أدب الإسلام والحياة  > في موكب الحَج

في موكب الحَج

العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

في الدُّجى هائِمُونَ ـ يا ربِّ ـ والصَّحْراءُ نُورٌ على الَمدى مَشْرورُ

والخُطى في الرِّمالِ يُغْرِقُها المَسْـرى. وَدَرْبُ الَحـياةِ سَمْحٌ يَسيـرُ

والصَّدى ـ ضائِـعٌ يُفَتّـِشُ عنْ آذانِ قَومِـي ـ بِلَهْـفَةٍ، ويَغُورُ

وبَقـايا التَّاريخِ تَلْهَثُ في الذِّكْرى ـ كمَا يَلْهَثُ الغَـدُ المذْعـورُ

* * *

في الدُّجـى هائِمُونَ ـ يا رَبِّ ـ والأَعيَنُ يَلْهُو بِها الفَراغُ الكَبيـر

ورِفـاقُ الطَّريقِ يَحْتَضِنونَ الوَْهَـم ـ يَقْتـاتُ مِنْ رُؤاهُ الشُّـعورُ

والخيالُ اللَّعـوبُ يَمْـرَحُ في الرُّوحِ فَيَجـْرِي عَلى خُطـاهُ المصِـيرُ

والشِّفـاهُ الَّتي تُغَنّـِي لنا في الفَـجْرِ ـ ألـوى بِشَدْوِها التَّزْمِـيرُ

* * *

إنَّنا خائِفُونَ ـ يا رَبِّ ـ يَمْتَدُّ بِنا الخوفُ ـ في المدى ـ ويَمُـورُ

يُولَدُ الخَوف في حكايـا السَّعالى السُّودِ في الجيلِ وهُو غِـرٌّ صغـيرُ

وَتَعودُ الغِيـلانُ تَمْرَحُ كالأَشباحِ ـ في وَعْيِـنا ـ ونَحْـنُ نَسيـرُ

وتَظَـلُّ الكُهـوفُ تُلْهِـبُ أوْهـامَ الدَّياجـي في دَرْبِـنا وتُثِـيرُ

* * *

إنَّنا خائِفونَ ـ يَهْزِمُـنا الخَـوْفُ إذا حَمْـحَمَ الصِّراعُ المريـرُ

تَلْتَـقِـينا إشـاعـةٌ فَتَهـزُ الرُّعـبَ فِيـنا فَيَغْـتَلي ويَفـورُ

وتَشِـلُّ الخُطـى ـ فَتَجْـمَدُ أفكارُ السَّرايا ويُطْبـقُ الزمْهَـريرُ

ثُمَّ يمْضي الزَّمانُ ـ يَرْوي حكايانا ـ وتُرَخى مِنْ بعدِ ذاك السُّتورُ

* * *

قَدْ يَخافُ السُّرى مِنَ اللَّيلِ ـ تَجْتاحُ هُدوءَ الحَياةِ فيهِ ـ النُّمورُ

غيـرَ أنَّ الخُطى تَظَـلُّ على الدَّربِ خِفافاً ـ تَرْعاهْ كَيْفَ يَسير

خُطْـوَةٌ ـ تَدْفَعُ القَوافِلَ لِلْفَـجْرِ ـ وأُخرى ـ يُثيرُها الَتفكـيرُ

لَنْ تَمـوتَ الحَياةُ ـ ما دامَ في الأعْماقِ فِكْرٌ حُرٌ وَقَلْبٌ جسُورُ

* * *

نَحْـنُ جِيـلُ البُكاءِ ـ يُغْرِقُـنا الدَّمْعُ إذا لَوَّنَ العُيُـون السرُور

وتُثِيـرُ الدُّمُوعُ أعماقَنا الظَّمأى ـ إذا الْتـاع بالأسى المَـأسُورُ

نَسْتَعيـدُ الماضي فَنَبْـكي ضحايـاهُ ـ وإنْ أزْهَرَتْ بِهِـنَّ القُبُورُ

وتُثـيرُ الغَـدَ المُـؤَّمـل بالأدمُـع تَشْتَـاقُ خطْـوَهْ وتُثِـيـرُ

* * *

يا ظِـلالَ الإسلامِ ـ في تَلَعـاتِ الوَحْيِ في مُلْتَـقى رُؤى الإيمانِ

هـا هُنا نَحْنُ ـ نَحْنُ مَنْ يَحْمِلُونَ الحقَّ رَمْزاً لِوَحـدَةِ الأديـانِ

ها هُنا نَحْـنُ في الرِّمـالِ الَّتـي عاشَتْ عليْـها طَلائِعُ الإحْسانِ

في سُهـومٍ يَجْتازُ في خطَراتِ الرُّوحِ ـ كلَّ المَكانِ ـ كُلَّ الزَّمانِ

* * *

ها هُـنا نَحْنُ ـ والحَجِيـجُ نِـداءٌ يَتـعالى لِلْـواحِدِ الدَيَّانِ

ربِّ.. لَبَّيـْكَ ـ أنْتَ نادَيْتـَنا ـ والغَيْبٌ طِفْلٌ مُجَنَّحُ الألوانِ

فأجَبْـنا مِنْ كُلِّ أعماقِنا البِيضِ ـ وَعِشْناكَ في الأيـادي الحِسانِ

وَخَشَـعْنا... إنَّا نَحُـسُّ بألْطافِـكَ في وَعْيِـنا بِكُـلِّ حَنـانِ

* * *

رَبِّ لَبَّيْـكَ لا شَريـكَ لَكَ ـ اللَّهُم ـ لَبَّيْكَ ـ في دَمِي وعِظَامي

لـكَ حَمْدِي ـ في كُلِّ حالِ ـ وَمِنْكَ النِّعمَةُ البكرُ في مدى الأيَّامِ

وَلَكَ المُلكُ ـ لا شَريكَ لكَ ـ اللَّـهُمَّ ـ يا ذا الجَـلالِ والإكْرامِ

ربِّ.. لَبَّيْـك ـ مِـلءُ قَلْـبِي وَرُوحي ونجـاوايَ في اللَّيالي العِظامِ

* * *

رَبِّ لَبَّيْكَ ـ كُـلُّ حَرْفٍ نِـداءٌ في عُرُوقـي للِنُّـور والإسْلامِ..

مَنْ أنا مَنْ أكونُ حتَّى أُناجِيكَ ـ وأدْعُـوكَ ـ مسْـرِفاً في مُقامي

أنْتَ ألْهَمْتَنِي النَّجاوى ـ وأفْضَلْتَ ـ وَزَيَّنْت ـ بالهدى ـ أحلامي

وبَعـَثْتَ الإيمـانَ في قَلْبِـيَ الدَّامي ـ فَغَنَّـتْ لِزَهْـوِهِ ـ آلامي

* * *

رَبِّ لَبَّيـْكَ ـ هَلْ أنـا أُوقِظُ النَّجْوى ـ هَلِ اللَّفظُ يَلتقي بالمَعاني

كُلُّ ما أرْتَجِيهِ ـ أنْ تَبْعَـثَ الرُّوحَ المُنَـدَّى في خاطِـري ولِساني

لأعِيشَ الصَّلاةَ نَبْعاً طَهُـوراً يَغْسـِلُ الحِقْـدَ مِنْ دَمـي وَجِـناني

وأُنادِيـكَ ـ يا إلهـي ـ من الأعْمـاقٍ حُرَّ الضَّميرِ ـ حُر البَيانِ

* * *

هـا أنـا طائِـفٌ بِبَيتِـكَ ـ وَالأعيـنُ غَرْقـى بِأدْمُـعِ الإيمانِ

والشِّفـاهُ الظِّماءُ ـ تَهْمِسُ بالذِّكْرِ حُـرُوفـاً مُعَـطِّراتِ المَعـانِي

لَكَأَنـي أُحسُّ ـ والصَّـوتُ يَنْسابُ لَـذيذاً كَغَفـْوةِ الوَسْـنانِ

بِرَبيـعِ الألطـافِ يَخْضـَرُّ في رُوحـي فَتَهتـَزُّ لِلْشَّذى الرَيّـانِ

* * *

ها أَنا طائِـفٌ ـ وما زالَتِ الأَصْواتُ تَنْسابُ في جَلالِ المَـكانِ

المحِبّـونَ.. يُنْشِـدونَ لَـكَ الحـبَّ بَعـيداً عنْ رَغْبَـةِ الإنْسانِ

هَمُّهُـم.. أنْ يُسَبِّحوكَ وَيحْيـونَ خُشـوعاً في نُـورِكَ السُّبْحاني

ويَظَلُّـونَ يَسبـحونَ مَعَ الأَمـواجِ ـ في بَحْرِ وَحْـيِكَ الرُّوْحاني

* * *

هـا أنـا طائِـفٌ بِبَيْـتِكَ ـ وامْتَـدَّتْ يَدٌ تَسْتَعيدُ مِنِّـي كيـاني

وَتَسامَيـتُ فَـوْقَ مَجْـرى أمانِيَّ ـ فَهَـذي رُؤاي فَوْقَ الأمـاني

مَـنْ أَنـا لَسْـتُ ذَلِـكَ الجَـسَدَ المُرْهـقَ بِالمُثْقَلاتِ مِنْ أدْرانِي

لَسْتُ ذاك الظِلَّ الَّذي يَتْـرُكُ الذِّرْوَةَ ـ خَوْفـاً ـ لِوَهْـدَة الودِيَانِ

* * *

أنا رُوحٌ ـ تَسْمو وتَهْفـو وتَحْيـا الحُبَّ وَالخيـرَ والضّحى باْفتِتَانِ

حَرَّرَتْـني نَجْـواكَ مِـنْ كُـلَّ قَيـدٍ قَيَّدَتْـني به يَـدُ السَجـَّانِ

وأفاضَـتْ عَلَـيَّ كُـلِّ شُعـاعٍ شَـعَّ كالنَّيراتِ في وِجْـدانِي

فَتَجَـرَّدْتُ ـ كالنَّسيمِ ـ كَلَمْـحِ الفَجْـرِ كالعِطْرِ في رُبـى لبنانِ

* * *

لَحْظَةً عِشْـتُها مَعَ الطُّهْرِ ـ يا ربِّ ـ ومِنْكَ الطُّهْرُ الَّذيَ يَغْشَاني

فَكأَنـي في جَنَّةِ الخُـلْدِ أحْيَـا ـ عَبْرَ نَجْـواكَ في ربِيعِ الجِـنانِ

جَنَّةُ الحبِّ.. أنْ أُناجي ـ وتَلْقـاني بِقـلْبٍ يفيـضُ بالإحسـانِ

أنا أدْعـوكَ بالـرَّجاءِ ـ وتُـوحِي.. لَكَ كُلَّ الرَّجاءِ يا مَنْ دَعانِي

* * *

هـا أنـا طائِـفٌ بِبَيـتِكَ ـ رَمْزِ الطُّهْـرِ في لَهْفَةٍ وَفي إذْعـانِ

وذُنـوبي خَلْفـي تُبَعْثـِرُ خَطْوي وتُثِيـرُ الَخفِـيَّ مِنْ أَشْجـانِي

ونِـداءُ الخُطـاةِ يَقْـرَعُ سَمْعـي ويَهـزُّ الدُّمـوعَ في أجْـفاني

رَبَّنا.. إنَّنـا عبيـدُكَ في بَيْتـِكَ ـ في شاطِـيءِ الهُـدى والأمان

* * *

هَل لنـا أن نعِيـش في حلـمِ العَفوِ وننـسى مَرارة العِصـيانِ

إنْ تُعَذِّبْ ـ فَنَحْنُ أهْلٌ لأنَّـا قَـدْ غَرِقْـنا في لُجَّـةِ الكُفـرانِ

غَيْرَ أنَّا نـراك في سُبُـحاتِِ العَفْـوِ أهـلَ الإحْسانِ والغُفْـرانِ

كُلُّ ما عِنـدَنا اْعتـِرافُ الخطـايا وَرَجـاءٌ لِلَفْـتَةِ الرِّضـوانِ