|
| أهميّة النّظام الإنسانيّ في الإسلام |
بسم الله الرحمن الرحيم
ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
الخطبة الأولى
{وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(يس:37-39).
الكون يحكمه النّظام
لا تستطيع وأنت تجول ببصرك في هذا الكون الفسيح، من أصغر ذرّة إلى أكبر مجرّة، تتابع حركة الشَّمس والقمر وتوالي اللّيل والنّهار، وتتابع سلوك الكائنات وصولاً إلى جسم الإنسان، إلا أن تلمس حقيقةً واحدةً، وهي أنّ كلّ شيء ينطق عن نظام مرسوم بدقّة وحكمة أودعه الخالق سبحانه وتعالى في خلقه..
وإذا أردنا أن نعدّد تجلّيات النّظام في الكون، فسنظلّ عاجزين عن الإحاطة ولو بالجزء اليسير منه..
ونحن اليوم لسنا بصدد أن نتحدَّث عن دقّة الخلق وتنظيمه، والّتي تشير إلى عظمة الخالق، إنّما لنصل إلى القول إنّ الإنسان؛ هذا المخلوق الّذي استخلفه الله على الأرض، وسخّر له الكثير من القدرات والإمكانات دون الكائنات الأخرى، هذا الإنسان لا يمكن أن يقوم بدوره خارج فلك النّظام، ولا يمكن أن يؤدّي دوره بالعبث والفوضى، وإلا طغى وتجاوز الحدود، فأفسد البرّ والبحر، وأهلك الحرث والنّسل.
ولأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش منفرداً، فهو بحاجة إلى آخرين يتبادل معهم المنافع والمصالح، لهذا هو بحاجةٍ إلى النّظام، وإلى رسم الحدود..
فكلّما وجدت جماعة هي أكثر من اثنين في البيت أو المدرسة أو الشّارع والحيّ والمدينة والمصنع، وفي الوطن وبين الدّول... فلا بدَّ من أن نبحث عن النّظام الّذي يحكم العلاقة فيما بينها..
نظام الدّولة الإسلاميّة
أيّها الأحبَّة: لقد حرص رسول الله(ص)، خاتم الأنبياء ومكمّل الرّسالات السماويّة، على تأدية دوره في هذا المجال، تاركاً للبشريَّة نظاماً فيه كلّ المكوّنات الأساسيَّة لتهتدي به ويضمن لها السَّير في الاتّجاه الصّحيح.
وأوّل ما حرص عليه رسول الله(ص) بعد أن انتهى من معركة الوجود مع قريش وهاجر إلى المدينة، أن توجّه لبناء الدّولة الإسلاميّة، حيث بدأ بترجمة التّشريعات إلى مؤسّسات وجهاز للدّولة، فظهر المجتمع السياسيّ الإسلاميّ الأوّل، وظهرت أوّل سلطة إسلامية، وأوّل نظام إسلاميّ. وقد سعى رسول الله إلى رسم عناوين هذا النّظام.
وحتّى العبادة لها نظامها، فإنَّ الصَّلاة تتألَّف من مقدِّمات وأجزاء وشرائط وعدد ركعات، وترتبط باللَّيل والنَّهار والفجر، وطلوع الشَّمس وزوالها، ومغيب الشَّمس وخسوفها... وتتعدَّد الصَّلاة من صلاة تامّة وقصر وواجبة ومستحبَّة... والصّوم أيضاً له نظامه، وكذلك الحجّ والخمس والزَّكاة والجهاد، وحتَّى كيفيَّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر...
وفي المعاملات أيضاً، هناك نظام للأسرة ونظام للجوار ونظام للبيع أو الشّراء والتّجارة، وصولاً إلى القتال والقضاء والحدود والحكم...
وفي الشَّكل، أبرز الإسلام صورة المجتمع الإسلاميّ في تلك الصّفوف المنتظمة المتراصَّة الّتي تقف في صلاة الجماعة، حتَّى لو كانت أعدادهم كبيرةً كما في الحجّ..
العدل ركيزة النّظام
وهنا في موضوع النّظام، أحبّ أن أثير نقطتين:
النّقطة الأولى: هي أنّ البعض يعتبر أنّ الإسلام بتنظيمه أحكام كلّ شيء، وصولاً حتّى أرش الخدش، كما يقال، فإنَّه بذلك يقيِّد الفرد، ما يؤدِّي إلى الجمود وعدم الإبداع. ولهؤلاء نقول إنَّ التَّشريع الإسلاميّ ترك الكثير من مساحات الفراغ، بعد أن حدَّد القواعد العامّة الّتي تحكم الحياة، وترك التّفاصيل حسب كلّ حالة، وحسب الواقع المعاش. ومن هنا، نجد أنّ البحث والاجتهاد في الجانب التّشريعيّ واسع، وأنَّ في داخل الإسلام ما يساعد على إعادة إنتاج الأحكام، والأمر ليس جامداً كما يدّعي البعض...
مثلاً: في مسألةٍ كمسألة المباني وأنظمة السّير والعقود، لم يقدّم الإسلام دفتر شروطٍ أو عقوداً جاهزة، إنما اشترط عدم الضّرر أو الأذيّة أو الإساءة إلى الآخرين، وترك الأمر للمعنيّين وأصحاب الخبرة في هذا الشّأن..
والنّقطة الثّانية: هي أنّه بالنّسبة إلينا، فإنّ كلّ نظام مهما ضاقت مساحته أو وسعت، لا يمكن أن ينجح في مهمّته إلا إذا قام على ركيزة العدل، فبدون العدل، ستخرج عربة النّظام عن مسارها الطّبيعيّ، ويصبح النّظام بحاجةٍ إلى كابح ليوقفه عن انحرافه، سواء كان نظام البيت أو العمل أو المؤسّسة أو المدرسة، وصولاً إلى النّظام السياسيّ والاجتماعيّ..
ولهذا كانت الدّعوة إلى الالتزام بالأنظمة والقوانين الّتي تصدر عن المجتمع، حتَّى من الدّول الّتي لا تنتمي إلى الإسلام، ذلك لأنّها تؤمّن العدل وتحفظ حياة النّاس وأموالهم وصحّتهم ومقدّراتهم وكلّ ما يتّصل بمصالح المجتمع..
ومن هنا، كان الواجب الالتزام بقوانين السَّير والسّرعة والأنظمة الّتي تتعلّق بالماء والكهرباء والضّمان الصحّي... كذلك الأنظمة الّتي تتعلّق بالممتلكات العامّة وبشروط المصانع وقوانين البناء وغيرها.. وكذلك لا يجوز الإساءة إلى نظام عدّادات الماء والكهرباء والإنترنت وكلّ الأنظمة والقوانين الّتي تضمن سلامة الأفراد والممتلكات...
الفوضى تحكم واقع المسلمين
من المعيب، أيّها الأحبّة، أن نجد أنّ بعض من لا يلتزم الإسلام ديناً، أو حتّى من لا يلتزمون أيّ دين، يحترمون النّظام العام أكثر من المسلمين، ليس شعوراً منّا بالفوقيّة تجاههم، بل لأنّنا نتوقّع أنّه كلّما التزم الإنسان بوقت صلاته وشروط وضوئه وكيفيّة تسبيحه، فسيكون أكثر حساسيّةً لمخالفة النّظام، وأنّه يجب أن يكون آخر من يضطرّ لمخالفة النّظام العامّ، حتّى ولو انحرفت السّلطة، أو أصبحت عاجزةً عن تطبيق النّظام لسببٍ من الأسباب..
وهنا، لا بدّ من أن نتساءل استنكاراً: لماذا هذه القطيعة بين المسلمين والحياة النظاميّة كظاهرة، بعد عهدٍ ذهبيّ للمسلمين في القدرة على التّنظيم والتطوّر؟ لماذا كلّ هذا الواقع الّذي نعاني منه، حيث نجد الفوضى تحكم حياتنا الخاصّة، وشوارعنا وأسواقنا وطرقاتنا، وحتّى مساجدنا...
الفوضى، أيّها الأحبّة، تحكم حتّى طاقاتنا الّتي نراها مبعثرة، والكلّ يبدأ من نقطة الصّفر، لا أحد يستفيد ممن سبقه، ولا أحد يعترف بتجربة من سبقه... الكلّ يريد إعادة اختراع البارود..
وفي الأعمال والاستثمار، الكلّ يريدون أن يقلّدوا بعضهم بعضاً من دون دراسةٍ للحاجات، مع أنّهم يمكنهم أن يكونوا أصحاب فكر اقتصاديّ منظّم، وأن يتكاملوا ولا يقلّدوا بعضهم بعضاً.. وبهذا يتحقَّق الخير والعدل ويأخذ كلّ واحد فرصته..
أيّها الأحبّة: على مستوانا الفرديّ، نشعر كم نحن بحاجةٍ إلى أن نستعيد الإحساس بأهميّة النّظام في حياتنا..
فعلى مستوى الدّين: أن نحترم شرعنا وقرآننا، فلا نجتزئه حيث يحلو للبعض أن يكون انتقائيّاً، يأخذ من الدّين ما يحلو له ويترك الباقي {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ...}..
وعلى المستوى الحياتيّ والمعيشيّ: نحترم نظامنا المشترك، فلا نكون سبباً لخرقه من هنا أو من هناك، فتُلقى تبعات الفوضى علينا، ونوصم بها وحدنا، بل علينا أن نكون أوّل من يحترم النّظام ونكون نحن الأوصياء عليه.
وعلى مستوى مواقع المسؤوليّة، ينبغي أن يكون هناك حرص على تطبيق النّظام أكثر من أيّ أحد آخر، لا أن يكون الأمر على طريقة: "إذا كان ربّ البيت بالطّبل ضارباً"، أو "حاميها حراميها"...
لا خيار إلا النّظام
وهنا لا بدَّ من أن نتوجَّه إلى الدّولة، الّتي يفوت بعض سائسيها أنّ النّظام كي يتحقّق يجب أن يقترن بالعدالة، الّتي هي المدخل الأساس لتطبيق النّظام، والّتي من دونها، تضيع جهود كبيرة هنا وهناك، ونقول لها: أعطنا نظاماً مقنِعاً، حيث بتنا وللأمس القريب، مفروزين بين مَن لا تنقطع عنه الكهرباء نهائيّاً وكأنّها حقّ مكتسب له، ومن لا تصل إليه الكهرباء إلا بضع ساعات في النّهار.. لماذا؟ أليست الحكمة تقول إنَّ أحوجهم إليك هو ضعيفهم حتّى يقوى، وفقيرهم حتى يغنى، وجاهلهم حتّى يتعلّم؟
أم أنّ الدّولة تعاقب على الفقر بالإفقار، وعلى الجهل بالتّعتيم، وعلى الضّعف بالاستضعاف..؟!
طبعاً، سلوك الدّولة هذا ليس مُبرّراً لأحدٍ كي يخالف النّظام، وأن يعتدي ويعطّل ويؤذي، لأنّ الخطأ لا يصحَّح بخطأ مثله أو أكبر، بل علينا أن نكون المجتمع المنضبط، بحيث يشعر كلّ فرد فيه بمسؤوليّته في أن ينبّه الآخرين ويتّخذ موقفاً عندما يخالفون نظاماً.. وتسألون لماذا؟ لأنّنا أناس يرتبطون بالحلال والحرام، ولأنّنا نؤمن أنّ حلال محمد حلال إلى يوم الدّين وحرامه حرام إلى يوم الدّين...
كما علينا أن نعي جيِّداً أن لا خيار لنا إلا بالنّظام، فهو الّذي يضمن الحياة المتوازنة للأفراد والمجتمع، فلا يمكن لأيّ منّا أن ينأى بنفسه، لأنّ الفوضى والعشوائيّة ستُصيبُهُ بطريقةٍ أو بأخرى، وإن لم تُصبه هو، فقد تُصيب أبناءه من بعده أو أحفاده. فلا أحد ينجو من غياب النّظام، فكلّ عمل سيّئ سيرتدّ على النّاس مهما طال الزّمن.. هكذا علّمتنا الحياة..
أيّها الأحبّة: قبل أن يغادر الإمام عليّ(ع) الحياة، جمع ولديه الحسن والحسين(ع)، وأوصاهما بوصيّةٍ أرادها أن تكون أساساً لمستقبل المسلمين، قال لهما: "أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ"، إذ لم يكن عند الإمام(ع) من همٍّ بعد الرّقابة لله، إلا أن ينتظم أمر المجتمع في فكره وفي حركته، وفي سلوك أبنائه، فكم من قضايا ومبادئ كبرى ضاعت بسبب عدم نظم أمرها، وكم من قضايا كبرى ضاعت لأنّها ابتعدت عن أهدافها..
أعاننا الله، ليكون مستقبل أمرنا خيراً من ماضيه، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيّامنا يوم نلقاك، والحمد لله ربّ العالمين..
الخطبة الثّانية
فلسطين منطلق التّغيير
لا يزال العدو الصّهيونيّ يواصل عدوانه على أرض فلسطين، فيعمل على تهويد البقيَّة الباقية من القدس، ويواصل عمليَّات التّنكيل بالشّعب الفلسطينيّ، عبر عمليّات الاعتقال المتواصلة تحت عنوان الاعتقال الإداريّ الّذي يستمرّ لستّة أشهر قابلة للتجديد من دون محاكمة، كما حصل مع الأسير خضر عدنان، وكما يحصل في هذه الأيّام مع الأسيرة هناء الشّلبي.. في الوقت الّذي بات الأقصى في دائرة استهداف المستوطنين الصّهاينة الّذين يستبيحونه يوماً بعد يوم، وتحت وطأة عمليّات الحفر والاستهداف المباشر من الآلة العسكريّة والأمنيّة الصّهيونيّة...
إنّ كلّ هذا الواقع يستدعي عملاً ووقفةً مسؤولةً من الدّول العربيّة والإسلاميّة مع شعوبها، في مواجهة هذه الغطرسة الإسرائيليّة الّتي لا تواجه البشر والحجر فحسب، بل المقدَّسات أيضاً، غير آبهةٍ بوجود جامعة عربيّة، ولا منظّمة التّعاون الإسلاميّ، ولا الأمم المتّحدة، ولا منظّمات حقوق الإنسان.. فهذه المنظّمات لا وجود لها في نظر العدوّ الصّهيوني...
وفي هذا المجال، فإنّنا نقدّر كلّ اجتماع يتم تحت عنوان القدس، كما حصل أخيراً.. ونرى فيه بادرةً إيجابيّة بحثِّه على إيقاظ الوجدان العربيّ لحماية القدس الّتي باتت نجدتها رمزاً وعنواناً لقوّة المسلمين، كما بات التخلّي عنها يمثّل ضعفاً وتخاذلاً وتقصيراً عن واجبٍ يتّصل بالأمّة كلّها...
إلا أنّنا كنّا نتمنّى أن يكون الموقف بحجم المواقف الّتي اتخذت لمواجهة قضيّة ظلم الشّعوب في هذا البلد العربيّ أو ذاك، حيث لم يصل الموقف إلى مستوى الدّعوة إلى جلسة للأمم المتّحدة لتدارس الأخطار الّتي تتعرّض لها القدس، ودعوة العالم إلى مؤتمر أصدقاء القدس، فضلاً عن ملامسة الدّعوة تسليح الشّعب الفلسطينيّ في مواجهة العدوّ الّذي يتهدّده كل يوم...
وكم كنّا نأمل لو كان هذا اللّقاء هو السّبيل للإعلان عن توحيد كلّ الجهود العربيّة، وحلّ كلّ الخلافات والنزاعات والتوتّرات لحساب هذه القضيّة الأساس، الّتي لا نعتقد أنّ أيّة قضيّة ينبغي أن تفوقها في الاهتمام أو المتابعة، فهي أمّ القضايا ورمز عنفوانها...
إنّنا نعيد التّأكيد أنّ جديّة العرب وصدقيّتهم تبرز في القدس وفي فلسطين، فإذا كانوا جدّيّين في التّغيير، فليعطوا المسألة الفلسطينيّة أهميّتها، وليبدأوا بالدّعم الحقيقيّ للمقدسيّين الّذين يعمل الاحتلال على إخراجهم من بيوتهم وطردهم من القدس زرافاتٍ ووحداناً، وليبدأ الدّعم الحقيقيّ للمجاهدين في فلسطين، ليشعر الشّعب الفلسطينيّ بأنّه لم يعد وحيداً في السّاحة، وأنّ الرّبيع العربيّ بدأ يقترب منه، وعندها تكون مسيرة التّغيير قد حقّقت الهدف الكبير...
سوريا: تسليح المعارضة يعطّل الحلّ
وننتقل إلى سوريا؛ هذا البلد الّذي لا يزال يعاني من استمرار نزيف الدّم ودوّامة العنف الّتي ما إن تنتهي من منطقة حتى تبدأ من منطقة أخرى، ما ينذر بعواقب وخيمة على هذا البلد العزيز.. وما يزيد الأمور تفاقماً، الدّعوات الّتي تنطلق من هنا وهناك للتسلّح، بينما يتوارى وراء ذلك الحديث عن الحلّ السياسيّ وتهيئة الظروف والشّروط لإيجاد هذا الحلّ...
إنّنا نخشى أن تكون المواقف الدّاعية إلى تكرار المشهد اللّيبيّ في سوريا، والرّافضة لأيّة صيغة من صيغ الحوار السياسيّ، مدعاةً لإدخال سوريا في مرحلة دمويّة جديدة، ليكون الشعب السوري وقوداً لحرائق جديدة شاملة، تصل شراراتها إلى المحيط العربيّ بألوانه السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة والقوميّة المتعدّدة...
إنّنا نراهن على حكمة أولئك الّذين يختزنون في مواقفهم ووجدانهم آلام الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، وخصوصاً الشّعب السوريّ، لكي تبدأ مسيرة التّغيير بالحوار في سوريا، بدلاً من الإصرار على التّغيير بأدوات العنف الّتي نرى أنّها تزيد الأمور تعقيداً، ولا تفتح المستقبل على آفاق الحلول اللازمة والمطلوبة، ولا سيّما في ظلّ التجاذبات الدولية والإقليمية الّتي يشهدها هذا البلد...
إنّنا نعيد التّأكيد على كلّ الدّول الّتي تتحدّث عن التسلّح حرصاً على إزالة المعاناة عن الشعب السوري، أن هذا ليس هو السبيل لتحقيق ذلك، بل أن تبذلوا كلّ جهودكم لفتح سبل الحوار وإزالة كلّ أسباب العنف، فهذا هو السّبيل لإنهاء معاناة الشّعب السوريّ...
إنّنا في الوقت الّذي نرى إيجابيّةً في الاستفتاء الّذي حصل أخيراً، ونراه خطوةً ضروريّة في الطّريق إلى الإصلاح والسّير بسوريا نحو مرحلة جديدة، إلا أنّنا نؤكّد ضرورة أن تتبع ذلك خطوات فاعلة وعمليّة تؤسّس لإعادة مناخ الثّقة بين المواطن وحكومته، وتنهي كلّ ما أدّى إلى تعكير صفو هذه العلاقة وأوصل الأمور إلى ما وصلت إليه...
التّماسك الإيرانيّ ضدّ المؤامرات
ونطلّ على الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، والّتي تدخل اليوم في مرحلة جديدة تجدّد فيها الثّورة دماءها وحركيّتها من خلال انتخاب الشّعب الإيرانيّ للبرلمان التاسع، في الوقت الّذي تتعرَّض إيران لأوسع حملة تهويل صهيونيّة أمريكيّة، للإيحاء بضربها والضّغط سياسياً وإعلاميّاً ونفسيّاً على الشعب الإيراني وقيادته بعد سلسلةٍ من العقوبات الفاشلة الّتي انطلقت بها أمريكا والاتحاد الأوروبي...
ونحن في الوقت الّذي نحيّي الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة على تجاربها الرّائدة في مجال الانتخابات والحريّة السياسيّة والإعلاميّة، والّتي مثّلت، ولا تزال، صفعةً لكلّ مدّعي الدّيمقراطيّة في المنطقة والعالم، نؤكّد على الشّعب الإيرانيّ البقاء على قوّته ووحدته إلى جانب قيادته الحكيمة، لإسقاط كلّ المؤامرات التي قد تستهدف بلدهم، لأنّ بقاء الجمهوريّة الإسلاميّة على قوّتها وتماسكها إلى جانب تقدّمها العلميّ والتكنولوجيّ، يمثّل قوّة أساسيّة، كما يمثّل عنصر دعم مستمرّ لقضايا العرب والمسلمين، وعلى رأسها قضيَّة فلسطين، ولن يكون مشكلة أبداً لمحيطه العربيّ، بل قوّة داعمة له...
لبنان: حماية السّاحة والمؤسّسات
أمّا لبنان، الّذي يقف على مفترق طرق، وعلى منعطفات "الرّبيع العربيّ"، والّذي يرتفع فيه الصَّخب تارة، وشعارات النّأي بالنّفس طوراً، فإنّنا نتمنّى أن يكون قد استعاد شيئاً من الأمل بإعلان الحكومة عن العودة إلى العمل، وعقد جلسات جديدة لمجلس الوزراء، لمعالجة المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والخدماتيّة، فضلاً عن ملء شواغر الإدارات العامّة، بعدما اتّضح أنّ ما تمّ إنتاجه خلال الشّهور السّابقة لم يكن بالمستوى المطلوب، هذا إلى جانب ما اكتنفه من المناكفة والمواجهة داخل مجلس الوزراء، أو في النّدوة البرلمانيّة، وفي غيرها من المؤسَّسات الّتي لطالما تطلّع اللّبنانيّون إليها كملاذٍ لحماية البلد من تمزّقاته وآلامه ومشاكله...
إنّ الجميع ينتظرون تعاوناً سياسيّاً جديداً بين المعارضة والموالاة تحت عنوان "قوننة الإنفاق الاستثنائيّ"، فيما الشّعب اللّبنانيّ يريد من هذا التّعاون أن يكون أوّلاً مصالحة مع الذّات بعد فتح أبواب الحوار في كلّ الاتجاهات، لحماية لبنان ومؤسّساته على مستوى الحاضر والمستقبل، وأن تكون القاعدة هي حماية المال العام وعدم التفريط فيه...
وفي هذا الوقت، لا بدَّ من أن نعيد التّأكيد على إبعاد السّاحة اللّبنانيّة عن كلّ عناصر التوتّر نتيجة تداعيات ما يحصل في المحيط العربي، وندعو إلى وعي المخاطر الّتي تترتّب عن تجمّعٍ هنا قد يقابله تجمّع هناك، ما يساهم في زيادة مناخ التوتر وانعكاس تداعياته على الواقع اللّبنانيّ، ولا سيّما عندما تأخذ هذه التجمّعات بعداً مذهبيّاً وطائفيّاً، ولا تبقى في بعدها السياسيّ، فلا يكفي أن يعلن المنظّمون سلميّة هذا التحرّك، بل لا بدّ لهم من أن يدرسوا الأرض جيّداً.. ويدركوا ماذا يؤدّي الخطاب المتوتّر عندما ينزل إلى الشّارع.
أيّها المسؤولون.. إنّ المسؤوليّة على عاتقكم كبيرة في إيجاد كلّ السّبل لإزالة التوتّر من النّفوس، وتعزيز سبل التّواصل بين كلّ فئات الشّعب اللّبنانيّ، بدلاً من شحن النّفوس بكلّ ما يؤدّي إلى التوتّر المذهبيّ والطائفيّ والسياسيّ لحسابات خاصّة أو لأهدافٍ أخرى...
إنّ عليكم أن تعوا أنّ محافظتكم على مواقعكم لا تتمّ من خلال شحن النّفوس بالأحقاد والعداوات في الدّاخل، بل من خلال تعزيز مناخات الألفة والمحبّة ومدّ جسور التواصل، فهذا ما يريده كلّ مواطن، وهو الّذي يسعى إليه...
إنّ حرارة الوحدة الّتي عشناها في متابعة الفريق الكرويّ اللّبنانيّ، نريدها أن لا تبرد بانتهاء المناسبة، فيرجع كلٌّ إلى مواقعه السّابقة، بل أن تبقى هذه الحرارة متأجّجةً في مواجهة كلّ التحدّيات الّتي تواجه هذا البلد من داخله وخارجه. ونحن نتساءل: أفلا تستحقّ كلّ هذه التحدّيات، ولا سيّما تحدّي العدوّ الصّهيونيّ المتربّص على حدودنا، والّذي يعبث بأمننا الداخليّ من خلال عملائه، أن نتوحّد؟!...
|