قضايا فكرية > وفد «عاميّة شباب لبنان 2006».

التوحّد بالمعنى الإنساني

كلمة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، خلال استقباله وفداً من طلاب ومدراء المدارس، الذين قدّموا وثيقة (عامية شباب 2006) للعيش المشترك في لبنان، وهذا نصّ الكلمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

أحبّ أن أرحِّب بكم، أساتذةً وطلاباً ومسؤولين عن المؤسسات التربوية، باعتبار أنّ القضية التي لا بد من أن نعيشها، هي أنسنة الإنسان؛ أن نعيش إنسانيتنا في إنسانية الآخر، وأن نحرّك إنسانيتنا لنؤنسن الوطن، لنؤنسن الفكر، لنؤنسن السياسة، لنؤنسن الاجتماع، لأنه إذا أعطينا كل هذه الخطوط المعنى الإنساني الذي يمثل القيمة الروحية التي تعيش في عمق الإنسان؛ في روحه، في إرادته، وفي حركته، فإننا نستطيع أن نوحّد بالمعنى الإنساني كل هذه التنوّعات، لأن التنوّع في الواقع الإنساني لا يعني انفصال نوع عن نوع، بل إن التنوّع يعني التقاء كل هذه الأنواع على القاعدة المشتركة فيما بينها.

وأعطي مثلاً شعبياً على ذلك، هو ما نعيشه في حياتنا الجسدية، فالإنسان ليس صورة واحدة، بل هناك رأس وعينان وفم ويدان ورِجلان. إذاً يوجد تنوّع في الجسد الإنساني، ولكن هذا التنوع استطاع أن يحقق وحدةً للإنسان، فأصبحت كل هذه التنوعات التي تحمل كل واحدة منها خصوصية معينة، وعنصراً معين، أصبحت كل واحدة تعطي الآخر حاجته منها.

وهكذا نحن نعيش ونلتقي في تنوعاتنا الإنسانية، سواء كانت هذه التنوعات تنوعات قومية أو عرقية أو دينية. وهذا ما أكّده تعالى في القرآن الكريم بقوله: {إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} (الحجرات:13)، فكل شعب يعطي خصائصه وتجاربه للشعب الآخر، فيكون التعارف من خلال التجربة التي يمنحها شعب لشعب، وقبيلة لقبيلة، أي من خلال الانفتاح على التجارب المتنوعة، والعناصر المتنوعة في الواقع الإنساني، وتبقى القيمة العليا للإنسان هي: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات:13).

لذلك نقول، إنّ هذا التجمع الذي تمثّلونه في مدارسكم، يعطي عنواناً كبيراً، هو عنوان لبنان الذي يتميز عن كل المنطقة، بأنه يمثل التنوع الديني فيما هي القيم الدينية التي تتنوع في خطوطها في اللاهوت، ولكنها تلتقي في الخط المشترك في القيمة، بمعنى أننا عندما ندرس المسيحية والإسلام، نجد أن هناك بعض المفردات في اللاهوت المسيحي تختلف عما هي في الإسلام، لكن عندما نأتي إلى القيمة الإنسانية، فلن نجد اختلافاً في ذلك بينهما، فليس هناك صدق مسيحي يختلف عن صدق إسلامي، ولا هناك أمانة مسيحية تختلف عن أمانة إسلامية، ولا توجد عندنا عفة مسيحية تختلف عن عفة إسلامية، فكل قيمنا واحدة، وليس هناك قيمة في المسيحية تختلف عمّا هي في الإسلام.

ونحن في عيشنا في المجتمع لا نعيش اللاهوت، فاللاهوت هو حالة ينطلق فيها الإنسان من خلال ذاتياته في علاقته بالله تعالى، ولكننا عندما نلتقي في المجتمع، نلتقي من خلال القيمة الأخلاقية والروحية والإنسانية، التي تجعل أي واحد منا هو الآخر. وفي الحديث النبوي: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، ويكره له ما يكره لها»؛ بمعنى أن يتقمّص الآخر، يتقمّص فكره وروحه ومشاعره وأحاسيسه، فيعطيه ما يريد أن يعطيه إياه.

لذلك، نحن نشترك في القيم الإنسانية، سواء كانت أخلاقية أو روحية أو اجتماعية، وهذا ما ينبغي لنا أن ننفتح عليه عندما يحاول البعض أن ينصب الحواجز بيننا من خلال الطائفية. أنا أقول إنّ الطائفية ليست ديناً، هي عشائرية وقبلية. أنتم تعرفون ونحن نعرف أنّ بعض الطائفيين ملحدون، قد يحكي أحدهم بالإسلام، ولكنه لا يؤمن بالإسلام كدين، وقد يتحدّث آخر بالمسيحية، ولكنه لا يؤمن بها كدين، هناك فرق بين الدين والطائفية. ولذلك كنت أقول أن مشكلة لبنان ليست الدين، بل هي الطائفية، أي هي اللادين الذي يتمثل في الطائفية.

وهذا البلد الذي يمتد حضارياً إلى آلاف السنين، ويمتدُّ روحياً إلى تنوعات عاشت في المنطقة، استطاع أن يعطي المنطقة الكثير من الغنى كما أغنى أهله، فنحن نعرف أنّ الذين قادوا مسيرة الصحافة والفكر في مصر وغيرها من البلدان العربية هم اللبنانيون. لذلك علينا أن نحافظ على هذه الخصوصية في لبنان، وهي أنه وطن يفكر، ووطن يبدع؛ يبدع في الفكر وفي التجربة وفي الحركة، وخصوصاً عندما ننطلق في مجال التربية، وقيمة التربية أنها تنفذ إلى عقل الإنسان لتصنع معادلاته الفكرية، بحيث تجعله يقف أمام الفكرة بعيداً عن الذات، فلا يوجد ذات، ولا أناس آخرون، بل هناك فكر يحاور فكراً، فكرٌ يصارع فكراً، والإنسان عندما يقرأ ويفكر ويدرس ويحاور، فمعنى ذلك أنه يعيش مع العقل ومع العلم، وهذا هو الذي يرتفع به في الحياة.

وأنتم كطلاب وكأساتذة، تقرأون المادة وتدرسونها وتناقشون فيها. لذلك وصيتي هي أن نُبعد عن المناخ التربوي، كل التعقيدات الطائفية التي يمكن أن تشغلنا عن أصالة الفكر وعن انطلاقة العلم، لأن العلم يعطينا انطلاقة الأفق الرحب، والفكر يعطينا امتداد في العالم الأوسع، لكن الطائفية تدخلنا في الزنازين. العلم يعلّمنا المحبة، ونحن نقول ما قاله السيد المسيح، بأن الله محبة، هذه المحبة فيها محبة العقل الذي يحب فينتج الفكر، والقلب يحب فينتج العاطفة، والكيان الذي يحب فينتج العدالة والإبداع.

المحبة ليست حالة شعورية تنطلق من الإنسان، بل هي أمرٌ يشمل الكون كله؛ إنّ الله أحبّنا فخلقنا ورزقنا ورحمنا، أحبّنا ففتح لنا آفاق الدنيا على الخير وعلى العدل، وفتح لنا آفاق الآخرة على أساس أن نعيش عنده ومعه. لذلك نحن نعتقد أن ما وقَّعتم عليه في هذه المواد والبنود، يمثل ما يمكن أن يرتفع بلبنان إلى أن يكون وطناً للجميع.

نحن نقول، إنّ الطوائف في قواعدها الفكرية والروحية هي غنى للبنان، والنظام الطائفي هو فقر للبنان. لذلك كنت ولا أزال أدعو إلى المواطنة؛ أن أعيش في هذا البلد كمواطن في حقوقي وواجباتي، كمواطن ألتقي مع كل المواطنين على أساس أننا ننطلق من بلد واحد ونتنفّس هواءً واحداً ونعيش في كل هذا الجمال الذي نريده أن يضيف إلى جمال الطبيعة جمال الروح، وأيضاً، إذا كان للسياسة جمال، أن نضيفه إلى جمال السياسة، ولكن مع الأسف، يحاول الكثيرون دائماً أن يدخلوا السياسة في عالم القبح، وما يجب أن نعمل عليه، هو أن تكون السياسة من أجل الإنسان، ومن أجل العدل والحرية ومن أجل الخير للإنسان كله.

أسئلـة الحضور:

* شكراً سماحة السيد على استقبالكم لنا، وهذا مصدر فرح وشرف لنا، السؤال هو: كيف ترى دورنا في هذه الحياة؟

ـ نحن دورنا هو أن نغيّر الواقع، وعندنا تجربة في ذلك كبشر، فنحن ولدنا وكنا في دور الرضاعة، ثم دور الطفولة، وانطلقنا من تغيير إلى تغيير، التغيير يمكن أن يكون من خلال أهلنا، من خلال مجتمعنا، من خلال المدرسة، ومن خلال تجربتنا، ولكن تبقى قيمة الإنسان هي الحركية، العقل المتحرك، العقل الذي لا يعيش في دائرة ضيقة، فالله عندما خلق العقل خلقه حراً، وقال له فكّر كما تريد، ولكن تحمّل مسؤولية ما تفكّر فيه. كذلك عندما أعطانا قلوبنا التي تختزن المشاعر والعواطف، قال أحبّوا من تريدون، ولكن ليكن حبكم معقْلَناً.

أنا دائماً أركّز على معادلة، وهي أنه لا بد من أن نعطي العقل جرعةً من العاطفة ليرقّ ويلين، وأن نعطي العاطفة جرعةً من العقل ليتوازن. لذلك نحن نتغيّر، فنحن الآن في هذه السن لم نكن كذلك من قبل، وقد تغيَّرنا، إما من خلال مبادرتنا، أو من خلال مبادرات الآخرين. كذلك عندما يصبح عندنا أولاد أيضاً، فإننا نتغير في الأبوّة أو في الأمومة. لذلك علينا أن نغيّر الواقع، أن ندرسه ونخطّط له، أن ندرس السلبيات والإيجابيات، وأن نفتح قلوبنا على من نختلف معه، لا أن تبقى قلوبنا مفتوحة فقط لمن نتفق معه. أنا أقول دائماً، إنّ علينا أن ننطلق من مبدأ الاعتراف بالآخر، فإذا كان من حقي أن أختلف مع الآخر، فمن حق الآخر أن يختلف معي، هذا ما نفكر فيه.

* سماحة السيد، بالنسبة إلى المشروع الذي قمنا به، كان مشروعاً جميلاً واستفدنا منه، ولكن أحب أن أسألك، ما هي الخطوة الثانية التي تنصحوننا بالقيام بها؟

ـ هذه التجربة التي عشتموها، والتي تنطلقون فيها مع المرجعيات التي تسمى روحية، هي تجربة جيّدة، مع ملاحظة أنّه لا يوجد عندنا مرجعية روحية ومرجعية مادية، فالإنسان إنسان، لا يوجد إنسان هو روح وإنسان هو مادة، ورجال الدين هم رجال مثل بقية الناس، يملكون ثقافة دينية فقط، ونحن نحترمهم ولكنهم ليسوا الدين. لذلك أرى، مع تأكيد احترامنا لهم، أنّ علينا أن ننتقد كل إنسان نقداً موضوعياً؛ ننقد فكره وحركته، فهو ليس مقدّساً، الله هو المقدّس، الأنبياء هم المقدّسون، وغيرهم لا أحد مقدّس، ومثلما أفكر أنا وقد أصيب أو أخطىء، فإنّ رجل الدين أيضاً يصيب ويخطىء. إنّ مشكلتنا هي في تقديسنا لرجال الدين، لأننا عندما نقدّسهم نقدس أخطاءهم. ونحن عندنا فكر والآخرون عندهم فكر، وينبغي أن يكون فكرنا حراً.

لذلك أنا أقول، إنّ الخطوة الثانية بالنسبة إلى هذا التجمع، هي أن تنطلقوا مع الناس، لا أن تنطلقوا إلى العناوين الكبيرة للمجتمع، بل أن تنطلقوا إلى الإنسان، إلى العامل، إلى الفلاح، إلى الرياضي، إلى كل إنسان نتحدث معه، لأن هؤلاء هم الذين يحفظون البلد، وليس أصحاب العناوين الكبيرة الذين يسكنون في أبراجهم العالية. أنا أقول عندما يتحدّثون عن الحوار المسيحي ـ الإسلامي، أقول لهم إن اللبنانيين حاوروا بعضهم بعضاً وأخذوا النتائج، وبقي من هم في الأبراج العاجية يسألون مَنْ يحاور مَنْ؟ وما هي شروط الحوار؟ الناس يعيش بعضها مع بعض، يتشاركون بالتجارة، بالفلاحة، بالعمل، يعيشون حواراً عملياً صحيحاً، ولكن بعض الناس يريدون أن يعقِّدوا الحوار، بأن يفرضوا شروطاً له ليست إنسانية. أنا أقول انطلقوا مع الناس، مع كل الناس، وأيضاً انطلقوا مع كل المدارس، فلا تطيِّفوا المدارس، ولا تحاولوا أن تعقّدوها. صحيح أنّ من حق كل إنسان أن يكون له رأيه السياسي، لكن يجب علينا عندما نختلف سياسياً أن نتحاور، لا أن نتقاتل، أن يكون التنافس بيننا فكرياً، ثقافياً.

* في عام 1992، كنت أحضر مؤتمراً حول تعليم المرأة في اليونيسف في نيويورك، أتى شخص لبناني لي بجريدة وقال لي: هل قرأت مقالة السيد فضل الله؟ قلت له: لا، أنا لا أنتبه لهذا الأمر، قال لي: أحب أن أخبرك أن الصحيفة التي ينزل فيها تصريح أو مقال للسيد فضل الله يباع منها في أمريكا ثلاثة أضعاف ما يُباع عادةً. منذ ذلك اليوم، وأنا أتابع وأقرأ مقالاتك في الجرائد. إنني أتمنى أن يبقى صوتك صوت الناقد وصوت الإنسان.

ـ أحب أن أقول لكم، منذ انطلقت في العمل العام، لم أحمل في نفسي عقدة ضد أي إنسان أختلف معه، أنا أؤمن بحرية الإنسان في أن يفكر، وبأن الحوار هو الأساس الذي يجمع إنساناً بإنسان، ولذلك أنا لا أفكر في الزوايا الضيقة، وأحاول، ولا أدري إذا نجحت المحاولة، أن أفكر في الأفق الواسع، أنا أريد أن أفكر في علاقة المسألة السياسية اللبنانية بالدائرة الإقليمية، بالدائرة الدولية، لأن لبنان بكل أسف، هو الساحة التي تتحرك فيها كل الخطوط، حتى إنني كنت أقول أيام الحرب، إن لبنان هو الرئة التي تتنفس فيها مشاكل المنطقة، وكنت أقول أيضاً إنّ هناك ثلاث لاءات تحكم لبنان: لا تقسيم، لا انهيار، لا استقرار.

* سماحة السيد، عندما زار البابا لبنان، قال لنا: لبنان هو رسالة، ونحن كشباب وصبايا هذه هي رسالتنا، جربنا أن نوصلها قدر الإمكان إلى الزعماء الروحيين الكبار في لبنان، وأحب أن أعرف أنّه إذا وصلت هذه الرسالة التي يحملها الشباب والصبايا إلى خارج نطاق لبنان، فماذا سيكون جوابهم عليها؟

ـ عنوان الرسالة هو عنوان كبير، فهناك الرسالة الروحية التي تمثل القيم الروحية التي تحملها الأديان، وهناك الرسالة التي تحاول أن تحرك مسألة الانفتاح الإنساني على الإنسان، والرسالة التي تنطلق من التنوع الإنساني والفكري والاجتماعي الذي يمكن أن يقودنا إلى الحوار، والرسالة التي لا تعيش في داخل دائرة ضيقة، بل تنفتح على العالم. لذلك نحن نقول، إنّ لبنان كان قبل الاستقلال وبعده، البلد الذي يتحرك من أجل أن يحل مشاكل المنطقة، ومع الأسف، فإن السلبيات التي أحاطت بوضعنا السياسي، والتطورات التي حدثت في المجتمع، جعلت الآخرين، كل الآخرين، سواء كانوا في المنطقة أو في خارجها، جعلتهم يعبثون بلبنان، دون أن يعنيهم أبداً حلّ مشاكله، وحتى إذا عملوا على حلّ مشكلةٍ ما، فإنهم يحلّونها على طريقتهم الخاصة، وبما يخدم مصالحهم الخاصة أيضاً.

أن نكون رسالة، أن نحاول العيش في داخل إنسانيتنا، وأن نعرف أنه لا يحل مشكلة اللبناني إلا اللبناني، ولكن علينا أن نعمل على أساس كيف نفتح عقولنا لبعضنا البعض، وكيف نفتح قلوبنا لبعضنا البعض، وكيف نعتبر أن التنوع الديني لا يمثل مشكلة، بل إذا استطعنا أن نؤصِّل الخط الديني في قيمه الروحية، فإنه يكون الحلّ ولا تكون هناك مشكلة.