أدب الإسلام والحياة  > أحبك يا رب

أحبك يا رب

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

أحبـك، يـا رب، حـب الحيـاة    يفيض عـلى جـانبيـها السـنـاء
وينسـاب ـ في وحيهـا ـ وحيك    الـذي سبـحت حـولـه الانبيـاء
يحـرّك في جـانحـّي الـطمـوح    فتـدفع خـطـوى إليـك السمـاء
ويلهبني الشـوق أن أقطع الـطريق    إلى حـيـث يـزهـو الـرجـاء
إلى حـيث ألـقاك في كـل روح    تـفـايض في مقـلتيهـا الصـفـاء
تعيـش لتـزهـو غـراس الـربيع    فيضـحـك في الحقـل ورد ومـاء
ويهمي الجمـال، كمـا انهلّ فجـر    يـرفـرف في شـفتـيـه الـرواء
فـأنت ـ يا إلهي ـ مع السـائرين    إلى الشمس حيث يـطوف الضـياء
ولستَ مـع الخانعـين الكسـالى    وإن بُـحّ منـهـم إليـك النـداء
ولـست لمـن يغـزلـون الهوى    لـذاتـك فـيـما يجـن الخـفاء
تهمـهـم أصـواتهم بـالخشـوع    ويشهـق ـ بـالحسـرات ـ الدعاء
وتحـضن أحـلامـهم جنـة الخلود    إلى حـيـث يـسمـو الـعـلاء
ولـكـنهـم يـقـتلون الحـيـاة    بـأفكـارهم.. وتسيـل الـدمـاء

دمـاء الـغـد الحـر، في وحشـة الـطـريـق، إذا مـا ادلـهـمّ المـسـاء

كـأنـك أوحـيت لـلأنـبـيـاء    بـأن يتـرك السـاحـة الأصفـياء
ويحـيـون دنـيـاهـم عـزلـةً    يهـدهـد وجـدانها الـكـبـرياء

ويـبقـى لنـا الـدرب مـهـما استـطال لـيكـتب تـاريخـه الأشـقيـاء

* * * *        

خـلـقـت الـحيـاة لـنـا دعــوةً إلى الـنـور يـحـملهـا الأولـيـاء

تُـلملـِم كـل نـجـاوى الهـدى    فيعـبق بـالحـب منـه الفضـاء
وقلت: استجيبـوا لـوحـي الحيـاة    إذا مـا دعـاكم لـه الانبيــاء
كلـوا الـطيبـات فـإن الـربيـع    لـكم زينـةٌ وشـذى وانتـشـاء
أحِـبـوا الجمـال فـإن حمحمـت    بـأحـداقـه لـذة واشـتـهـاء
ومـدَّت رؤى الشـر أوهـامـهـا    لتعـبـث بـالقـدس أنّـى تـشاء
فلا تركضـوا في صحارى السـراب    فمن أكؤس الطهر يـروى الـظمـاء
فقـد تـظمـأ الـروح في ملتقـى    الينـابيـع، أو يحتـويهـا الـعيـاء
وقـد ترتـوي في هجـير اللهـيب    مـع الحـق إن رشفـتـه الـدمـاء
هو الله سـر الجمـال الـطهـور    فـمـنـه الـربيـع ومنـه الـرواء

ومـن وحيـه: أن نـعيـش الجـمـال كـما عـاش في الجنـة الأتـقـيـاء

* * * *        

أحبـك يـا رب حـب الحـيـاة    تفجَّـر ـ في راحتيـها ـ العـطاء
فـمـنـك الـوجـود بكـل رؤاه    بـكـل ذراه ومـنـك الـرخـاء
وأنت نثـرت اخضـرار الـربيـع    عـلى الأرض فـاهتزَّ فيـه النـماء
ومنـك الشعـاع الـذي يستحـمُّ    عـلى ضـفتيـه الهـدى والهـنـاء
يـرفـرف في الفجـر نـوراً تثـير    لنا الـدفء منـه المعـاني الـوضـاء
وينسـاب في لـفـتـات المـسـاء    فيعـذب كـالحـلـم فيـه الهـواء
ونـعمـاك كـل انـطلاق الحـياة    يـطوف بـأقـداسهـا الاصفيـاء
وأنت الـذي تـمـنـح المتـعبـين    نـداك فيـذهـب فيـه الـعنـاء
ومـاذا أقـول: أأحـصـي نـداك    .. ويلهـث في مـقـلتيَّ الحـيـاء

* * * *        

أحبُّـك يـا رب، ربـاً غـفـوراً    غفـوراً كـما النور يـطوي الـظلام
كـشـلاَّل حُبٍ كينبـوع وحـيٍ    تـرقـرق فيـه الـرضـا والسـلام
كـما النعـميـات تـفيض تـرق    وتغفـو على هـدهـدات الغمـام
كـما أنت يـا رب أنت الـذي    تـعـاليت عـما يفيض الـكـلام
أحبـك حب السمـاح الضحـوك    يـضيء كـبسـمـة طفـل ينـام
فـأنـت ـ إلهي ـ للـمذنبـين    بلطفـك تغـسل رجـس الآثـام
تـهـدهـدهم بغـدٍ مـشـرق    يـسيـير بـوحي الهـدى لـلإمام
وتـوحي لهـم أن روح الجـنـان    لـكـل ضـمـير يحـبُّ الأنـام
لـكـل الخُـطـاة وإن هـوّمـت    خـطايـاهـم في جنـون الحـرام
لكـل الجُنـاة الـذين استـثـارت    غـرائـزهـم شـهـوات الـرغام
لـكـل الـذين تـطوف عـليـهم    شيـاطيـنهم في غـوىً واضـطرام
إذا ذكــروا الله فـي وعـيـهـم    كـشـعـلة نـورٍ تـؤجُّ الـضرام
إذا انفتحـوا لنـجـاوى الشـروق    لـتـوقظ بـالـدعـوات النـيـام
لـك اللطف يـا رب إنّـا جيـاع    ومنـك الشـراب ومنـك الـطعام

* * * *        

أحـبـك يـا رب لـستُ الـذي    يغيب بـذكـرك خلف الضبـاب
ويهمس بـاسمك هـمس الـذهـول    كـما الأفق يـرعش عنـد الغياب
يـغـني ويـرتـاع لـلعـاشـقـين    يغنـون للشمس خلف السحـاب
يعـيشـون بـاسمـك لهـو الصـلاة    ابتهـالاً يضيـع بسكـر الشـراب
ولكنني ألـتـقي بـالـضـحـى    مـع اسمك في خـطرات الشبـاب

بكـل المـعـاني الـتي تبـعـث الحيــاة اخـضـراراً بـقـلب الـتراب

بكـل الهدى السمـح يمتـد في القلـــوب ضـيـاءً كلمـح الـشهـاب

بكـل الينـابيع تـروي الصـحارى

   وتخـنق في الـدرب وحي السراب

بكـل العـطور التي تنـفـح الحقـــول عبيـراً... بـكـل الـرغـاب

* * * *        

من أجواء السفر في الطائرة بين طهران ومشهد في 1398هـ