قضايا مختلفة> حذارِ من الخلط في مفهوم الجهاد.. والعنف يجتذب العنف

حذارِ من الخلط في مفهوم الجهاد.. والعنف يجتذب العنف *

إجابات سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله على أسئلة صحافية تحدّث فيها عن أهم القضايا التي شهدتها الساحة العربية والإسلامية، وموقفه من التفجيرات التي شهدتها الدار البيضاء، وارتباطها بما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان المحتلة.

حرمة الاعتداء

* أصدرتم فور حدوث عمليات التفجير في الدار البيضاء فتوى اعتبرتم فيها الاعتداءات على المدنيين في المغرب "أعمالاً وحشية محرّمة شرعاً". ما الأسباب الموجبة التي حدت بكم للإسراع بإصدار هذه الفتوى التي تدين هذا النوع من الأعمال العنفية؟

- إنّ هذه الفتوى انطلقت من قاعدة فقهية إسلامية ترتكز على حرمة الاعتداء على المدنيين الأبرياء، حتى لو كانوا من غير المسلمين في غير حال حرب أو دفع عدوان، هذا بالإضافة إلى الأضرار التي تصيب الصورة الإنسانية للإسلام والمسلمين في نظر الرأي العالمي، ما ينعكس سلباً على حركة الدعوة الإسلامية والامتداد الثقافي والسياسي للإسلام في العالم. وهي في الوقت نفسه، تؤدي إلى إرباك المجتمعات الإسلامية في داخلها بقدر ما ترتبط بهذا البلد الإسلامي أو ذاك.

لهذا كله، رأيت من مسؤوليتي الفقهية الإسلامية المرجعية أن أبادر إلى توعية المسلمين ضد هذا الأسلوب من رد الفعل السياسي، وإعلان الموقف الإسلامي للعالم برفض ذلك كله.

ندعو إلى تأصيل المفاهيم الإسلامية في دائرة الرفق والعنف، ليعرف الشباب أن لكل دائرة منهما شروطها الشرعية والواقعية

المفهوم الضبابي للجهاد

* لقد دعوتم القائمين على شؤون المسلمين إلى القيام بحملة توعية ضد هذه الأساليب. هل لديهم أفكار ونصائح محددة بهذا الشأن، وخصوصاً أن الذين ارتكبوا هذا القتل المتعمد للمدنيين الأبرياء قد تجاوزوا كل الحدود والأعراف الإنسانية والخلقية؟

- إن هناك مشكلة في حركة الثقافة الإسلامية والتعليم الفقهي، وهي الخلط في مفهوم الجهاد الذي يخضع لشروط شرعية، سواء في الجهة الشرعية التي تصدره، أو في الوسائل التي يتحرك بها في نطاق العمل الدفاعي تارةً، والوقائي أخرى، والموقع الذي ينطلق فيه ثالثة... مع مراعاة المصلحة الإسلامية في إطلاق ذلك في الواقع، ولا سيما إذا أدى ذلك إلى إرباك الواقع الإسلامي على أكثر من صعيد...

على أن البعض حين لم يفهم المسألة بتفاصيلها الشرعية وامتداداتها السياسية، أطلق هذا المفهوم بطريقة ضبابية عشوائية، مستغلاً التوترات النفسية ضد الاستكبار ومواقعه، فدفع الشباب إلى القيام بأعمال عنف تجاوزت المحاربين إلى المسالمين، وغير المسلمين إلى المسلمين، وحال الحرب إلى حال السلم، في خلط بين الحرب الحارة القائمة على السلاح، والحرب الباردة السياسية القائمة على وسائل الصراع السياسي في عملية المواجهة والتغيير.

إننا ندعو إلى تأصيل المفاهيم الإسلامية في دائرة الرفق والعنف، ليعرف الشباب أن لكل دائرة منهما شروطها الشرعية والواقعية التي تختلف على مستوى النظرية والتطبيق، وإلى الأخذ بأسباب التقوى الواعية المنفتحة على الجانب الإنساني، وخصوصاً احترام الحياة الإنسانية. ونؤكد في هذا المجال على الوعي السياسي الذي يضع الأمور في مواضعها، وإلى التخطيط الدقيق للعمل في سبيل الإسلام، بحيث يتم الجمع بين حركة العقل في دراسة الأمور وحركة العاطفة في تحريك الخطة وفي تحديد درجة التوتر. إننا بحاجة إلى تجديد أساليبنا من أجل أن يفهم شبابنا الفكرة بوضوح، ومن أجل أن ينفتح فقهاؤنا ووعّاظنا على الواقع في موارده ومصادره، حتى لا يخطئوا مواقع التقوى والموعظة.

مشكلتنا مع "إسرائيل"

* هل تسري فتواكم على جميع المدنيين الأبرياء حتى من غير المسلمين، علماً بأن جزءاً من هذه التفجيرات استهدفت يهوداً مغاربة، كذلك مقارّهم وجمعياتهم، وهم يشكلون جزءاً من مجتمع هذا البلد الذي يعيشون على أرضه بسلام؟

ـ إن الله سبحانه وتعالى يقول: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}، ما يوحي بأن علينا المحافظة على أموال ودماء وأعراض غير المسلمين المسالمين، ولا سيما الذين يعيشون تحت سلطة المسلمين وفي عهدهم، حتى بالمعنى الاجتماعي للعهد، ولذلك فلا يجوز التعرض لغير المسلمين من المسالمين، بل لابد من الإحسان إليهم، والأخذ بمنطق العدل معهم، وليس من العدل مواجهتهم بالعنف في نفوسهم وفي مواقعهم، ماداموا لا يتحركون بالشر للإسلام والمسلمين أو يساعدون الأعداء على النفاذ إلى داخل الواقع الإسلامي بالسوء... ولابد لنا من التأكيد على أن مشكلتنا السياسية والأمنية ليست مع اليهود كأتباع دين، بل مع "إسرائيل" المغتصبة للبلاد الإسلامية.

* كيف تفسّرون نموّ هذه الظواهر الخطرة، المسيئة للإسلام والمسلمين؟ وماذا يستهدف، برأيكم، الذين يقفون وراءها ويشجعونها ويدعمونها، خصوصاً في هذا الوقت بالذات؟

- إنني أتصوّر أن هذه الظاهرة ترتكز على أمرين؛ الأمر الأول، هو سياسة الاستكبار العالمي والأميركي التي تستخدم أساليب العدوان والقوة المدمرة ضد المسلمين والمستضعفين في العالم، وتمارس التأييد المطلق لإسرائيل ضد العرب والمسلمين، والتخطيط لتكون "إسرائيل" القوة الأولى الأقوى في المنطقة العربية والإسلامية، ما يؤدي إلى مزيد من التوتر النفسي والسياسي والاجتماعي والأمني في الوجدان الإسلامي، ويتم بالتالي تفجير كل هذا الغيظ بوسائل العنف بشكلٍ عشوائي.

الأمر الثاني يتمثّل بفقدان التوازن في الثقافة الإسلامية الفقهية والسياسية في وجدان الشباب المسلم، وذلك بفعل التوجيه الخاطئ من بعض الفرق والتيارات، الذين يأخذون بأسباب الجمود في فهم النص بطريقة حرفية بعيداً عن أبعاده ومنطلقاته، الأمر الذي يجعلهم يقومون بعملية توجيهٍ مضادّ لما تفرضه المصلحة الإسلامية، معتمدين على وسائل العنف باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتغيير.

وإننا نتصوّر أن مواجهة هذا العنف الإرهابي بعنف مماثل على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، سيؤدي إلى أكثر من مشكلة جديدة وإرهاب جديد، لأن العنف يجتذب العنف، ولأن الدماء تستقي الدماء، لاسيما أن المستكبرين يخططون لمصالحهم لا لإنقاذ المدنيين الأبرياء بنية طيبة، ما يؤدي بأساليبهم إلى حالةٍ تدميرية غير إنسانية.

نصيحتي للمغاربة

* لقد تركت فتواكم أطيب الأثر على كلِّ المستويات في المملكة المغربية، نظراً للجرأة والصراحة التي اعتمدتموها بالتعبير عن موقفكم على هذا النحو، في الوقت الذي تردد فيه الكثيرون وتريّثوا بانتظار الأضواء الخضر. هل من كلمة توجهونها في هذا الامتحان للشعب المغربي وأهالي الضحايا؟

ـ إننا ندعو الشعب المغربي، المسلم بغالبيته، المسالم بطبيعته، وأهالي الضحايا، إلى المزيد من الصبر والصمود، والوعي للحوادث المؤلمة في خلفياتها السياسية والثقافية ودراسة أسبابها، وعدم التحرك بعمليات ردّ الفعل المتوتر وأخذ البريء بذنب المجرم، واتهام الإسلاميين المعتدلين بعلاقتهم بالجريمة من دون أي دليل. مع ملاحظة مهمة، وهي أن بعض الاتجاهات السياسية عملت على توظيف هذه المسألة في عملية الصراع السياسي الداخلي ضد الإسلاميين الذين يملكون الامتداد في الواقع الإسلامي في المغرب.

إننا ندعو إلى العقل في مواجهة هذه الكارثة، لأن فقدان التوازن العقلاني في الحركة وفي ردّات الفعل، سيؤدي إلى نتائج سلبية أكثر خطورة من الحدث نفسه، بفعل السنّة التاريخية التي أودعها الله في المجتمعات.

الاستكبار ليس جمعية خيرية تقدم المساعدات بل قوة استغلالية للاستفادة من آلام الشعوب

أمريكا ليست جمعية خيرية

* ذكرتم أن مثل هذه العمليات تفتح الباب أمام المستكبرين للتدخل في شؤون المسلمين والسيطرة على مقدراتهم الحيوية، ما يعني تواطؤ هذه التيارات المتطرفة، بعلم أو بغير علم، والعاملة باسم الدين، مع هؤلاء المستكبرين. هل هذا ما أردتم الإشارة إليه في البيان الذي وزعه مكتبكم في بيروت غداة التفجيرات؟

ـ لقد كنا - ولا نزال - نحذِّر من التخطيط الاستكباري في إضعاف القوة الإسلامية للمسلمين، وفي النفاذ من أكثر من ثغرة للدخول إلى مواقعهم الأمنية والسياسية كمدخل للسيطرة على مقدراتهم الاقتصادية والثقافية، تحت شعار مساعدتهم على حلّ مشكلاتهم والتعاون معهم لمواجهة الإرهاب، وذلك في دائرة الحرب ضد الإرهاب، التي هي كلمة حق يراد بها باطل. وهذا هو ما لاحظناه في الطريقة التي تدير بها الإدارة الأميركية الحالية الأمور في مواجهة التفجيرات الأخيرة، للمزيد من إرباك الوضع الأمني والسياسي في هذا البلد أو ذاك. إن الاستكبار ليس جمعية خيرية تقدم المساعدات للدول والشعوب المنكوبة، بل هي قوة استغلالية للاستفادة من آلام الشعوب.

العنف يجتذب العنف

* أكدتم دائماً أن العنف يجتذب العنف، وأن ما يسميه الرئيس الأميركي بوش الإرهاب، قد يتحول إلى جماعات متناثرة، لا يربط بينها أي رابط. هل من الممكن توضيح هذه المعادلة - الإشكالية؟

ـ إن القضية تنطلق من قاعدة نفسية إنسانية، وهي أن هذه الجماعات تعيش هذه التوترات الحادة انطلاقاً من فكرة تعتبرها مقدسة، لا سيما فكرة الجهاد، باعتبارها فريضة إسلامية، بحيث تجد الموت في سبيل الله - بحسب فهمها لهذه القاعدة- شهادة يستحقّون عليها الجنة، وأن الهدف الذي يستهدفونه في إسقاط الكفر والاستكبار لا بد أن يحققوه في النهاية، وهذا ما يجعل التهم الموجّهة إليهم من قبل الأعداء فرصةً لرده بمثله، على أساس أنها حال حرب متحركة في كل مكان في العالم... وإذا كانت المسألة ترتكز على المفهوم الجهادي، فانها ستتحرك في نطاق القدرات الخاصة بعيداً عن أيّ تنظيم حركي أو حزبي، وهذا ما لاحظناه في القضية، التي لا تتصل بقضية القاعدة فحسب، بل هي قضية المناخ الفكري والروحي الذي يتحرك به هؤلاء الناس.

* مع استمرار الضغط على الفلسطينيين من دون تقديم أية حلول فعلية لهم، وفرض "سلطة احتلال" في العراق، وتأجيل قيام حكومة وطنية في هذا البلد إلى مدى غير منظور، هل تتوقعون أن تساهم هذه العوامل السلبية، التي تحمل في طياتها كل أشكال الهيمنة والظلم والتسلط والإذلال ونهب الثروات، في تأجيج أعمال العنف في كل مكان من العالم؟

- إننا نتوقّع أن تتحرّك الثورة الجنينية المتكافئة في نفوس الأمّة، من خلال القهر التاريخي والمعاصر في فلسطين الجريحة التي أدمنت الجرائم التي قام بها الاستكبار الأميركي مع حليفته "إسرائيل"، وذلك دون أن ننسى ما يتعرّض له العراق الذي كان ولا يزال ضحية السياسة الأميركية، سواء في حال النظام الطاغي البائد أو في حال الاحتلال، وهكذا في أفغانستان. وقد لاحظنا كيف بدأت المقاومة بشكل أو بآخر في العراق وفي أفغانستان، واستمرت في فلسطين... إن هذه الأجواء السيئة المدمرة التي صنعها الاستكبار الأميركي ومعه "إسرائيل"، ستخلق الكثير من التوترات التي قد تتحوّل إلى حركة عنف ومقاومة، ما يعني أن الانتصار العسكري لا يعني الانتصار السياسي، بل قد يتحوّل إلى هزيمة سياسية في نهاية المطاف.

ما أزال أشعر بالاستهداف الاستكباري وباستهداف قوى التخلف والخرافة

ما زلت مستهدفاً

* تعرّضتم في الماضي لعمليات إرهابية من قبل أجهزة مخابرات عالمية، استهدفت شخصكم، هل تعتبرون أن الأسباب التي دفعت بهذه القوى لاستخدام إرهاب الدولة، لا تزال قائمة؟

ـ ما أزال أشعر بالاستهداف الاستكباري من جهة، وباستهداف قوى التخلف والخرافة من جهة أخرى، لأنّ القضية لا تتصل بمرحلة معينة، ولكنها قضية فكر إسلامي أصيل مقاوم يواجه التحديات بالأسلوب الإسلامي الحضاري الذي ينفتح على قضايا الإنسان المعاصر ويؤمن بالحوار ولا يرى العنف وسيلةً وحيدة للتغيير، بل يرى أن للتغيير أكثر من أسلوب وموقع حسب الظروف الموضوعية المحيطة بهذه المرحلة أو تلك. لقد كنت وما أزال ضد الاستكبار العالمي، ولا سيما أميركا - ومعها "إسرائيل" - وضد الظلم للشعوب كلها وضد التخلف والخرافة، ولذلك فإني أنتظر الكثير من الأخطار التي تشمل إبعادي عن ساحة الصراع، ولكني سأستمر في الرسالة حتى الشهادة.

نشجع كل بادرة تعمل من أجل التقريب بين المذاهب والاتجاهات الإسلامية الفقهية

مع التقريب والوحدة

* درجت المملكة المغربية على تخصيص حلقات وندوات دينية طوال شهر رمضان المبارك من كل عام على دعوة المسلمين في كل أنحاء العالم للتدارس على أرضها من أجل إرساء التقارب بين المذاهب الإسلامية، وتحديداً بين السنة والشيعة. كيف تقيِّمون هذه المبادرة، وما هي توجيهاتكم لتفعيلها في هذه المرحلة بالذات؟

- إننا نشجع كل بادرة تعمل من أجل التقريب بين المذاهب والاتجاهات الإسلامية الفقهية والكلامية والفكرية، للوصول بهذه البادرة إلى إيجاد المناخ الملائم للوحدة الإسلامية، ونأمل ألاّ تكون مثل هذه البادرة مناسبة خطابية أو حوارية في مشهد معين، بل أن تتحرك من أجل المتابعة الواقعية لقراراتها وعلاقاتها ومفاعيلها، لتتجذّر في وجدان المشاركين في هذه الحلقات والندوات وأتباعهم.

إننا نرحب بكل مشروع وحدوي إسلامي في أي موقع من النشاط الإسلامي الثقافي العام، ونرى فيه عملية بداية لصنع القوة التي لا خلاص للمسلمين إلا بها.

* نشر في صحيفة "الوسط" البحرانية 7 ربيع الثاني 1424هـ  الموافق في 7/6/2003 ، في الوقت نفسه مع مجلة "غازيت دو موروك" الصادرة باللغة الفرنسية