نسخة للطباعة

أرشيف منبر الحسنين

الإمام الجواد(ع) و مسؤوليّة الإصغاء

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى سماحة السيّد جعفر فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

الخطبة الأولى

في العاشر من رجبٍ، تُصادف ذكرى ولادة الإمام التّاسع من أئمّة أهل البيت(ع)، وهو الإمام محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(ع)؛ ذلك النَّسب الَّذي كان سلسلةً للعلم والتّقوى، وللقيادة الرّساليّة للنّاس والأمّة، وللنَّماذج الطيّبة الّتي تمثّل بالنّسبة إلينا القدوة الحسنة، كما أكّد الله في كتابه، حيث يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21]، حيث كان عقلُهم مستمدّاً من عقل رسول الله، وعلمهم علمه، وتقواهم صدًى لتقواه، وقيادتهم تعبيراً عن الأفق الواسع الَّذي انطلقوا فيه.

مسؤوليّة الإصغاء

نقف عند ذكراهم لنتعرّف من خلالها إلى خطوط الإسلام لما ينفعنا في واقعنا، ومسؤوليّتنا عن الإسلام هي صناعة التاريخ. ونحبّ أن نقف عند كلمةٍ نحسبُها مهمّة جدّاً لنا فيما نواجهه.

يقول الإمام الجواد(ع) فيما روي عنه: "من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده"؛ لأنّ الإصغاء يمثّل حالة استغراق في ما يسمعه الإنسان، بما يطلّ على بُعدٍ من أبعاد العبادة، والكلمة هنا ـ أي العبادة ـ توحي بأنَّ المسألة لدى السّامع مرتبطة بقرارٍ مُسبقٍ باتّباع ما يقوله المتكلّم.

"فإن كان النّاطق يؤدّي عن الله عزّ وجلّ، فقد عبد الله"، بحيث ينطلق كلامه ليرتكز على كتاب الله، فيما أكّده الله تعالى من مفاهيم وأفكار ومناهج، وعلى سنّة رسول الله فيما قاله وفعله وأقرّه وأكّد تطبيقه في حركة النبوّة، على هدى قول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}[الجمعة: 2].

"وإن كان النّاطق يؤدّي عن الشّيطان، فقد عبد الشّيطان"، بحيث يرتكز كلامه على كلّ خطوط الشّيطان، وذلك بالتّرغيب بالمنكر، وبتزيين الباطل ليبدو في صورة الحقّ، وبالتّرويج للظّلم على أساس أنّه العدل، وليعذر الظّالمين في ظلمهم، والمفسدين في إفسادهم، والمنحرفين في انحرافهم، وبحيث يخذّل النّاس عن القيام بمسؤوليّاتهم في مواجهة كلّ ذلك.. ناهيك بكلام الفتنة والعصبيّة؛ لأنّ إبليس "إمام المتعصّبين"، تلك العصبيّة الّتي تجعل الأشرار الّذين ينتمون إلينا أفضل من الأخيار الّذين ينتمون إلى جماعة أخرى، بحيث بتنا نحمي الفاسدين والمجرمين في كلّ المواقع؛ فقط لأنّهم ينتمون إلينا.

يقول تعالى: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا* يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا* أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا}[النّساء: 119-121].

ألمْ يحدّثنا الله عن شياطين الجنّ والإنس، فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}[الأنعام: 112-113]، وأرادنا أن نستعيذ من شياطين الإنس والجنّ، الّذين يخنسون ويوسوسون ويختفون وراء العناوين الوطنيّة أو القوميّة أو الإسلاميّة أو الدّينيّة وما إلى ذلك...

درس الإمام الجواد(ع)

هذا الحديث عن الإمام الجواد(ع) يقول لنا: إنّ علينا أن ندرس كلّ الذين يتصدّرون المنابر ليخطبوا في النّاس، وكلّ الّذين يطلّون على شاشات الإعلام ليصرّحوا ويحلّلوا ويحاوروا، وكلّ الّذين يصوغون البيانات الّتي تعلّق على حدثٍ هنا أو قضيّة هناك، وكلّ الّذين يُطلقون المواقف والتّوجيهات، لندرسهم، ندرس خلفيّاتهم، ندرس أوضاعهم، ندرس تاريخهم، ندرس المؤثّرات والمؤثّرين الّذي يحيطون بهم، لنحدّد من خلال ذلك متى نستمع إلى هؤلاء، وكيف نستمع، وإلى أيّ حدٍّ ننجذب إليهم..

هناك بيت من الشّعر يقول:

كثر الخداع اليوم في أقوالنا          فانظر إلى من قال لا ما قيلا

وتبقى كلماتهم المضيئة نوراً نستلهمه لنتعرّف ملامح الطّريق، لكي نسير على خطّ الهداية، وقد روي في الحديث عنهم(ع): "رحم الله عبداً أحيا أمرنا"، قيل: كيف يحيي أمركم؟ قال: "يتعلّم علومنا ويعلّمها النّاس، فإنّ النّاس إذا عرفوا محاسن كلامنا اتّبعونا".

والحمد لله ربّ العالمين.

الخطبة الثّانية

فلسطين: استباحة المقدّسات

البداية من فلسطين، الّتي تبقى القضيّة المركزيّة للأمّة، حيث يتحضّر الكيان الصّهيونيّ للإطباق كليّاً عليها والاستيلاء على آخر المعالم الإسلاميّة والعربيّة فيها، مستخدماً أدواته الإعلامية والأمنية والعسكرية، رافعاً العلم الصهيوني في ساحات المسجد الأقصى، متحدّياً بذلك العالم العربي والإسلامي كلّه، عاملاً على طمس آخر المعالم العربيّة في القدس الشّريف، وصولاً إلى حيفا ويافا، من خلال سياسة زرع القبور الوهميّة التي تمثّل خطة منهجية متكاملة لمحو كلّ آثار الوجود الفلسطيني في فلسطين المحتلة؛ في ظلّ ارتفاع وتيرة الاعتداءات على الشعب الفلسطيني؛ تلك الاعتداءات التي بات لها فِرَقٌ خاصّة من المستوطنين، تمهّد الطريق لزيادة المستوطنات وتوسيع مساحة الاحتلال.

إنّنا نستغرب هذا الصّمت العربيّ والإسلاميّ على ما يجري من استباحةٍ لفلسطين وشعبها وتاريخها ومقدّساتها الإسلاميّة والمسيحيّة وذاكرتها... وندعو إلى توحيد الجهود، وحشد كلّ الإمكانيّات والطاقات باتجاه هذه القضيّة المركزيّة؛ فإذا كنّا غير قادرين على تلمّس عناصر الوحدة ذاتيّاً ـ وهي كثيرة ـ، فلنتوحّد ضدّ العدوّ المتربّص شرّاً بالإسلام والمسلمين وكلّ العرب وأبناء المنطقة.

سوريا: دوّامة الفوضى

أمّا في سوريا، فإنّنا نعتقد أنّ ما يجري فيها يمثّل دوراناً مخيفاً في حلقة الموت المفزعة، وفي الفوضى الدّامية الّتي لم تعد تستهدف استقرار هذا البلد فحسب، بل تدمير مقوّماته، وإحراق شعبه في فتنة الحرب الأهليّة، ما يفرض على الجميع أن يجتمعوا حول الحوار الجدّي، الّذي يجنّب البلد المزيد من سفك الدّماء، ويضع سوريا على أرضيّة حلّ يحفظ وحدتها ومصالح شعبها وموقعها الاستراتيجي في العالم العربي والإسلامي.

وإنّنا نخشى أن يكون المشهد المأزوم في المنطقة، والمتصاعد عنفاً ميدانيّاً وسياسيّاً في سوريا، هو الصّورة الّتي تريدها واشنطن وغيرها من الإدارات الغربيّة قبل الاجتماع المرتقب في الخامس عشر من حزيران في موسكو، ونخشى أن تتصاعد الضّغوط السياسيّة والأمنيّة والعدوانيّة قبيل هذه المحطّة لفرض شروطٍ حاسمةٍ في المفاوضات القادمة...

الانتخابات المصريّة: بارقة أمل

وفي مجال آخر، فإنّنا نرى في المشهد المصريّ بريق أمل، وخصوصاً في هذه الحيويّة الّتي انطلق بها الشّعب المصريّ، ربما لأوّل مرّة في تجربة انتخابيّة كبيرة، ونحن نتطلّع إلى اكتمال الصّورة في هذه الحركة الشعبيّة والانتخابيّة اللافتة، على الرّغم من السلبيّات التي رافقتها، لأنّ الأمل يبقى كبيراً في الشعب المصري لتصويب المسار وقيادة دفّة السفينة إلى شاطئ الأمان، بما يحقّق أمانيه وتطلّعات الشعوب العربيّة والإسلاميّة، وعلى رأسها الشّعب الفلسطيني الّذي ينتظر نهوضاً ثوريّاً مصريّاً يعيد التوازن إلى الصّراع مع العدوّ، من خلال عودة مصر إلى موقعها الطّبيعيّ في مواجهته...

لبنان: قضيَّة المخطوفين والحوار

أمَّا لبنان، الّذي بقي مستنفراً حيال قضيَّة الزوّار المخطوفين الّتي دخلت في دوامة من التعقيدات التي لا تخدم الشعب السوري ولا الشعب اللّبناني، فإنّنا نطالب الجميع باعتبار هذه المسألة مسألة إنسانيّة خالصة، وإخراجها من دائرة التجاذب السياسي أو المواقف المتشنّجة، أو استخدامها في تسعير أجواء التوتّر والقلق التي تزيد مناخات البلبلة، وخصوصاً مع إطلاق المزيد من المواقف الانفعاليّة الّتي تزيد المشهد السياسي اشتعالاً...

وعليه، نؤكّد ضرورة الوعي والتبصّر بعمق اللّعبة الّتي يُمكن أن تختفي وراء تعقيد هذه القضيّة، وخصوصاً تجاه قضيّة المقاومة ومجتمعها الوطنيّ والخاصّ، وعلى الجميع التحلّي بالصّبر على كلّ الأذى الّذي يُمكن أن يُرافق القضيّة، حتّى انجلاء صورتها وواقعها بصورة إيجابيّة بإذن الله.

من جهةٍ أخرى، نرى في انطلاق الحوار الوطنيّ مجدّداً، فرصةً للجميع لترتيب أوضاعهم، من خلال حساباتٍ دقيقة تتّصل بمصلحة البلد، ولا تقف عند مصالح فريق بعينه، ونريد لهذا الحوار أن يكون المدخل الحقيقيّ لإصلاح ذات البين في الدّاخل، حتّى لا نحمل أوزار ما يجري في الخارج.

ذكرى رحيل الإمام الخميني

وأخيراً، نستذكر في هذه الأيّام، رحيل الإمام الخميني(قده)، ذلك الإنسان العالِم والفقيه، الّذي قاد ثورةً أعادت التجربة الإسلاميّة إلى واقع الحكم، وشكّلت داعماً أساسيّاً لكلّ حركات المقاومة ضدّ المشروع السرطانيّ في جسم الأمّة، ووقفت في مدى عقودٍ في مواجهة مشاريع الهيمنة الاستكباريّة على المنطقة ومستقبلها، وانطلقت لتحقّق نهضةً علميّة تقنيّة، بالرّغم من كلّ الحصار المفروض عليها.

نتوقّف عند هذه الذّكرى لنقول: لقد أثبتت الوقائع أنّ هذه التّجربة الإسلاميّة لم تكن خاصّة بمذهبٍ ولا بخصوصيّات شعبٍ، بل كانت جزءاً من صناعة التّاريخ الإسلاميّ، وإنّنا ندعو كلّ الحركات الإسلاميّة الّتي تتحرّك لتستلم مواقع القيادة في الدّول العربيّة، إلى الانفتاح على دراسة هذه التّجربة، وإيجاد قاعدة للتّعاون على خطّ تحقيق الأهداف الكُبرى الّتي تهمّ المنطقة والأمّة، لا أن يتمّ الانزلاق إلى الدّعاية الاستكباريّة الّتي تخلق لنا عدوّاً من ضمن الجسم الإسلاميّ، تحت اعتباراتٍ ضيّقة، لكي نتلهّى عن العدوّ الرّئيس، أي الكيان الصّهيونيّ وداعميه من قوى الاستكبار، الّذي ينتظر خراب المنطقة لينقضّ على كلّ التجارب الإسلاميّة الناجزة والواعدة.

التاريخ: 11 رجب 1433 هـ  الموافق: 01/06/2012 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: