أدب الإسلام والحياة  > صلاة الوجدان الشعريّة

صلاة الوجدان الشعريّة

إلى جانب التوسُّل بالرحمة، ودعاء الله تعالى، كان السيِّدُ يُحِبُّ إيحاءاتِ الصّلاة، بما فيها من معانٍ سامية، وترفُّعٍ وارتقاءٍِ إلى أنوار الهدى ومشارق التُّقى، وروعة الصَّلاح، هكذا كانت لحظاتُ السيِّد الصوفيّة والعرفانية الرائعة، لأنّه لم يفهم التصوّف أو العرفان سوى علاقةٍ مع الله، ونبضةٍ حبيبةٍ في القلب، ونغم إنساني يتحسَّسُ كلَّ همومِ الناسِ وقضاياهم ومشاكلهم، فصلاة السيِّد الدعائية خطابٌ بينهُ وبين الخالقِ، وسموٌّ لا يُدانيه مدىً، ونورٌ يفيضُ إشراقةً وصفاءً وحُبّاً.

ففي قصيدةِ"صلاة" والتي نظمها السيِّد في الخمسينيَّات، وتحديداً في مدينةِ بنت جبيل مرتع صباه، وملعب أحلامه، علماً أنّ السيِّد لم يعشْ طفولة لاهية أو عبثيّة، لأنّهُ يشتاقُ لكلِّ مدارج الطفولة "المُستلبة"، هذه القصيدة شكلّت توجُهاً آخر في منهج السيِّد الروحي، واتجاهه الديني المؤسس على بناء متين، هو الاعتصام بحبل الله، والالتزام بشريعته وأوامره ونواهيه.

ألم تكن الصّلاة دُعاءً.. وتوسُّلاً.. ورجاءً؟

ألم يُقم السيِّد الصّلاة والدعاء قولاً وفعلاً وسلوكاً، وحتّى شعراً؟ تلك هي المعاني التي يمكنُ استدرارها من مطوّلتهِ "صلاة" في "قصائد للإسلام والحياة":

"أنا هنا يا ربِّ.. في زورق ال               حيرة.. أجري في المدى الضـيِّق

كأنني روحُ صبـاحٍ غـفا                  على التـفاتاتِ السّـنا الريـِّقِ

يحلمُ بالفرحةِ تكسو الرُّبـى                        ببسمـةٍ مـن حُلْمِها الشيـِّقِ

فلم يفقْ إلاَّ عـلى غيـمةٍ                 سوداءَ تطـوي روعـةَ المشْرقِ

سافرةٍ بالنُّورِ... ما هـمُّها                إنْ رْفرَفَ الفـَجْرُ.. ولم يُشِرقِ

هذا هو الحلمُ الرُّوحي والرداءُ النبيل الذي ارتداه السيِّد، في الليلةِ القمراء، وعبر الشاطئ الأزرق، شاطئ النجاة والخلاص:

"أنـا هـنا ـ يـا ربّ ـ في ليـلة قمراء.. أحسـو خـمرة المطـلقِ

وفي جفـوني دعـوةٌ حُـرّةٌ         للنُّـور عبرَ الشـاطئ الأزرقِ

ألمحهُ كالـموج إنْ تَنْـطَـلِقْ             دنيـاهُ في أنشـودةِ الـزَّوْرَقِ

فتـارةً يحـنو عـلى ظِـلِّه          سكـران في إغـفاءة المرهـَقِ

وتارةً ـ يطغى ـ كمجنونةٍ               مزَّقـتِ الـحُلمَ ولم تشـْفقِ"

وهذا هو عالمُ الروح، عالمُ المثاليةِ والحقِّ والخير والجمال، خمرة المطلق/ الدعوة الحرّة/ النوُّر الأمل/ الموج الحياة/ الإغفاءة والتهويمة الحالمة/ الثورة المجدِّدة... اللهفة للمدى المجهول، للغيب الَّذي يحبُّه السيد ويهواهُ:

 المجهول.. للغيب.. فهل نـلتـقي   "وفي كياني لهفَةٌ.. للمـدى
 فـلم أزلْ مـن نبـعهِ أستـقي   حسبي غموضُ السِرّ أحيى به
يـمـوجُ بالأشبـاح إن يخفـقِ   أحـسُّه بخاطري ـ عالـماً
الأحـلام والأشـواقِ والرَّوْنـَقِ   مبهـمة اللـون ضبـابيـة..
وتركُـضُ الأضواءُ في مـَفْرِقي"   أُحِـسُّه فينتشي خاطِـرِي

ويبقى الدُّعاءُ!

وتبقى المناجاةُ!

كيف لا والحديث عن الروح! (ويسألونك عن الرُّوح قُلِ الرُّوحُ من أمرِ ربّي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) وأيَّة ُ روحٍ أسمى من روح المؤمن المتبتل المنقطع إلى الله، ليس زهداً فحسب، وإنما تحركاً  وتحسساً للمسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان خليفة الله تعالى في الأرض؛ لهذا نجدُ قصائدَ السيّد صلواتٍ مختومةً بدعاءِ الرّجاءِ والأملِ، ونجدُ حضورَ النُّورِ الدائمِ مقابلَ ظلامِ الكفرِ والغيِّ والضَّلال:

"وهـا أنا يا ربِّ في روحـي               الحيرى.. أناجيك فهل أرتقي

حسبي إذا الإثمُ  طغى في دمي            إشعاعةٌ من طُـهرِك المُشرقِ

ينـهلُّ في قلبي حنـاناً كما..          ينهلُّ بالطُّهرِ شـذَى الزَّنبَقِ"