أدب الإسلام والحياة  > من وحي الميلاد النبوي

من وحي الميلاد النبوي

سماحة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

 نَبِِيَّ الأَحْرارِ.. حَرِّرْ نِـدَائِي مِنْ حَيَاةٍ.. مَخْنُوقَةِ  الأَصْدَاءِ
وَازْرَعِ النُّوْرَ في دَمِي.. إنَّ نَجْوَا يَ.. حُرُوفٌ مَغْمُوسَةٌ بِدِمَائي
وَتَعَهَّدْ روحيْ.. لأُبْصِِرَ ذِكْـرَا كَ.. بِفِكْـرٍ.. مُنَوَّرٍ.. بالسَّنَاءِ
فَأُحِسَّ الجَمَالَ.. والحَقَّ..والخَيْـ ـرَ.. يَنَابيعَ رَحْمَةٍ وإخَـاءِ
حَوْلَ تَرْنيمَةٍ.. تَطَلَّعُ مِنْ فَجْـ ـرِكَ.. رَمْزَاً لِيُقْظَةِ الصَّحْراءِ
مُـدَّني بِالحياةِ.. تَقْتَحِمُ الـ فَنَّ.. فَتَسْتَلُّ شُعْلةَ الأَضْـوَاءِ
فَلَقَدْ يَعْثِرُ البَيَانُ ويَجْتـَرُّ حَـ ـدِيْثَ الـرُّواةِ والشُّعَـرَاء
إنْ تَنَاءَى عَنِ الحياةِ.. ولمْ يَحْـ ـضُنْ بِكَفَّيْهِ.. رَائعاتِ السَّمَاءِ
*****
مُدَّني.. بِالحَيَاةِ.. تُبْدِعُ ميلا دَكَ.. فَجْرَاً مُعَطَّرَ الأَجْواءِ
يَسْتَحِثُُّ(1) الضَّبَابَ.. فِيْ وَهَجِ الشمسِ.. لِيَذْرُوْهُ في دُرُوبِ الفَنَاءِ
ويثيرُ الرِّمَالَ.. فِيْ لَهْفَةِ الصَّحْـ ـرَاءِ.. نَحْوَ انتفاضَةٍ هَوّْجَاءِ
وَيُحِيْلُ الأَرْضَ الجَدِيْبَةَ حَقْلاً.. مِنْ طُيُوفٍ.. وَمَوْجَةً مِنْ رَخَاءِ
وَيَشُدُّ القُوَى.. فَيَلْتَهِبُ الدَّرْ بُ.. وَتَضْرَى قَوَافِلُ البُؤَسَاءِ
خُطْوَةً خُطْوَةً.. وَأنْتَ تَقُودُ الرَّ كْبَ لِلْنُّورِ.. لِلأَمانيْ الوِضَاءِ
وَعَلَى مَفْرَقِ الطَّريقِ.. عَوَى البَغْـ ـيُ.. بِأَعْراقِ أُمَّةٍ عَمْيَاءِ
يَسْتَثيرُ الظَّلامَ والحِقْدَ.. والـ ـشَّرَّ.. لِيَطْوِيْ بِهَا لَهِيْبَ النِّدَاءِ
غَيْرَ.. أَنَّ النِّدَاءَ.. ما زال رَعَّا داً.. وما زَالَ صَارِِخاً بالدُّعَاءِِ
"أَيُّها الجَاهِلونَ.. عُودوا إِلى النُّو رِ.. فَهذي طَلائِعُ الأَضْواءِ
حَرِّروا رَأْيَكُمْ.. يُحَرِّرْكُمُ الإِسْـ لامُ.. مِنْ جَاهِلِيَّةٍ جَوْفَاءِ"
*****
يا نَبِيَّ الأَحْرَارِ.. وانْتَحَرَ الصَّمْـ ـتُ.. وَمَرَّتْ مَوَاكِبُ الإغواءِ
وَتَمَطَّى الظَّلامُ.. مِنْ رَقْدَةِ الحُلْـ ـمِ.. وَجُنَّتْ نَوَازِعُ الابَاءِ
فَإِذا أَنْتَ في شِفَاهِ (قُرَيْشٍ) (خَطَرٌ) يُنْذِرُ الوَرَى بـ(الوَبَاءِ)
سَاحِرٌ يُدْهِشُ العقولَ بنجوا هُ ويَغْويْ حُثَالَةَ البُسَطَاءِ
َرِفَاقُ الطَّريقِ حَوْلَكَ.. وافْتَرَّتْ عَنِ القومِ بَسْمَةُ استهزاءِ
إنَّهم مِنْ عبيدِنا.. أَفَيَمْشُو نَ غداً.. في مَوَاكِبِ الكُبَرَاءِ
مَنْ تُرى عَرَّفَ العبيدَ قَضَايا ها وروَّى حياتهَا بالرَّجَاءِ
وَسَجَا الليلُ.. فانْتَبَهْتَ.. وعينا كَ.. التِفَاتٌ إلى جَلالِِ المَسَاءِ
حَامِلاً في يديكَ قُرانَكَ البِكْـ ـرَ.. وفي رُوحِكَ انْتِفَاضُ الحِدَاءِ
ثُمَّ مَرَّ النسيمُ.. وانسابتِ الآ ياتُ. في صَوْتِكَ الحبيبِ النَّائي
أيُّها النَّاسُ كلُّكُمْ.. لو عَقَلْتُمْ.. مَبْدأَ الخَلْقِ مِنْ تُرابٍ ومَاءِِ
إِنَّ هذي الفُروقَ أَضْعَفُ مِنْ أَن تَتَجَنَّى على طَريقِ السَّوَاءِ(2)
فَاخْنُقُوها.. وَنَضِّروا الرُّوْحَ بالتَّقْـ وى فإِنَّ الصَّبَاحَ لِِلأتقياءِ
*****
وَتَهَادَيْتَ في الضُّحَى.. وَأَبو جَهْـ ـلٍ.. يُعِدُّ السِِّيَاطَ لِلضُّعَفاء
حَامِلاً في يَدَيْهِ.. أَغلالَ ماضيـ ـهِ وأَثْقَالَ فَتْرَةٍ سَوْدَاءِ
يَحْسَبُ السَّوْطَ قُوَّةً.. تَصْرَعُ الفَجْـ ـرَ.. وتُوديْ بالدَّعوةِ السَّمْحَاءِ
ليسَ يدريْ أَنَّ العقيدةَ "بركا نٌ" يُثيرُ الحياةَ.. في الأَعْضَاءِ
ونَذيرٌ.. بثورةٍ تُرْهِقُ الطُّغْ ـيانَ إنْ جُنَّ في يَدِ الأَقْوياءِ
كيفَ يَهْدَا؟ وهذِهِ الأُمَّةُ السَّوْ دَاءُ تَضْرَى في ثورةِ الكِبْرِياءِ
وعلى ثَغْرِهَا.. ابْتسامةُ هُزءٍ بلهيبِ الجِرَاحِ والبَأْسَاءِ
ثمَّ ماذا.. وياسِرٌ يتحدَّاهُ بِوَحْي الهُدى وَلَحْنِ السَّمَاءِ
ومَضَتْ لحظَةُ.. وكانَ سَنَا الفَجْـ ـرِ يَشُقُّ الطَّريقَ لِلشُّهَداءِ
وإِذا (بالنبيِّ) يَفْتَتحُ النَّصْـ ـرَ.. بِزَهْوِ الشَّهادةِ الحَمْراءِ
*****
واستفاقَ التَّاريخُ.. للثَّورةِ الكُبْـ ـرى بروحٍ جَيَّاشَةِ الأَصْداءِ
ومضى يَرْقُبُ الخُطَى في انطلاقِ الرَّكْبِ.. نَحْوَ الحقيقةِ البَيْضَاءِ
ويُحِسُّ اللَّحْنَ الذي يَحْضُنُ النَّصْـ ـرَ.. ويحنو على رَبيعِ الدِّمَاءِ
حذِراً.. يَلْمُسُ الرِّمَالَ التي مـ ـرَّتْ عليها مَوَاكِبُ الأَنْبياءِ
لِيَرَى كَيْفَ تُبْدِعُ الخُطْوَةُ الأُو لى.. جَمَالَ الحياةِِ في البَيْدَاءِِ
كيفَ يَطْوي الرَّبيعُ.. في فَجْرهِِ البِكْـ ـرِ.. جُنُونَ الدُّجَى وَعَسْفَ الشِّتَاءِ
وَيَرُشُّ الثَّرَى.. بِأَحْلامِهِ البيـ ـضِ.. فتزهوْ بِخفْقَةِ الأَشْذَاءِِ
وَهُنَا.. وانْجَلى الضَّبَابُ عَنِ الأُفْـ قِ.. وَثَارَ الشُّعَاعُ في الأَرجاءِ
.. راحَ يُزْجِي الحَدِيثَ خِلْواً من فِ بَعيداً عَنْ نَزْعَةِ الإغْرَاءِ
وَيَخُطُّ الخُلُودَ.. في سِفْرهِِ(3) الخَا لِدِ.. رَمْزاً للدَّعْوةِ الغَرَّاءِ
مُسْتَمِدّاً مِنْ وَحْيِ رُوْحِكَ نَجْوَا هُ.. وَعَزمِ الصَّحَابَةِ الأَصْفِياءِ
*****
يا نَبِيَّ الأَحْرَارِ. مَرَّت نَجَاوا كَ.. مَعَ الأَمْسِ في دُروبِ الضِّياءِ
تَبْعَثُ اليقظةَ الحبيسةَ مِنْ أَعـ ـماقِنَا.. مِنْ مَخَالبِ الظَّلْماءِ
وَتَصُبُّ الحنانَ في الأَعْيُنِ الحَيْـ ـرى.. وتَحْنوْ على صَريعِ الشَّقَاءِ
وتَضُمُّ الحياةَ.. في وَحْدَة الحُبِّ.. لِتَطْويْ نَوَازِعَ البَغْضَاءِ
وتثيرُ الدُّنيا.. لِِتَقْتَسِمَ الحِقْـ دَ.. فَتَجْني الثِّمارَ لِلأَشْقياءِِ
حَيْثُ لا مُتْرَفٌ.. يعيشُ على القِمَّةِ في مَشْرِقِ الضُّحىِ اللأْلاء
وضعيفٌ يعيشُ في السَّفْحِ عَبْداً لميولِ الطُّغاةِ والأَغنياءِ
وإذا ما ارتمى على وَهْدَةِِ الجو عِ.. وناءَتْ حياتُهُ بالعَنَاءِ(4)
لم يَجِدْ غيرَ كِسْرةٍ وإِناءٍ.. مَلأَتْهُ الأَقْذَارُ بالأَقْذَاءِ
كلُّ ما ترتجيهِ.. أَنْ تَتَلاقى في قلوبِ الوَرَى مَجَاريْ الهَنَاءِ
ويثيرُ الحياةَ في كُلِّ عِرْقٍ مِنْ عُرُوقِ الصَّحْراءِ نَبْعَ سَنَاءِ
في اشْتِراكيَّةٍ.. تُقَرِّرُ حَقَّ الـ ـفَرْدِ.. في نَزْعَةِ الغِنَى والثَّرَاءِ
وَتَرَى.. أَنَّ في الثَّرَاء نَصِيباً مِنْ صَفايا الأَرْبَاحِ لِلفُقَرَاءِ
وحقوقاً.. لو أَنْصَفَ النَّاس لاهتَز تْ بِآفَاقِنَا طُيُوفُ الرَّخَاءِ
وَلَعِشْنَا مَعَاً على الشَّاطِى‏ءِ الحُرِِّ.. نَشَاوى.. في مَوْكِبِ السُّعَدَاءِِ
*****
يا نَبِيَّ الأَحْرارِ.. هَذي سَرَايَا كَ.. أُسَارَى في قَبْضَةِ الأَعْدَاءِ
خَدَعُوها باسمِ (الحِمَايَةِ) وامتدَّ تْ يَدٌ بالسلاسلِ الصَّمَاءِ
تُرْهِقُ الشَّعْبَ بالقيود وتُهْوي بسياطِ اللَّظَى عَلَى الأَبْرِياءِ
ثُمَّ عَادَتْ.. باسْمِ التَّحَرُرِ.. تَدْعُو نا.. لأَحْضَانِهَا.. وَرَاءَ غِطَاءِ
وَرَبِِحْنَا اسْتِقْلالنا.. وَمَلأْنا الأُفُقَ بالشِّعْرِ والهوى والغِنَاءِ
وَتَوارى الدَّخيلُ خَلْفَ سِتَارٍ مِنْ نِفَاقِ الحُكَّامِ والزُّعَمَاءِ...
وَرَانا.. وَنَحْنُ نَرْشُفُ مِنْ وَحْـ يِكَ.. كَأْسَ الحُرِّيَّةِ الحَمْراءِِ
وبِِأصْدَائِنا.. يُحَمْحِمُ تاريـ ـخٌ.. يَمُدُّ الصَّدَى بِأَلْفِ نِدَاءِ
وَيُغَذِّيْ الأرْوَاحَ مِنْ عَبَقِ الثَّوْ رَةِ في روحِهِِ بِخَيْرِ غِذَاءِِ
فَمَضَى يَحْصُدُ العقيدةَ مِنْ أَعـ ـماقِنَا البيضِ باليَدِ السَّوْداءِِ
وَيُميتُ الفِكْرَ.. الذي صَنَعَ التَّـا ريخَ.. واقْتَاد ثَوْرةَ العَلْيَاءِ
وَتَحَدَّى الأَهوال.. فَاقْتَحَمَ القِمَّةَ.. حُرّاً على نَشيدِِ الفِداءِ
وَجَرَى يَهْدِمُ العبوديَّةَ العَمْـ ـياءَ فينا.. بِمِعْوَلٍ بَنَّاءِ
وَيُرِيْنَا أَنَّ الحَيَاةَ إذا لمْ.. تَتْبَعِ الهَدْمَ في سبيلِ البناء
سَوْفَ تَهْتَزُّ في الطَّريقِ وَتَنْهَا رُ.. أَمَامَ الرِّياحِ والأَنْواء
هكذا يَرْتَجِي الدَّخيلُ.. حَيَاةً في ظلامٍ ويقظةً في غَبَاءِ
وشعوباً.. لا تَرْشُفُ الكَأْسَ إنْ لَمْ تَكُ في الكَأْسِ خَمرةُ الحُلَفاءِ
وَحدوداً في أُمَّةٍ لَمْ يُفَرِّّقْ هَا اخْتِلافُ الأَشْكَالِِ والأَسْمَاءِ
ودروساً تُمْلَى.. فَتَحْسَبُ أَنَّا.. لَمْ نُزَوَّدْ مِنْ أَمْسِنَا بِعَطَاءِ
وتَشُلُّ التَّاريخ.. في خَطوهِ الحُرِّ.. فَيَهْوي مُوَزَّعَ الأَشْلاءِ
*****
هكذا يرتجيْ.. وما زالَ يَقْتَا دُ فُلُولَ الأَنْصَارِ والأَصْدِقَاءِ
.. غيرَ أَنَّا هُنَا.. وَقَدْ أَلْهَبَ الفَجْـ ـرُ أَنَاشِيْدَنَا.. بِوَحيٍ مُضَاءِ
وَرَأَيْنَاكَ.. في الذُّرَى.. تَصْرَعُ الظُلْمَ.. بِسَوْطِ العَقيدةِ الشَّمَّاءِ
وَلَمَسْنَاكَ.. وَالفُتُوحَاتُ في كَفَّيْكَ.. تَأْبى طَبيعَةَ الخُيَلاءِ
فِيْ سَمَاحٍ.. لا يبتغي النَّصْرَ إلاَّ لِتُبِيْدَ الحياةُ.. رَكْبَ الفَنَاءِ
.. سَوْفَ نَجْري على خُطَاكَ بِرُوحٍ تَتَلَظَّى على نَشيدِ الإِبَاءِ
ونُعيدُ التَّاريخَ.. يَسْتَصْرِخُ الأَنـ ـصَارَ في رَوْعَةِ الضُّحى الوضَّاءِ
*****
أَنْتَ تاريخُنَا وأَنْتَ هُدَانا.. فَتَعَهَّدْ جِرَاحَنَا.. بِالشِّفَاءِ
واسْكُبِ الوحيَ في دِمَانا.. فَقَد حنَّتْ أَنَاشِيْدُنَا لِوَحْيِ السَّماءِ
وَتَرَفَّقْ بِنا.. وَجَدِّدْ خُطَانا لِحَيَاةٍ عُلْوِيَّةِ الإيْحاءِ
لِتَرَانا غَدَاً.. ونحنُ نَقودَ الـ رَّكْبَ.. حُرَّاً.. في ساحةِ الهَيْجَاءِ
وأَنَا حَسْبِيَ العبيرُ مِنَ الزَّهْـ رِ.. وَمِنْ رُوحِكَ التِفَاتُ الرِّضَاءِ(*)

*****

( * ) بنت جبيل بتاريخ 22/10/1955م. نشرت في العدد الثالث من مجلة العرفان، في المجلد الثالث والأربعين: ك1/ 1955م، ج1/1375هـ

(1) يستحثّ: يحضّ على الأمر.

(2) سَوَاء السبيل: ما استقام منه.

(3) السِّفر: ج. أسفار، الكتاب الكبير.

(4) الوَهْدَة: جمعها وهاد وَوَهْد: الأرض المنخفضة