|
قضايا
فكرية>
الموضوعية في خط الشخصية الإسلامية
الموضوعية
في خط الشخصية الإسلامية*
العلامة
المرجع
السيد محمد حسين فضل الله
ربما
كانت مشكلة الواقع الإسلامي في حركة
المجتمع في قضاياه ومشاكله، هي تلك
المساحة الكبيرة الفاصلة بين الانتماء
والوعي والممارسة ما يجعل من هذا
الواقع صورةً مشوّهة عن الإسلام، بحيث
إذا اجتذبتك إحدى الحالات في بعض
ملامحها، فإنها تبتعد بك في الملامح
الأخرى من خلال الازدواجية في جوانب
الشخصية التي قد تكون واحدة في التكوين
المادي، ولكنها متعددة في التكوين
الروحي والفكري والحركي، حتى يبدو
الكفر والإسلام كأنهما اجتمعا في صعيد
واحد، ليتجلى ذلك في هذا السلوك السلبي
تارة، والإيجابي أخرى، هنا وهنا.
تصحيح
الخلل وتكامل الشخصية:
فإذا
دققنا في أسباب ذلك، فإننا نجدها في
اهتزاز خطوط التربية الفكرية والعملية
المتنوعة تبعاً لتنوّع المستويات
الثقافية التي قد تتمثل في الذهنية
المتخلفة هنا، وفي الذهنية المعتدلة
أو المتقدمة هناك، سواء في المفاهيم
العقيدية أو الأخلاقية أو الاجتماعية
والحركية، ليفرض ذلك نفسه على منهج
التفكير، وأسلوب العمل وحركة
العلاقات، ما يجعل المجتمع يختلف في
تصوراته كما لو كان يتمثل في عدة
مجتمعات متضادَّة لا تلتقي في أكثر من
موقع، ولا تخضع لأية قاعدة. وقد عاش
المسلمون تحت تأثير واقع المذهبيات
المتعددة على مستوى علم الكلام وعلم
الفقه، بحيث تحوَّل كل مذهب إلى ما
يشبه الدين الذي يختلف أهله مع المذهب
الآخر كما يختلف الناس في الأديان
المتعددة، وتحولت كل حركة إسلامية إلى
كيان سياسي مستقل لا يلتقي بالحركة
الإسلامية الأخرى، حتى على مستوى
التنسيق الحركي، وربما نجد أن أتباع
هذا المذهب الإسلامي قد ينفتحون على
الأديان الأخرى أكثر مما ينفتحون على
المذاهب الإسلامية الأخرى، لأن
التكفير المتبادل هو العنوان الكبير
الذي يحكم العلاقات بينهما.
وهكذا
قد نرى الحركة الإسلامية الخاضعة
لأجواء معينة من التصورات والأساليب
لا تنسّق مع حركة إسلامية أخرى، بما
تقوم به مع حركة غير إسلامية على طريقة
حديث اليهود عن المشركين في قولهم كما
جاء في القرآن:{هؤلاء أهدى من الذين
آمنوا سبيلاً}[النساء/51].
وهذا
هو الذي جعل فكرة الوحدة الإسلامية بين
المذاهب والحركات بعيدة المنال، لأن
التفاصيل الجزئية استطاعت مصادرة
الكليات الأساسية العامة، بحيث تأكل
مسائل الخلاف كل مواقع الوفاق، حتى
يخيل إليك أنه ليس هناك مواقع لقاء،
كما أن العصبيات المذهبية أو السياسية
تطغى على العقل والوعي والتوازن،
فتتحول المسألة إلى حالة من التخبط
والفوضى بحيث تضيع كل خطوط القضية في
الركام الهائل من الانفعالات، فلا تجد
أمامك أيّ أرض صلبة تقف عليها، وأي أفق
واسع تنفتح عليه، وأي قاعدة للحوار
تنطلق منها، ما يبتعد بك عن الوضوح في
الصورة، والثبات في الموقع.
إن
المسألة الحيوية هي مسألة فقدان
الجدّية في الانتماء الإسلامي،
بالدرجة التي يتحسس فيها المسلم حاجته
إلى البناء الفكري القوي المتماسك،
الذي ترتبط فيه المفاهيم العامة
الأصيلة في امتدداتها الفكرية
والروحية وعناصرها الحيوية بالمواقف
الحاسمة في حركة السلوك الإنساني، من
أجل أن يكون الإنسان نفسه في روحه
وحركته، لا أن يكون غيره من الشخصيات
الطارئة عليه الداخلة إلى ذاته من دون
وعي من خلال المؤثرات الخفية التي تفرض
تأثيرها على نفسه، بفعل الأجواء
المحيطة به، والأوضاع المتحركة في
حياته، والانحرافات الضاغطة على وعيه،
في غفلته عن ربه ونفسه ومسؤوليته، بحيث
لا يملك التحرر من كل ما حوله ومن حوله
مما يبعده عن الخط المستقيم.
إن
الله يحدثنا في القرآن الكريم عن الخط
المستقيم، والصراط المستقيم، وعن
الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا،
ويوجهنا إلى الإستقامة في خط الدعوة
والحركة، لأن ذلك هو الذي يجسِّد
الوضوح في الفكرة وفي الخط والعمل، وفي
الوسيلة والغاية والمنهج، وفي الحركة
التي تربط بين البداية والنهاية.
وذلك
هو الذي يحدّد لنا هويّتنا الإسلامية
في العمق الإنساني، والانطلاق من
القاعدة الفكرية والخط العملي،
والشخصية الواحدة التي لا تكون مجمعاً
لعدة شخصيات مختلفة، فلا مجال في
الإسلام للشخصية الباطنية القائمة على
الكفر، والشخصية المتحركة في عناوين
الإيمان، أو الموقف الذي يقول كلمة
الإيمان ولكنه ينحرف عنها في موقع
الفعل، لأن الإيمان ليس كلمة في
اللسان، وليس مظهراً للسلوك من دون عمق
في الداخل، وليس شكلاً يفتقد المضمون.
إن
هدف الدعوة إلى الإسلام في خطوطه
العامة والتفصيلية والحركية في صنع
الشخصية الإسلامية، وعناوين الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، هو الوصول
إلى تنقيةٍ الإنسان من الداخل في وضوح
الفكرة، وإلى تربية إرادته وسلوكه في
قوّة الموقف، وإلى تأكيد التوازن بين
الظاهر والباطن والقول والعمل، وهذا
ما ينبغي للتربية الإسلامية أن
تستهدفه في مفرداتها العملية على
مستوى الخط والمنهج والمضمون.
وقد
أراد الإسلام للإنسان أن يكون المؤمن
الواعي لإيمانه، الذاكر لربه، المحاسب
لنفسه في عملية المراقبة الناقدة،
المجاهد لها في عملية التربية
بالمحاكمة والمقاومة، فإن ذلك هو الذي
يحاصر عناصر الانحراف ويقوي عناصر
الاستقامة، ويربط القول والفعل، ويؤكد
الانتماء في وحدة الشخصية على مستوى
الخطوط الفكرية والعملية.
وقد
ربط الإسلام في هذا الاتجاه بين ذكر
الله وذكر الذات في الجانب الإيجابي،
كما ربط في الجانب السلبي بين نسيان
الله ونسيان النفس، لأن ذكر الله ليس
كلمة تقليدية في اللسان، ولكنه وعيٌ في
التصور والإرداة، وإحساس في الكيان،
وحضور في الفكر والروح والقلب وحركة
الحياة، بحيث لا يرى الإنسان شيئاً إلا
ويرى الله معه، الأمر الذي يحوّل الذات
المؤمنة إلى ذات خاشعةٍ خاضعةٍ لله من
خلال موقف العبودية الخالصة أمام
الألوهية العظيمة المطلقة، ليقوى
الإنسان بالله ويكبر به، ويعتز بطاعته
ويتحرك بحوله وقوته، فيعيش التكبير له
في لسانه ليتمثل أنه الأكبر من كل
كبير، وينفتح على حمده على أساس صفاته
الحسنى وأمثاله العليا وآلائه العظمى،
وليسبِّحه بكرةً وأصيلاً، تدليلاً على
الإحساس بعظمته مما يتمثل من عظمة خلقه
الدالة على أنه العظيم الأعظم من كل
عظيم، والأعلى من كل أحد، وليشكره على
نعمه الممتدة في الإنسان كله والكون
كله والحياة كلها، وليستعين به في كل
أموره، ويوحِّده في العقيدة والطاعة
والعبادة، فلا يرى معه غيره مهما كانت
عظمته، لأنَّ كل مخلوق هو مربوب له،
ولأن كل قوي خاضع لقوته.
إنَّ
الانفتاح على الله هو العمق العميق في
الشخصية الذي يعمِّق سرّ القوة لحركة
التربية وفاعلية الإرادة في الإنسان
المؤمن، فكلَّما كان الاتصال بالله
أعمق، والإحساس بحضوره في الوجدان
أكثر، كلما كانت التقوى أكثر تأكيداً
وتأثيراً في النفس وفي الواقع، ولهذا
كانت الصلاة عمود الدين، لأنها تعرج
بروح المؤمن إلى الله وتعمّق إخلاصه له
وحضوره في قلبه، فيعيش روحية القرب
منه، فيخاطبه مخاطبة القريب للقريب
والحبيب للحبيب، فيستعيد في صلاته كل
عقيدته ومفاهيمه الروحية المنفتحة على
الحياة من خلال الله، وينطلق في الصوم
والحج والدعاء وغيرها من أساليب
العبادة، لتكون أسلوباً تربوياً
روحياً يأخذ بالإنسان نحو التقوى
والنهي عن الفحشاء والمنكر والورع عن
معاصي الله، والسمو الروحي والأخلاقي
الذي يزداد ارتفاعاً كلما تكرر في
الممارسات الإنسانية في الأجواء
العبادية الواسعة، ولكن ذلك كله يحتاج
إلى العيش الروحي في داخل الذات،
بالإضافة إلى الأقوال والأفعال
الصادرة من الإنسان.
وإذا
كنا نؤكد على التربية العبادية
الروحية في عناصر الشخصية الإنسانية
كقاعدة للارتفاع في أجواء القرب من
الله والحركة في خط الاستقامة، فإننا
نؤكد على التربية الأخلاقية المنهجية
التي تفتح عقل الإنسان على الإنسان
وعلى الحقيقة الموضوعية في حركة
المعرفة وأجواء الصراع.
الموضوعية
محور الشخصية الإسلامية:
ولعل
كلمة (الموضوعية) تختصر ذلك كله، سواء
في دائرة الفكر المتنوع أو في دائرة
العلاقة مع الآخر.
ففي
الدائرة الأولى، يبتعد عن الانفعال
والتعصب الذي يلتزم فيه الإنسان عقيدة
الآباء أو انتماءات محيطه العائلي أو
الحزبي من دون مناقشة، أو يخضع فيه
للعوامل الذاتية التي تؤكد له ذاته في
تأكيد الجمود على قناعاته من غير
مناسبة، فتكون النتيجة نظرةً محايدةً
إلى الفكر الموروث أو الذاتي، من دون
أن تكون له أية التزامات ذاتية تربطه
بالعناصر الحميمة في حياته، بحيث يقف
حراً أمام دائرته الفكرية كما يقف أمام
فكر الآخر بعيداً عن أية عدوانية حاقدة.
وفي
هذه الحال، يمكن أن يدخل الجدال مع
الآخرين بالتي هي أحسن، في الفكر
العلمي، والأسلوب الهادئ، والكلمات
الواضحة المتوازنة، والجوّ المنفتح،
لتكون المسألة فكراً يواجه فكراً لا
ذاتاً تواجه ذاتاً، فلا يشعر بإلغاء
نفسه عندما يقوده الحوار إلى إلغاء
فكره أو فكر أجداده من الحساب، كما لا
يفكر بإلغاء الآخر عندما يعمل على
مناقشة فكره بالحجة والبرهان كوسيلة
لإثبات خطأه.
وهذا
ما أكَّد عليه القرآن الكريم، في تقديم
الحجة إلى الآخرين من عناصر القوة في
تفكيره، وعناصر الضعف في الفكر
المضادّ، بالجدال بالتي هي أحسن، وقول
التي هي أحسن، والدفع بالتي هي أحسن،
التي تقود إلى القناعة الحميمة
المنفتحة على القناعة العقلية، وتؤدي
إلى الحصول على صداقة العدوّ من خلال
التأكيد على الدخول إلى قلبه
بالأساليب الإنسانية المفتوحة على
العقل والقلب معاً.
ويبلغ
القرآن الكريم القمة في الأسلوب
الموضوعي لحركة الحوار الفكري
الإنساني في قوله تعالى: {وإنّا أو
إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين}[سبأ/24].حيث
يساوي الإنسان الآخر بنفسه بالرغم من
اختلافه معه وقناعته بالخطأ في موقفه.
ولعل
حركة التربية الإسلامية في هذا
الاتجاه تجعلنا نعرف كيف نستمع إلى
الآخر وكيف نحترم فكره، ونتفهم
خلفياته النفسية والاجتماعية
والسياسية، لنطل على أفقه من الأفق
الرحب، الذي يجد العذر له في طبيعة
الموقف من خلال الظروف العامة أو
الخاصة المحيطة به، فلا نستعجل الحكم
بالخيانة والمروق والتعصب وغير ذلك
كعناوين سلبية في داخل شخصيته على أساس
موقفه، فلعلّ له عذراً في ذلك، تماماً
كما هي المسألة عندما نبرر لأنفسنا،
لنجد لها العذر عند الخطأ بعد اكتشافه.
وهذا
هو الذي ييسّر لنا سُبل اللقاء على
النقاط الواقعية المتناثرة في آفاق
الذات وفي ساحة الصراع، ويهيِّىء لنا
المناخ النفسي للقناعة بالفكر الذي
تقودنا إليه الحجة، كما يهيِّىء
للآخرين المناخ الذي نريده له كمنطلق
لقناعاته بنا.
وقد
يكون من إيجابيات هذا الموضوع، أنه
يجعلنا نعيش الجوّ الهادئ الواقعي
الذي نواجه به الفئات المضادة بالعقل
البارد، والوجدان المنفتح، لنقابل
الموقف بكل برودة وهدوء، فلا يملك أن
يدفعنا إلى الحماس المنفعل الذي يعمي
عيوننا الفكرية والروحية، لنقع في
الخطأ والاهتزاز الذي يبتعد بنا عن
التركيز في مناقشة الفكر، والتخطيط
للردّ، باعتبار أن الانفعال يجعل
صاحبه في حالة طوارئ نفسية لا يملك
فيها عقله، ولا يعرف كيف يقاتل عدوه،
بل يندفع كالثور الهائج ليحطِّم كل ما
حوله، فيتحطم بذلك من دون أن يشعر
بالنتائج السلبية في ذلك كله.
وقد
يكون من إيجابياته، أنه يفتح للإنسان
كل آفاق الفكر في نظرته إلى المفردات
الإيجابية والسلبية التي يمكن أن تركز
له كل وسائل الدفاع الملائمة عن فكره،
وكل عناصر الهجوم على الفكر الآخر،
باعتبار أن العقل الهادئ البعيد عن
الانفعال هو الذي يسمح للإنسان
بالتقاط كل المفردات الواقعية بكل
هدوء ووضوح، بعيداً عن الذهنية
الدخانية الحارّة التي تحجب عن
الإنسان وضوح الرؤية للأشياء.
وفي
الدائرة الثانية (العلاقة مع الآخر)،
تتميز المسألة بالتأكيد على ذهنية
العدل في دراسة الحقوق والواجبات،
باعتبار النظرة الحيادية إلى الذات
وإلى الآخر في موضوع العلاقة المعقدة
الناتجة عن نزاعٍ ذاتي أو عاطفي أو
سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، أو عن
وضع معين متعلق بصديق أو قريب أو مواطن
أو متحزب أو صاحب درجة اجتماعية أو
سياسية أو مالية رفيعة، فإن الكثير من
الناس قد يسقطون تحت تأثير العوامل
الذاتية الانفعالية التي تتخذ موقفاً
مضادّاً للحقوق الشرعية للناس لمصلحة
الذات أو الآخرين الذين ترتبط بهم
بعلاقة معينة أو تقويمٍ محدد،
فيتعصبون بشكل أعمى من دون مراقبة لله
في التزاماتهم الدينية أو العملية.
وهنا
يريد الإسلام للإنسان أن يكون
موضوعياً بالمستوى الذي يكون فيه
عادلاً، لأن العدالة تعني النظر إلى
المسألة من حيث طبيعتها الشرعية أو
الإنسانية بعيداً عن أي شيء آخر يتصل
بالعاطفة أو المصلحة أو العصبية أو غير
ذلك، وهذا ما نقرأه في قوله تعالى:
{وإذا
قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى}[الأنعام/152]
وقوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا
كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على
أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن
غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا
تتبعوا الهوى أن تعدلوا}[النساء/135].
وقوله
تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على ألاّ
تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}[المائدة/8].
وهكذا
نجد هذا الخط الموضوعي في النظرة إلى
القضايا المختلف عليها يتمثل في
الحديث الشريف: "لا يؤمن أحدكم حتى
يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويكره له ما
يكره لها".
والكلمة
المأثورة عن الإمام علي(ع): "يا بني،
اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك فأحب
لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره
لها".
وقد
عبر الإمام زين العابدين (عليه السلام)
عن هذا الاتجاه في النظرة إلى الموضوع
نفسه من دون تأثير لأية حالةٍ عاطفيةٍ
أو انفعالية في القرار الحاسم قال:
"اللهم
وارزقني التحفظ من الخطايا والاحتراس
من الزلل في حال الرضا والغضب، حتى
أكون بما يرد علي منها بمنـزلة سواءٍ،
عاملاً بطاعتك، مؤثراً لرضاك على ما
سواهما في الأولياء والأعداء، حتى
يأمن عدوي من ظلمي وجوري، وييأس وليّي
من ميلي وانحطاط هواي".
وهكذا
نقرأ الحديث النبوي الشريف: "إنما
أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق الشريف
تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه
الحد، والله لو سرقت فاطمة بنت محمد
لقطعت يدها". وفي كلمة الإمام علي(ع):"القوي
العزيز عندي ضعيف ذليل حتى آخذ منه
الحق، والضعيف الذليل عندي قوي عزيز
حتى آخذ له بحقه".
وفي
ضوء هذا، نجد أنَّ العدل ينطلق من
النظرة الموضوعية للأشياء وللأشخاص،
فلا ينحرف عن الخط على أساس القرب من
الشخص أو على أساس البعد، ولا يختلف
سلوكه بين صورة القوة والقدرة والضعف
والعجز. وهذا ما عبر عنه الحديث الشريف:
"إنما المؤمن الذي إذا رضي لم يدخله
رضاه في إثم ولا في باطل، وإذا غضب لم
يخرجه غضبه عن قول الحق، وإذا قدر لم
يتعاط ما ليس له بحق".
فلا
بد للإنسان المؤمن أن يربي نفسه على
ذلك، من خلال جهاد النفس بالخطة
الواعية التي ترصد كل خلجاتها
ونبضاتها وانفعالاتها وخلفياتها
المتنوعة، لتعالج ذلك كله بطريقة
إيمانية حاسمة، لتستقيم له رؤيته
للأشياء وعلاقته بالأشخاص، ومواقفه من
القضايا الكبيرة والصغيرة، ليكون
الإنسان الذي يواجه الفكر الآخر
بالطريقة التي يريد من الآخرين أن
يواجهوا بها فكره، والذي يتصرف مع
الناس بالروح التي يريد لهم أن يتصرفوا
بها معه.
وهذا
هو الذي يحفظ المجتمعات والمنظمات
والمذاهب والتيارات من الخلل والإرباك
والاهتزاز، ويجّسد لها قيمها
الأخلاقية والروحية، ليحولّها إلى
واقع حيّ في حركة القيمة على الأرض،
فلا يكون هناك ازدواجية بين الإيمان
والموقف، وبين القول والفعل وعلينا أن
نعمل في حقل الدعوة والإرشاد أن وضع
الخطط التربوية والإعلامية التي تهدف
إلى توجيه الأفراد في المجتمع،
والمجتمع في الأمة نحو هذه الخطوط، لأن
مشكلتنا في عالمنا الإسلامي هي أن
حركتنا في أكثر الاتجاهات الطائفية
والحزبية والقيادية كانت ـ ولا تزال ـ
خاضعة للعاطفة والانفعال والانحراف عن
خط الموضوعية في حركة الفكر
والممارسة، فهناك ظلم للخصم، وبعد عن
العدل مع القريب، فالعدو ـ في نظرنا ـ
على باطل دائماً حتى لو كان الحق معه،
والصديق ـ في نظرنا ـ على حق دائماً حتى
لو كان الحق ضده، لأن التربية تركز على
التعصب لا على الالتزام، وعلى الفئوية
لا على الإسلامية، وهذا هو الذي أدى
إلى فقدان الحوار الهادئ، والانفتاح
الموضوعي على الواقع بطريقةٍ ميدانيةٍ
واقعية.
توجيهات
اصيلة:
أيها
الأحبة..
إنني
أرجو لمؤتمركم هذا أن يدرس خط التربية
في عناصر الشخصية الإسلامية، من أجل
الوصول إلى خطة واقعية عملية تلتقي
فيها كل الخطوط التفصيلية القائمة على
الموضوعية، لا سيما في البلاد التي
تعيشون فيها في تنوعاتها البشرية،
وتعقيداتها السياسية وقيمها المادية،
ما يفرض عليكم أن تقدموا من أنفسكم على
مستوى الأفراد والمجتمعات مثالاً
للصورة الإسلامية لمشرفة التي تتحول
إلى أسلوب من أساليب الدعوة إلى
الإسلام، لأن الصورة تعتّبر عن الفكر
أكثر من الكلمة، ولأن القدوة توحي
بالصدق والجدية أكثر من النظرية.
إن
مسؤوليتنا عن الإسلام تفرض علينا أن
ندعو إليه بالحكمة والموعظة الحسنة،
وبالتجسيد الواقعي لقيمه في حياتنا
الذاتية وفي علاقتنا بالآخرين،
تطبيقاً لقول الإمام الصادق(ع):
"كونوا
دعاةً للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم
الصدق والخير والورع فإن ذلك داعية".
لتكن
الوحدة رائدكم في كل مواقعكم، لأنكم
إذا اختلفتم في بعض الخطوط التفصيلية
في الأساليب والوسائل، وفي تقويم حركة
الواقع، فإنكم تلتقون على الخطوط
العامة وعلى طبيعة علاقتكم بالواقع في
كل التحديات المضادة، حاولوا أن
تكونوا موضوعيين في النظرة إلى
أوضاعكم وخلافاتكم، ليكون الحوار
العقلاني سبيلكم للوصول إلى التفاهم
أو اللقاء.
لا
تعالجوا أموركم بالانفعال، وبالحقد
الشيطاني الدفين الذي يعشش في الصدور
من خلال وسوساته، ولا تفكروا بأن
خصوصيات الخلافات بينكم تخرج أياًّ
منكم عن الإسلام وتبعده عن الخط، فقد
يكون الإنسان الذي نعتبره مخطئاً
معذوراً في خطأه، فعلينا أن نساعده على
اكتشاف الخطأ، أو على التعرف إلى
إمكانات الصواب لديه.
اتقوا
الله في عباده وبلاده، واحملوا
مسؤوليتكم في القضايا الإسلامية
الكبرى، لأن هناك حملة صليبية
استكبارية تعمل على تشويه صورة
الإسلام الحركي وتقديمه إلى الرأي
العام من خلال صفات التطرف والتخلف
والتعصب والإرهاب، ومن واجبنا أن نقف
ضدها بالوسائل الجدية المنفتحة على
روح العصر وأساليبه.
إنني
إذ أحيي مؤتمر الجماعة الإسلامية ـ
التي هي أمانة الله في أعناقكم ـ أسأل
الله لكم الحفظ والرعاية والعناية
والتوفيق لخدمة الإسلام والمسلمين،
والنجاح في كل نشاطاتكم الثقافية
والتربوية، والتقدم في كل مشاريعكم
المتطلعة إلى الدعوة للإسلام والعمل
في سبيله.
وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
*(رسالة
عبر الفيديو وجهت إلى مؤتمر الجماعة
الإسلامية في أميركا بتاريخ 15/12/1994م ) |