أدب الإسلام والحياة  > مصرع الفجر

مصرع الفجر

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

أشرق الفجر... مثخناً بالجراحِ راعشاً: تحت مخلب السفّاح
يا لهول الصباح: ما ائتلق النو ر بأفق، إلاّ انطوى للنواح
وتغشَّاه من ظلام لياليه ضبابٌ يستلُّ زهو الصباح
كلما أومأت يداهُ... لنبعٍ يبعث الخصب في الربى والبطاح
واطمأنَّت به الحياة... تدير الكأس ملأى بنوره الوضاح
أومأ الليل للرمال لتجتاح صفاء السنا ولطف المراح
هكذا يبدأ الصباح ويهوي النسر، من وكره مهيض الجناح
حاملاً روعة السماء، وعيناه التفاتٌ إلى ربيع الكفاح

* * * *        

 

أيُّ نسر... هذا الذي استقبل الصحراء... بالنور والهدى والسماح
وجرى يستحثُّ قافلة الركب إلى رونق الضحى اللمّاح
ونشيد الإيمان ينساب من نجوا ه... كالحلم في جفون المِلاح
يلهب الشوط كلما ازورَّ عنه سابقٌ خشية اللظى والصفاح
... إنه الفاتح الذي يبعث الرحمة... في كل خافقٍ ملتاح
همَّه أنْ يمدّ أروقة النور سلاماً على الحمى المستباح
ويزف الإسلام للموكب الآتي نظاماً يموج بالإصلاح

* * * *        

أيُّ نسر... هذا الذي اقتحم القمّة... في غمرة الجهاد الصراح
واستثار الينبوع منها لينهلَّ ربيعاً على الرحاب الفساح
والشباب الطليق ملء جناحيه يُحيّي طلائع الإصباح
وعلى ثغره نداءُ حياةٍ تتهادى في عالم فيّاح
يملأ الحب روحها ويطوف الفكر في أفقها طليق الجناح
حيث لا البغي يحشد الهول في الأرض، ولا الظلم يزدهي بالسلاح

* * * *        

يا أمير الإسلام: نهجك حيٌّ خالدٌ في قرارة الأرواح
أنت أطلقت فنّه في رحاب الحق أنشودةً لكل صباح
وتلفّت نحونا... من وراء الدهر... تختط صفحة الإصلاح
لتعيد الحياة فينا... كياناً ثائراً في عزيمةٍ وطماح
يتخطى الطريق في زحمة الهو ل... وفي كفه لواء النجاح
ونظاماً للحكم، يصفع بالنو ر... قناع المهرّج السفاح
يتهادى ليفرش الدرب بالورد أمام المناضل الطمَّاح
فيرينا أنّ التعاون في العيش سلاح يُزري بكل سلاح
كلُّ فرد منّا أمام الضمير الحر، راعٍ لشعبه المسماح
ونذيرٌ إن قنَّع البغيُ وجهَ الحق، واختال بالفجور إباحي
هكذا كنت دفقةً من شعاع الله فاضت على نشيد الفلاح
فإذا أنت والسفينة في البحر... تمدُّ الحبال للملاَّح

* * * *        

يا أمير المؤمنين عادت ليالينا سكارى بخمرة الأقداح
الشعاع الذي سكبت بدنياها تلاشى في عاصفات الرياح
والحياة التي أثرت جناحيها بينبوع روحك النضَّاح
عثرت في السرى بأحلام ماضيها... فحنّت إلى كؤوس الراح
واستدارت إلى سرابٍ يطوف الوهم في برقه رقيق الوشاح
وتناست عهداً تَهلُّ حواشيه، بعطر النبوّة الفواح
حيث كانت عقيدةٌ تدع الصف جحيماً مرّوعاً في الساح
وقريشٌ في غمرة الحرب ترنو في ذهولٍ إلى نذير الكفاح
وإذا بالسماء تنفح بدراً بوسامٍ من آيها النفّاح
وإذا أنت تختم الفتح بالتكبير... رمزاً لروعة الإصباح

* * * *        

يا أمير الإسلام عاد لنا التاريخ... يروي حكاية الإصلاح
فإذا «المصلحون» بين فريقٍ يترع الكأس من دماء الأضاحي
وفريقٍ يختط خلف مباديه طريق النجاة للأرباح
... وكما تعهد الحياة جرى الدهر علينا ببؤسه المجتاح
فإذا نحن في متاهٍ من العيش، نُغذّي كياننا بالصياح
بين فقرٍ يستنـزف الدم في العرق... وجهلٍ يمتصُّ حُمرَ الجراح
ونفوسٍ ضعيفةٍ تتلوّى في خنوعٍ على سعير النواح
وكيانٍ ضحلٍ يَعُبُّ من الماضي بقايا ثمالة الأقداح
وخيالٍ تثاءَبت في مجاليه طيوف الأتراح والأفراح
ووقفنا على الطريق حيارى نتملّى تواثبَ الأشباح
ونناجي الطلول في وحشة الليل بألحان شاعرٍ صدّاح

* * * *        

ثم جاء الغريب في غفوة الماضي... وصمت العقول والأرواح
ورآنا، كما يروم، شياهاً تترامى على يد الذبّاح
ليس فينا من يحمل العمر في كفيه... قربى لنهضةٍ وصلاح
فمضى يحرث العقيدة في الليل بفكرٍ مدنّس فضّاح
ويرينا أنّا نعيش بأفيونٍ يشلّ الحياة في الفلاّح
وبأن الأديان لم تأت إلاّ لزمانٍ مضى دجي النواحي
.... وكما تعهد السُّرى هرع القو م... فكانوا فراشة المصباح

* * * *        

وأفاقوا من سكرة الوهم يرتا دون مرعاه في النهار الضاحي
فإذا هم في قفزةٍ تخنق الروح بحمَّى هجيرها اللفّاح
وحياةٍ لم تحتضن غير شوكٍ ينشد الريَّ من دماء الأقاح
ويميت النشيد إن بدأ الطير يزف الصباح للأدواح
هكذا نحن في الحياة... مجالٌ لسباق... وموردٌ لرباح
فاطّلعْ في رحابنا شُعلةً تَضرى وعزماً يُثير سمر الصفاح
وتألّقْ بأفقنا أملاً يبدو رقيقاً كالكوكب اللمّاح
فعسى أن نعود في مطلع الفجر... إلى فجرك الأغرّ الضاحي

* * * *        

في ذكرى مصرع الإمام علي (ع) النجف 6/9/1374 هـ