لأننا نحن نريد أن نتخلص من تخلف الماضي ومن تخلف الشرق الذي نعيشه. نحن نريد أن ندخل العالم كما دخله المسلمون الأوائل، حيث استطاع العلماء والمثقفون المسلمون أن يصنعوا الحضارة حتى لأوروبا في الأندلس وفي غيرها، ونريد أن نثبت للعالم أنّنا أمة تستطيع أن تبدع وأن تكتشف، وتستطيع أن تفكِّر بحرية وأن تناقش الأمور وأن تدخل في الحوار مع الجميع في هذا المجال.

لذلك، أنتم عندما تدرسون في المراحل الدراسية قبل الجامعة، فإنّكم تدرسون نظريات الآخرين، لكن قيمة الجامعة أنّها تقول للإنسان اختر نظريتك، أيضاً عندما يقدم الشخص الأطروحة في مرحلة الدراسات العليا، لا بد من أن يدافع عن كل الأفكار التي كتبها، لماذا؟ لأنّ دور الجامعة هو إبراز قدرات الطالب الفكرية الحرّة التي ينتجها وفق رؤيته الخاصة، ففي المرحلة الجامعية، يخرج الطالب من كونه متلقّياً إلى دارس وناقد ومنتج للأفكار. لذلك أحب لكم أن تنطلقوا في علمكم لتحصلوا على الدرجات العالية التي تمكِّنكم من إنتاج الأفكار.

ففي القرآن الكريم، ورد تأكيد العلم كقيمة كبيرة، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الزُّمر/9). وأكّد ذلك أيضاً نهج الأئمة(ع)، حيث أخذ الإمام علي بن أبي طالب(ع) الفكرة، وقال: «قيمة كل امرئ ما يحسنه». وهناك فقرة في القرآن الكريم، يوجِّه الله سبحانه وتعالى فيها النبي(ص)، ويوجّه الأمة من خلال النبي، إلى أهمية العلم، بقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه/114). وهذه الآية تشير إلى أنّه كلّما حصل الإنسان على درجة من العلم، فعليه أن يسعى إلى الدرجة الثانية، مع ملاحظة الظروف المختلفة لكلِّ شخص.

نحنُ نريد لإنساننا أن يمتلك القُدْرَة على ارتقاء درجات العلم، بحيث عندما يصل إلى درجة الدكتوراه لا يكتفي بذلك، بل يطمح إلى المزيد، بمعنى أن يكون عندنا طموح التقدم وطموح العلم. أيضاً قد نستلهم حركة الطموح والتقدم من فقرة ترد في أذان الشيعة، وهي: "حيَّ على خير العمل"، يعني أحسن العمل. هذه تذكّرنا دائماً بأنه يجب على الإنسان أن يُقبل على خير العمل؛ على خير العمل في العلم، وخير العمل في السلوك، وخير العمل في النشاط الاجتماعي، وهكذا.

أهلاً وسهلاً بكم، وأسأل الله لكم دوام التوفيق والنجاح في كل حياتكم إن شاء الله.

 

* سيدنا، بالإضافة إلى تحصيل العلوم العصرية، هل تنصحنا بالتعمّق في دراسة العلوم الدينية، أم يترك هذا الأمر لأصحاب الاختصاص في هذا المجال؟

- أنا أقول إنّنا نريد الإنسان المثقَّف، والمقصود بذلك، أننا بحاجة إلى الدراسة العلمية التي تؤهّلنا لأن نكون جيلاً يستطيع أن يشارك في تقدم الحياة من الناحية التكنولوجية ومن النواحي الأخرى، ولكن ليس هناك مانع من أن نتثقَّف ثقافة إسلامية، والثقافة الإسلامية لا تنحصر فقط بالحوزات، لأنّ بعض الحوزات قد تكون آخر من يملك الثقافة الإسلامية، باعتبار أنّها تعيش في جو تقليدي، كأنّها تعيش قبل 500 سنة، لجهة المسائل التي يتمّ البحث فيها.

ففي الثقافة الإسلامية اليوم، هناك الكثير من الدراسات ومن الكتب التثقيفية، أيضاً عندنا بعض الأشخاص الطليعيين في هذا المجال، مثل: السيد محمد باقر الصدر والشهيد مطهري، وهم قدموا للثقافة الإسلامية نتاجاً مهماً يستطيع كل إنسان عنده ثقافة أن يقرأه.

أنا أقول يجب على الإنسان أن يتثقَّف ثقافة إسلامية لأنها أعمّ، فهي تشتمل على كل ما هو علمي، وعلينا أيضاً أن نتثقَّف ثقافة سياسية، بمعنى أن نمتلك القدرة على دراسة خلفيات الحدث، مثلاً: من أين أتى؟ وكيف؟ أن يكون عندنا ثقافة إسلامية، يعني أن يكون عندنا قراءات؛ قراءات للكتب، فالسيد محمد باقر الصدر عندما كتب "فلسفتنا" و"اقتصادنا"، انطلق من خلفية فكرية ثقافية واسعة الاطلاع على كل ما أنتجه الآخرون من أفكار، وهذا ما مكّنه من نقد نظرياتهم، وكذلك الشهيد مطهري في بعض القضايا الاجتماعية. لذلك لا بد من أن نكون مثقّفين علمياً، مثقّفين سياسياً، مثقّفين اجتماعياً ومثقّفين إسلامياً في كل شيء نستطيع أن ننطلق به. ونحن في أدبياتنا الإسلامية ننطلق من مبدأ "منهومان لا يشبعان؛ طالب علم وطالب مال"، فكما أنَّ الإنسان يحتاج إلى الطعام ليتمكَّن من الاستمرار في الحياة، كذلك هو يحتاج إلى الطعام الثقافي والطعام الاجتماعي والطعام السياسي.

* باسمي وباسم أخواني نشكر سماحتكم على استقبالكم إيّانا.

- أنتم أولادي وأبنائي، لأنّ الأبوَّة هي الأبوَّة الروحية، وأنتم عشتم معنا في طفولتكم، لقد عشت عدة أجيال تقريباً من أربعين سنة وأنا أقول لكم إنّ محبتي لكم كبيرة ومسؤوليتي عنكم كبيرة أيضاً.

· محاضرة لسماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله أمام وفد من طلاب كلية العلوم الفرع الأول ـ الجامعة اللبنانية.10-5-2007م 23 ربيع2 1428 هـ