|
| |
|
|
أدب الإسلام والحياة > الإّتجاه الروحي في شعر السيِّد الإّتجاه الروحي في شعر السيِّد
ولنبدأ
من الاتجاه الروحي أو الشِّعر الديني عند
سماحة العلاَّمة السيِّد:
في
"قصائد للإسلام والحياة" اتّجاهٌ
شعريٌّ روحيٌّ، كان لتأثيرات المجتمع الذي
عاش السيِّد فيه أبعد الأثر في تكوينِهِِ
النّفسي، وصقل موهبته الشِّعريّة، ففي جوّ
الصحراء، وتحت لهيب الشّمس المحرقة كان
السيِّدُ يتوجّه ماشياً إلى مقام أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، وفي رحاب ذلك
المقام الشريف، كان المؤمنون ينتظرون
السيِّد الفتى اليافع والشّاب المنفتح على
آفاق الكون ليسمعوا دعاءه ومناجاته،
وتوسُّله بالله تعالى، ورجاءه أن يكون من
المغفور ذنبهم، المشكور سعيهم، والمستجاب
دُعاؤهم.
بهذه
الروحيّة العابقة بصدق الولاء، وقداسة
الإيمان، وتقوى المعرفة، حلّقت روح
السيِّد في عالمِ الملكوتِ، مستلهمةً منْه
كلّ معاني الجلال والعظمة والطهارة
والقداسة، فإذا بكلِّ المعاني السَّامية
من الرحمة والمحبّة، والاعتراف والابتهال،
والصلاة، والمناجاة، والهوى، والحيرة
والأمل، تتلبَّسُ هذا الإنسان السيِّد
الشّاعر، لتعيدهُ إلى عالم الواقع سِفْراً
خالداً عنوانه "مع الله". ومن
قصائِدِهِ:
"ربِّ
رُحْماك" ومنها:
ربِّ
رُحْمـَاكَ إنَّ روحي تذوي
وفؤادي يـذوبُ شيئاً فشيَّا
وأراني
أعيـشُ في غمرةِ الأوهامِ
ظمـآن لا أَرى لـي ريَّـا
ما
أنا، ما الحياة، ما الروحُ عندي
غيرُ سرِّ يبدو لـديَّ خفـيّا
لا
أرى في الحيـاة إلاَّ خـيالاً
مضمـحلاً تحسـُّهُ مقلـتيّا
* * *
ربِّ
رُحماك قد ضللتُ طريقي
والهدى فاهـدني صراطاً سـويَّا
أنا
مالي أسعى، وألتمس الدَّر
بَ ولا أبصـرُ الشُّعاع المـُضِيَّا
أنا
في حَيْـرةٍ أفكِّرُ في ذاتِـي
كأنـِّي أتيـتُ أمــراً فريـّا
أنا
يـَا ربِّ تائِـهٌ وغريـبٌ
لا يرى في الـحياةِ ورْداً هنـَّيا
*
* *
لقد
تساءل السيِّد عن سرِّ وجودهِ وحياته
وروحهِ، واشتاق رحمة الله العظيمة والتي
كتبها المولى العزيز على نفسه "كتب على
نفسه الرّحمة"، هذه الرحمة التي أملها
السيِّد في الزّمن الذي تشعبّت فيه السُّبل
وكثُرت فيه الأهواء، ليفكِّر في ذاته،
وليؤمن أنَّ التّيه والغربة والضَّياع درب
إلى اليقين الذي أحبـَّه وشغف به. ويقارنُ
السيِّد في ظلِّ روحيتهِ وعالمهِ الديني
بين آمالهِ وأمانيه وواقع الحياة التي رآها
ظلاماً يحقدُ على الحبّ، ويبني السُّجون
للقلوبِ الراغبة بالهناء والطمأنينة،
فيتساءلُ:
أنا
مـالـي وللمـحيـطِ فـكم
يجني على فـكرتي ويقـُسو عـليَّا
جئْـتُهُ
والـحياةُ تبـسِمُ نـحوي
والأمـاني تـمـوجُ بـينَ يديّـا
وشعـاعُ
الآمـال يبعـث في رو
حي شُعَاعـاً من المـنى عبـقـريّا
وشراعُ
الأحلام يخـفق في قلـبي
فيـوحي لـي الـخـيال السـنيّا
أتهاوى
ما بـين أحلامي البيـضِ
وأشـدو مع الـدُّجـى والثُـريّـا
فإذا
بـي أرى الحـياة ظـلامـاً
وصبـاحَ الأحـلام ليـلاً دجـيـَّا
والأماني
تموتُ في قبـضةِ الـحزن
وتـذوي علـى لـظـى شـفتيّـا
وأراني
أعيـش في سجـنه الـدا
جـي.. وحيداً بـين الأنـامِ شقـيّا
ربّ
رحماك أنت قـدرت لـي ذا
ك.. فهب لي إن شئت قلبـاً رضـيّا
* * *
ويهبُ
الله تعالى للعلاَّمة السيِّد قلب الإيمان
المطمئن الرضيّ، هذا القلب الذي لا زال
كروح السيّد طريّاً، أودع الله فيه روعة
الوحي، وبعث الشعور فيه رقيقاً، وسكب في
خلاياه الشّباب، فإذا بالسيِّد ينهجُ سبيل
الدُّعاء طريقاً إلى الله، ودرباً للخلاص
من أدرانِ الدُّنيا:
ربِّ
رُحـماك ما لقلـبي وللحز
نِ
ولمَّا
يـزل كروحي طـريَّا
صِغْتَهُ
من عصـارةِ الألم الـذا
وي فؤاداً من الأسـى شاعرياً
ثمَّ
أودعْتَ فيه من روعةِ الوحي
خيالاً عَذْبَ الـمواردِ حـيَّا
وبعثـتَ
الشُّعور فيـه رقيـقاً
وسكَبْـتَ الشَّبابَ فيـه فتيّا
فمضى
يصهرُ العـذابَ نشيداً
ويصوغُ الآهاتِ لـحناً شجياً |