أدب الإسلام والحياة  >  مدخل إلى رحاب شعرية العلاَّمة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

 مدخل إلى رحاب شعرية العلاَّمة المرجع السيد محمد حسين فضل الله

    ماذا يريد الشعر من السيِّد؟

الشعر الذي اقتحَم على السيد وجوده، فمنحه السيد حكمتهِ الإنسانية وسحر بيانه وصدق معناه.

ماذا يريد الشعر، من سليل أسرة الفقهاء والشّعراء والمبدعين؟

وهل الشّعر سوى الحياة!

وأغنيةُ الحياةِ ونشيدُها إسلام نَظَم السيِّد فيه قصائده!

حُبّاً إنسانياً، كوناً، أُمَّةً، مجتمعاً، حياةً، سياسةً، ووجداناً…

فكانت…

"قصائدُ للإسلام والحياة"

مرآةً عكست سيرة حياة وتجربة عملٍ وخُلاصة فكرٍ…

فما الشِّعر في حياة السيِّد؟

ولماذا كانت رحلةُ الشِّعر في كيانه وعقله ووجدانه؟

هكذا هو…

يأتي إليه!

ملتمساً مِنْه لحظة أُنسٍ، وهناء طمأنينةٍ، وشغفاً بالمآتي

ويُتمتم طفلُ النَّجفِ وابنُ عيناثا الجنوب شِعْر الإنسان...

ليدوِّن الزمنُ له في سجلِّ الخالدين…

تجربةً حيةً، متماهيةً، حركيّةً، فوَّارة بالأملِ والحبِّ والسموِّ… وتنطلق الحكاية!

" إنَّ الشّعر يعني لي الإحساس بالحياة، بطريقةٍ موسيقية في الكلمة وفي الوزن، وفي الاستغراق بجمالات الحياة".

هكذا اختصر سماحة آية الله العظمى العلاَّمة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله، تجربته الشعريّة الرائدة، وهو وليد العراق، مهد الشعرِ والفكر والأدب.

فالسيِّد ممّن ولِدَ الشِّعرُ على أفواههم، وهم في سنّ تفتُّح البراعم، ليمُرَّ موكبُ الربيع حُبَّاً وأملاً، وليحملهم الصَّيف ثمار وحيٍ وجنى، ومواسم خيرٍ وفلاح. فالعلاَّمة الذي أطلَّ على دنيا الوجود عام 1354هـ 1936م، لم يفكِّر أن يكون شاعراً لأنَّ الشعر فرض نفسه عليه؛ فرضها وجداناً شبابياً لا يتنكر سماحته لكلِّ مشاعره وهو يلجُ محراب السَّبعين، لأنَّ في شعر الشباب، ولا سيَّما في ديوان "على شاطئ الوجدان"، تجسيداً لمرحلةٍ تعكسُ الواقع النَّفسي الَّذي كان السيِّد يعيشه في نبضاتِ القلب وارتعاشاتِ الإحساس واهتزازات الوجدان. وهو ما سنراه في تجربة الغزل التي كانت تنطلقُ في آفاق التجريد لا في حركةِ التجربة الحيَّة، حيثُ كانت رؤى الغزلِ وأحلامُ الوجدان ونفحات القلب، انطلاقةً في الخيال وليس إحساساً في الواقع. والسيِّد المرجع شاعر الفقهاء وفقيه الشَّعراء، "لم يختره" وحي الشِّعرِ ووادي عبقره. فربَّما اختار الانفتاح على الشعر وتحريك تجاربه وإغناء مضمونه من خلال القراءات التي صقلت موهبة السيِّد الشعريّة، وأغنت معجمه الشِّعري لفظاً ومعنىً وأسلوباً ومضموناً، هذه القراءات التي واكب من خلالها جيل الكبار من شعراء العراق، وعلى رأسهم شُعراء النّجفِ الأشرف، لأنَّ مجتمع النّجف كان مجتمعاً شاعراً، وواكب الحركات الأدبيَّة في المهجر والعالم العربي، فقرأ جبران، وأبا شبكه، وإيليا أبو ماضي، وصلاح لبكي، ومحمد الفيتوري، وعلي محمود طه، وأحمد حسن الزيَّات، وميخائيل نعيمة، ونزار قبَّاني، حتّى أنَّه ما أمسك بورقةٍ نثراً كانت أو شعراً إلاّ ومتَّع ناظريه بها، وجعل شفتيه تتمتمانِ بحروفها.

… هكذا بدأ الفتى اللبناني يفتح عينيه على آفاق الصَّحراء، ليُطلَّ من خلال هذا الانفتاح والرؤية على خُضرةِ الإبداعِ والخلقِ والابتكار، فإذا بالقريحةِ تتفجّر ينبوع شِعْرٍ دافقٍ بروح المسؤوليَّة والعنفوانِ والحنين، فخلال عشرِ سنواتٍ أو أحد عشر عاماً، وتحديداً ما بين عامي 1947و1948، كان السيِّد يُطالع مجلاَّتٍ أكبر من سنِّه ومن ثقافته، منها مجلّة "الرسالة" ومجلّة "الثقافة"، في الوقت الذي بدأ سماحتُه فيه كِتَابةَ الشِّعر دونً أن تكون له ثقافة شعريّة واسعة. فما هي الأبيات الأولى التي نظمها سماحة العلاَّمة المرجع السيد محمد حسين فضل الله؟ وما هي الموضوعات التي انفتح عليها من خلال الشِّعر؟ وإلى أيِّ مدى أسهم الشِّعر في رفد حركةِ السيّد الأديب الشاعر الفقيه المجتهد المفكّر والباحث الإسلامي؟

يقولُ سماحة السيِّد:"أذكر سنة سقوط فلسطين عام 1947، نظمُت قصيدةً لا أذكر منها إلا بيتين:

 

دافعوا عـن حقِّنا المغَتصَبِ          في فلسـطين بحـدِّ القُضُبِ

واذكروا عهد صلاحٍ حينما          هبَّ فيـها طارِداً الأجنـبي

حصل ذلك في أجواء حرب فلسطين الأولى، والتي انتهت بسقوط فلسطين في أيدي اليهود. كما أنّي في ذلك الوقتِ أو قبله أذكر أبياتاً كتبتها وأنا في العاشرة من عمري لا زلت أحفظ منها:

فمن كان في نظم القريض مفاخراً         ففخري طُراً بالعُلا والفـضائلِ

ولستُ بآبائي الأبـاة مفـاخـراً            ولستُ بمن يبكي لأجـلِ المنازلِ

فإنْ أكُ في نيـل المعـالي مقـصّراً               فلا رجَّعت بإسمي حُداةُ القوافـلِ

سأنهجُ نهـجَ الصَّالحين وأرتـدي              رداء العُلى السامي بشتّى الوسائل

وأجهدُ نفسي أن أعيـش معـزَّزاً                وليس طِلاب العزّ سهل التـّناولِ"

… ويُعايشُ الشِّعرُ سيِّدَهُ النّاشئ…

السيِّد الذي نما وشبَّ وترعرع في مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ولأن السيِّد كان من أصحاب الصّوت الحسنِ والجميل في مجال الدُّعاء، فقد طافت بخاطره كلماتُ الوجد والحبِّ والشوق والحنين لعالم ملائِكي، حيثُ العدلُ الإلهي والمسرَّات التي لا تعرفُ غِلاًّ ولا حقداً ولا حزناً، وبدأتُ روحُ العلاَّمة تحنُ إلى ظلال الله، وفمُه يُحدِّثُ عن آلاء الله وعطاياه ونعمه، فالكونُ كونُ الله، والإنسان هبة الله تتحرَّك على وجه البسيطة، وانطلقت تجربةُ "قصائد للإسلام والحياة"!