|
| السيّدة خديجة أمّ الرّسالة |
ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
لم تكن السيِّدة خديجة بنت خويلد امرأةً عاديّةً في قريش، فلجهة النّسب، كانت أرفع من أيّ امرأة أخرى، وكانت تمتلك كلّ الصفات الَّتي تؤهّلها لكي يتسابق الرّجال لطلب يدها، من المال الكثير والجمال والأخلاق، حيث عرفت في الجاهليَّة بأنّها الطّاهرة وأنّها سيّدة نساء قريش، وقد تسابق رؤوس بني هاشم إلى خطبتها والزّواج منها، لا بل وصل التَّسابق إلى ملوك اليمن وأشراف الطّائف..
المرأة الرساليّة
لكنَّ خديجة كانت ترى في محمَّد بن عبدالله ـ يتيم قريش ـ خيارها الَّذي لم تسعَ خلفه عبثاً أو تسرّعاً، فسيرة محمد(ص) بين النّاس وسمعته كانت قد وصلت إلى أسماعها، وعندما تسلّم تجارة لها إلى الشّام، أيقنت بعدها بأنَّه هو الزّوج المناسب لها، فخديجة في حكمتها وفطنتها التفتت إلى أنَّ السَّفر والمال هما كاشفا حقائق النّاس، يومها طلبت من غلامها ميسرة أن يخبرها بالتّفاصيل وبإسهاب عمّا رآه من محمَّد خلال مرافقته له في رحلة التّجارة، بعيداً عمّا حقَّقت الرّحلة من أرباح أضعافاً مضاعفة، لأنَّ المال لم يكن همّ خديجة. ومما قال لها ميسرة عن محمَّد: "ما رأيت في حياتي قطّ مثله في صدقه وأمانته، وحسن معشره ومعاملته، وفي رقّة حديثه، وقوّة بأسه وصلابة رأيه، هو متواضع، جُلّ نظره إلى الأرض، دائم التّفكير طويل السّكوت، لا يتكلّم من غير حاجة، لا يخالطه أحد إلا أحبّه وتمنّى دائماً أن يكون إلى قربه...".
عندها أخذت خديجة قرارها، وتزوّجت النبيّ محمداً رغم فارق السّنّ بينهما، إذ أجمعت الروايات على أنّها كانت تكبره بعدد من السّنين، وإن اختلفوا في عددها. من جهته، كان النبيّ محمد(ص) يرى أنَّ هذه الإنسانة هي كفؤه في طهارتها وصفائها وحكمتها ورجاحة عقلها...
وبعد الزّواج، بدأت رحلة خديجة مع الرّسالة، فعندما كان رسول الله(ص) يذهب إلى غار حراء متأمّلاً ومفكّراً ومتعبّداً، كانت خديجة تتابعه وتؤمّن له كلّ سبل الرّعاية حتّى لا يشغله شيء عن تأمّله وتفكّره، فكانت تجهد نفسها وهي تصعد جبل حراء العالي والموحش، لتوصل إليه الطّعام والشّراب وكلّ متطلّبات الرّاحة، وكثيراً ما كانت تشاركه في رحلة تأمّله من ذلك المكان المطلّ على الكعبة المشرفة؛ معلم التّوحيد الأوّل.
وحين كان(ص) يعود من غار حراء، كانت خديجة تستقبله، وأيّ حنان يكون في انتظاره! وأيّ قلب ينفتح له ليقف جنب قلبه! في تلك اللّحظات، كان جاه النّسب وخزائن الثّروات يصبحان شيئاً لا قيمة له...
عطاء الإيمان
وعندما عاد رسول الله من الغار بعد نزول الوحي عليه لأوّل مرة، شهد العالم في تلك اللّحظات ولادة أوّل أسرة مسلمة في التّاريخ، فقال الرّسول(ص) بعدها عن خديجة: "لا والله، ما أبدلني الله منها، آمَنَت بي إذ كذّبني النّاس، وواستني بمالها إذ حرمني النّاس".
يومها، دثّرته وزمّلته، وسارعت مع عليّ(ع) لإعلان إسلامهما وشهدا: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه، لم يتّخذ ولداً ولم يتّخذ صاحبة، إلهاً واحداً، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى النّاس كافّةً بين يدي السّاعة، ونشهد أنَّ الله يحيي ويميت، ويرفع ويضع، ويغني ويفقر، ويفعل ما يشاء ويبعث من في القبور...
أيّها الأحبّة، لقد بلغ من عطاء هذه الصدّيقة أنّها ذابت في العطاء من أجل الرّسالة، وذهب عطاؤها في عدّة اتجاهات:
أوّلها: حرصها دوماً على تأمين الرّاحة اللازمة لمحمَّد، وعلى دعمه معنويّاً، حيث كانت تشدّ عزيمته، وتقوّي موقعه الرّساليّ، وتؤكّد له إيمانها به فتقول: "والله لا يخزيك أبداً، والله لا يخزيك أبداً،إنّك لتصل الرّحم وتصدق الحديث، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ".
لقد شكَّلت السيّدة خديجة لرسول الله بيتاً يمتلئ عاطفةً وحناناً ورعايةً، ينسيه كلّ التّعب عندما كان يُرمى بالحجارة، وتوضع الأشواك في طريقه ويُساء إليه....
وثانيها: أنّ عينها كانت على حركة الرّسالة، فعندما كانت ترى النّاس الَّذين يدخلون الإسلام يُحرمون من أعمالهم، لأنّهم آمنوا برسول الله، لم تكن تتركهم يعانون وحدهم، بل بذلت لهم الكثير من مالها، فكانت تشتري الطّعام لكي يصل إلى المسلمين، متحمّلةً بذلك نفقات الدّعوة إلى الله، وهي راضية عارفة بما تقوم به.
كما تميَّزت حركة السيّدة خديجة باستعمال سلاح الصَّبر، ?فالتحدّيات كانت كثيرةً وكانت تشتدّ مع مرور الأيّام، وخصوصاً بعد أن عمدت قريش إلى الضَّغط على رسول الله من خلال بناته زينب وأمّ كلثوم ورقيّة، إذ كانت أمّ كلثوم ورقيّة متزوّجتين من ابني عمّ النّبيّ أبي لهب قبل الإسلام، وكانت زينب متزوّجةً من ابن العاص، ابن أخت السيّدة خديجة، حينها جاءت قريش إلى أزواج بنات النبيّ(ص) وقالت لهم: "ردّوا عليه بناته فاشغلوه بهنّ"، وبينما رفض ابن العاص أن يطلّق زينب، طُلّقت أمّ كلثوم ورقيّة، وصبر رسول الله(ص) حينها، وصبرت خديجة، وصبرت بناتها، فداءً للإسلام ونصرةً لدين الله..
ولم تقف معاناة السيّدة خديجة عند هذا الحدّ، بل ابتلاها الله بموت ولديها القاسم والطيّب صغيرين في مكَّة، وصبرت هي وصبر رسول الله، وله كلمة مشهورة واساها بها عند وفاة ابنها القاسم، مخفّفاً عنها بقوله: "يا خديجة،أما ترضين إذا كان يوم القيامة، أن تجيئي إلى باب الجنّة وهو قائم، فيأخذ بيدك ويدخلك الجنّة وينزلك أفضلها؟ إنّ الله أعزّ وأكرم من أن يسلب المؤمن ثمرة فؤاده ثم يعذّبه بعدها أبداً".
وتجلّى صبر خديجة وثباتها في سنوات الحصار، في أحد شعاب مكّة، حيث حوصر الرّسول والمسلمون معه لثلاث سنوات بأمرٍ من قريش، إذ عانت خديجة مع من عانوا، وتعذّبت مع من تعذّبوا، وكانت تشتري لهم الطّعام بأضعاف مضاعفة لتكسر الحصار، فكانت صابرةً محتسبة، تشدّ أزر المسلمين وتساعدهم...
?وظلّت خديجة كذلك إلى عام الحزن، حين مرضت واعتلّت صحّتها، وانتقلت بعد ذلك إلى رحاب ربّها في العاشر من شهر رمضان في العام العاشر للبعثة، ولم تتمكَّن أيّ امرأة أخرى من أن تملأ مكانها في حياة رسول الله، وليس عبثاً أن تحمل الزّهراء(ع) هذا العبء وتصبح أمّ أبيها.
دروس من حياة خديجة
أيّها الأحبَّة، في حياة هذه العظيمة الكثير من الدّروس، نختار منها ثلاثة هي موضع ابتلاء المسلمين والمسلمات اليوم، وهي:
1 ـ تجسيد السيِّدة خديجة للصّورة الفذّة والمشرقة عن المرأة في الإسلام، فهي ليست المغلوبة على أمرها، ولا الهامشيَّة الباحثة عن دور خلف دور الرّجل. وعندما نتحدَّث عن أركان البناء الإسلامي، نتحدَّث عن قيادة رسول الله(ص) ومال خديجة وسيف عليّ. وعندما نتحدَّث عن حركة الإسلام بعد ذلك، نجد الزّهراء ونجد زينب، ونجد نماذج لا تُنسى، ومشاعل مسيرة من النّساء الواعيات المجاهدات...
إنّنا أيّها الأحبّة، ما زلنا بحاجةٍ إلى أن نهتدي بسيرة خديجة، وبمشاعل مسيرة المرأة الإسلاميَّة الَّتي كانت شريكة الرّجل في التّبليغ، وشريكته في الجهاد، وشريكته في الصَّبر والعطاء والبذل... أليس في هذا ما يكفي لكي تظلّ المرأة المسلمة النّصف الفاعل في مجتمعاتنا؟!
لهذا، باسم الإسلام الَّذي كانت خديجة أوّل امرأة تنتسب إليه، ندعو إلى أن تنهض المرأة بنفسها وبطاقاتها، وأن لا تهمّش دورها على حساب صورٍ أخرى. وفي الوقت نفسه، ندعو المجتمع، والرّجل تحديداً، إلى أن لا يهمّشها، فالكثيرون من الرّجال ممن يقدّمون أنفسهم أنّهم رساليّون ومتنوّرون، نراهم في موضوع المرأة ومشاركتها الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، كأنّهم يعيشون في القرون الوسطى..
لهذا نحن ندعو إلى أن لا تُحيَّد المرأة الجادّة الرّساليّة والواعية عن مواقع العمل أو القرار، ويجب أن يكون لها موقعها الفعليّ والحقيقيّ، تكتسبه بعملها وجهدها وإمكاناتها، لا بترتيب أو بواسطة أو "كوتا" كما يقولون. نريد للمرأة في واقعنا أن تتصدّى حتّى للعمل السياسي والاقتصاديّ والإداريّ والتنمويّ، فكم من النّسوة مَن هنّ أجدر بتحمّل المسؤوليّة من الكثير من الرّجال الَّذين وصلوا بكلّ سهولة ويسر إلى مواقع خدمة النّاس، وكأنَّه حقّهم المكتسب فيما هم لا يفعلون شيئاً...
2 ـ مخالفة السيّدة خديجة بزواجها من رسول الله القاعدة التّقليديَّة الّتي ترى في الزّواج مجرّد رغبة وتلبية حاجة، فيما الزّواج، هو بناء أسرة لإعداد المجتمع. لهذا فكّر رسول الله في الإنسانة الَّتي تشدّ أزره وتقف معه في مواجهة أعباء الحياة، لتكون عوناً له في أمر دينه ودنياه، متجاوزاً فارق السنّ بينه وبينها. وكذلك لم تفكّر السيّدة خديجة في من يوازيها مالاً وموقعاً، بل فكّرت في من يملك أخلاقاً وإيماناً، ويعينها على أمر دينها ودنياها...
وهذه الصّورة نحتاج إلى أن نؤكّدها في عقول أبنائنا المقبلين على الزّواج، حيث بات الشَّكل والمال يتصدّران أساسيّات البحث عن الزّوجة، حتّى إنَّ البعض لا يستحي من أن يضع دفتر شروط ومواصفات حسيَّة، وكأنّه يريد سلعة. طبعاً الإسلام ليس ضدّ عمليَّة الميل والرّغبة بشيء محدّد، ولكن ليس على حساب الأمور الأهمّ، وخصوصاً أنَّ المجتمع الإسلاميّ بات يعاني من الكثير من الرّجال الَّذين لا يرغبون بالنّاضجات الواعيات المثقّفات، الجادّات والمتّزنات، ويهرعون إلى زيجات يحكمها المال والجمال وصغر السّنّ .. ويكتشفون، ولكن بعد فوات الأوان، أنَّ النّضج والحكمة والوعي لدى الزّوجة هو من يبني الأسرة على قواعد متينة، لا تهتزّ لأتفه الأسباب، فتنهار أو تكمل سيرها عرجاء ليدفع أبناؤها الثّمن..
وهنا نتذكّر كلام رسول الله(ص): "من تزوّج امرأةً لا يتزوّجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحبّ، ومن تزوّج امرأة لا يتزوّجها إلا لمالها، وكله الله إليه، فعليكم بذات الدّين..". وفي المقابل، المطلوب أيضاً من بناتنا أن ينظرن إلى الأمر من الزّاوية نفسها، بعدم جعل المال والموقع أساس دفتر الشّروط في اختيار الزّوج، بل عليهنّ تطبيق ما نصح به رسول الله الأهل عندما قال: "من جاءكم ترضون خلقه ودينه فزوّجوه".
3 ـ أمّا الدرس الثّالث الَّتي أكّدته السيّدة خديجة، فهو أنَّ المرأة بمقدورها أن تكون فاعلةً وناشطةً على مستوى مالها الشَّخصي، فلا سلطة لأحد عليها، ومن هذا المنطلق، حوّلت مالها إلى مالٍ رساليّ، تخدم به أهدافاً كبرى، وتبني فيه واقعاً وتسدّ فيه ثغرة. والحمد لله أنّنا نشهد الوعي لدى الكثير من أخواتنا وأمّهاتنا اللّواتي لا يبخلن في وقت الشَّدائد بأموالهنّ، ولا حتّى بمصاغهنّ الّذي يطلبن تحويله إلى صدقةٍ جارية، لسدّ حاجة أيتام أو فقراء أو معوزين، أو لدعم قضيّة هنا أو هناك، والمسجد هنا يشهد، وهنيئاً لهنّ بمثل هذه الشّهادة من بيت الله..
أنموذج الطّهر
أيّها الأحبَّة، ?لقد عاش الرّسول(ص) مع خديجة خمساً وعشرين سنةً، أعطته خلالها حبّاً وهي لا تشعر بأنّها تعطي، بل كانت تشعر بأنّها تأخذ منه حبّاً فيه كلّ السّعادة، وأعطته ثروةً وهي لا تشعر بأنّها تعطي، بل تأخذ منه هدايةً تفوق كنوز الأرض.
لقد ارتأت المشيئة الإلهيَّة أن يكون من نسل خديجة ورسول الله كلّ هذا الطّهر الَّذي تمثّل بالزّهراء(ع) والأئمّة(ع) الَّذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، وهذا ما أشار إليه الإمام الصّادق(ع) عندما قال: "إنّ الله جعل السيّدة خديجة وعاءً لنور الإمامة".
ما أحوجنا ونحن نعيش ذكرى السيّدة خديجة إلى خديجاتٍ كثرٍ أمثالها، من الرّجال والنّساء الَّذين ينفقون في سبيل الله، ويصبرون في سبيله، ويُسكنون الإيمان والفرح في داخل بيوتهم سكناً، ويبلّغون دعوة الله، أولئك هم الّذين استجابوا لدعوة الله حقّاً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِوَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[الصّفّ: 10،11،12].
السَّلام على خديجة الكبرى يوم ولدت، ويوم انتقلت إلى رحاب ربّها، ويوم تبعث حيّةً...
الخطبة الثّانية
عباد الله، اتّقوا الله حقّ تقاته، ولنحرص ونحن نطلق التّصريحات ونتّخذ المواقف، أو عندما نعبّر عن آرائنا وأفكارنا وتوجّهاتنا، أن يكون هاجسنا دائماً الكلمة الّتي تقرب لا الّتي تبعّد، الكلمة التي تصلح لا التي تفسد، الكلمة الّتي تبشِّر لا التي تنفّر، الكلمة الّتي تفتح العقول لا الّتي تثير الحساسيّات، فلقد جرّبنا في واقعنا الكلمات المتوتّرة والانفعاليّة والنّابية، الكلمات المملوءة حقداً وبغضاء...
فماذا أنتجت سوى العداوات والتوتّرات، ورفعت منسوب الحساسيّات، ورحنا نتحاقد في الفكر وفي السّياسة وفي الدّين، هذه الحساسيّات الّتي يستفيد منها كلّ الّذين يريدون لساحاتنا أن تبقى ساحات اهتزاز، بحيث نخشى دائماً من أيّ خلافٍ أن يتحوّل إلى فتنة...
لذلك، لنعد إلى شريعة الله: {وقل لعبادي يقولوا الّتي هي أحسن} {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}...
أيّها الأحبّة، إنّنا متعبون في داخل بيوتنا، في مجتمعاتنا، في أحيائنا، في أوطاننا، من هذا العالم المتكالِب علينا، لماذا لا نريح أنفسنا بكلمات المحبّة، بالكلمات الّتي تفتح الجسور المغلقة بكلمات الوعي حتّى نرتاح، فيكفينا ما نواجهه في هذا العالم الّذي يتآمر علينا شعوباً وأوطاناً وأدياناً، فها هي المنطقة العربيّة والإسلاميّة تدخل في مرحلة سياسيّة وأمنيّة جديدة عنوانها الانتظار، ريثما تتجلّى الصّورة في الانتخابات الأمريكيّة والفرنسيّة وغيرها.. وما يجري من حواراتٍ بين المحاور الدّوليّة والإقليميّة الّتي لها تأثيرها في دول المنطقة...
وفي مرحلة المراوحة والانتظار هذه، يُراد للنزيف الأمني والسياسي الجاري، أن يستمرّ على حاله، لتنطلق التّسويات أو المساومات حولها، في الوقت الدّولي المناسب، بعد أن تكون كلّ القوى المتصارعة قد استنزفت قواها وأصبحت جاهزةً لتقبّل الحلول المطروحة الّتي تخدم مصالح الدّول الاستكباريّة في المنطقة، ولا سيّما مسألتي النّفط وتثبيت قواعد الكيان الصّهيوني...
فلسطين: استباحة صهيونيّة
وفي هذا الوقت، يستغلّ العدوّ الصّهيوني ما يجري في المنطقة، وبتغطيةٍ دوليّةٍ وسكوت عربي وإسلامي، يتابع سياسة فرض الأمر الواقع، فيشرع في تثبيت احتلاله لفلسطين، من خلال بناء جدارٍ فاصلٍ عند بوّابة فاطمة على الحدود اللّبنانيّة ـ الفلسطينيّة المحتلّة، وزيادة الوحدات الاستيطانيّة في القدس وإخراج المقدسيّين منها، ومواصلة سياسة الاعتقال والتّضييق على المعتقلين الفلسطينيّين، فضلاً عن اقتلاع مئات الأشجار من الزّيتون، وفي الوقت نفسه، يبعث برسائل تهديد، مرّةً إلى إيران في ملفّها النوويّ، وأخرى إلى السلطات المصريّة بأنّ عليها أن تضبط الأوضاع في سيناء لحماية أمنه...
إنّ كلّ هذا الواقع يستدعي أن يتنبّه العرب والمسلمون لمخطّطات هذا العدوّ، وأن يُبقوا بندقيّتهم في مواجهته بدلاً من توجيهها إلى صدور بعضهم بعضاً، سواء في داخل كلّ بلد عربيّ وإسلاميّ، أو بين هذه البلدان، والإسراع في الحوار الداخليّ بين الدّول العربيّة والإسلاميّة، كي لا تبقى ساحات توتّر كما يُراد لها أن تكون...
وهنا نستغرب الحديث الّذي انطلق أخيراً عن حضارة عربيّة في مقابل حضارة فارسيّة، وبالعكس، أو عن حضارة عثمانيّة في مقابل حضارة أخرى، لنقول للجميع ما قاله رسول الله(ص): "أجاهليّةٌ بعد إسلام"، وأنّه "لا فضل لعربيّ على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"...
مصر: استهداف الثّورة
ومن هنا، فإنّنا نعيد التأكيد على الشّعب المصريّ، وبعد الأحداث الأخيرة المؤسفة، والّتي حصدت عشرات القتلى والجرحى، بضرورة العمل لتوحيد صفوفه في مواجهة كلّ الّذين يريدون أن يفرملوا هذه الثّورة كي لا تحقّق نتائجها في الاستقرار السياسيّ والأمنيّ، فلا ينطلق الصّراع في مصر بين الإسلاميّين، أو بين الإسلاميّين والعلمانيّين، أو بين العسكر والشّعب، ولا تنطلق صراعات هامشيّة بين مصر وبعض بلدان العالم العربي، ليكون الموقف موحّداً لبناء دولةٍ قادرةٍ على أن تحلّ الأزمات المتراكمة فيها، لتعود مصر إلى دورها الرياديّ الفاعل الّذي ينتظره العالم العربيّ والإسلاميّ...
سوريا: النزيف المستمرّ
وعندما نصل إلى سوريا، فإنّنا ندعو مجدّداً إلى تضافر جهود الجميع في العمل لإخراج سوريا من دائرة الفتنة والأزمة المستمرّة فيها، والّتي أظهرت التفجيرات الأخيرة الّتي لا تفرّق بين مدني وعسكري، أنّ هناك من يعمل جاهداً لإطالة عمر هذه الأزمة، واستمرار النزيف على حساب مصالح الشّعب السوري، ولا سيّما أولئك الذين عملوا منذ البداية على نعي خطّة أنان، وبدأوا برسم سيناريوهات التدخّل الدّولي في أعقابها...
إنّنا نقول للجميع، سواء للمعارضة السوريّة أو الدّول العربيّة، وكلّ الّذين يملكون التّأثير في هذا الفريق أو ذاك، إنّ المسؤوليّة تطاولكم جميعاً لكي تبذلوا كلّ الجهود لإدارة حوار حقيقيّ في سوريا، لأنّ البديل هو المزيد من الاستنزاف وإراقة الدّماء الّتي لن يربح فيها أحد، بل سيكون الرّابح هو الكيان الصّهيوني الّذي يجلس على تلّ المنطقة مقهقهاً وساخراً من كلّ الكيانات العربيّة والإسلاميّة...
البحرين: تفاقم الأزمة
كما نتوجّه إلى السلطات في البحرين، أن لا تتعامل مع الأزمة فيها من موقع المنتصر على شعبها، بل من موقع الحريص عليه، وأن تسعى لمعالجة قضيّة الأسرى والمعتقلين السياسيّين، ولا سيّما النّاشط عبد الهادي الخواجة، والمباشرة بالحوار السياسيّ الدّاخليّ، لأنّه أقصر الطّرق إلى الحلّ، ولكونه الطّريق الوحيد الّذي يحفظ فيه الجميع ماء وجوههم، وتستعيد فيه البحرين قوّتها وتماسكها، لتبدأ بعد ذلك مسيرة تضميد الجراح، بعد كلّ هذا النزيف الّذي كان من الممكن تجاوزه منذ البداية، لو أنّ السّلطات قرّرت أن تستجيب لنبض الشّارع وصوت شعبها، وأن تعطيه بعضاً من حقوقه ومطالبه المحقّة...
لبنان: الهاجس الأمنيّ
ونصل إلى لبنان، لنلاحظ أنّ اللّبنانيّين باتوا يعيشون الهاجس الأمنيّ نتيجة تداعيات ما يحدث في الجانب السّوريّ، ما يستدعي وعياً من قِبَل كلّ اللّبنانيّين والمسؤولين لذلك، وتلافي أيّ فتنة قد تحصل من وراء ذلك...
كما ندعو الحكومة إلى الإسراع في حلّ الملفّات العالقة بدلاً من تأجيلها، حيث لا تعيينات ولا حلّ للأزمة الماليّة، ولا معالجة جديّة لأزمة الكهرباء، ونحن على أبواب صيفٍ حارّ...
وفي إطار الحديث عن الزّيارات الّتي تتمّ من الوفود المختلفة إلى لبنان، فإنّنا ندعو اللّبنانيّين إلى أن يميّزوا بين الأصدقاء والأعداء، بين الّذين يريدون أن يساعدوا هذا البلد، وبين الّذين يريدون أن يكون ساحةً يصوّبون من خلالها على الآخرين، بين الّذين يثيرون اللّبنانيّين بعضهم على بعض، وبين الّذين يعملون على توحيد صفوفهم، بين الّذين وقفوا مع هذا البلد في أزماته، ولا سيّما في مواجهة العدوّ الصّهيونيّ، وبين الّذين وقفوا مع هذا العدوّ في عدوانه ليزيد من معاناة أبنائه...
ومن هنا، فإنّنا ننظر بكلّ إيجابيّة إلى ما استمعنا إليه من الوفد الإيرانيّ، حول استعداد إيران لحلّ أزمة الكهرباء المستعصية حلاً جذريّاً...
إنّنا ندعو الدّولة إلى أخذ هذا العرض بكلّ جديّة، لما فيه من مصلحة لكلّ النّاس، بعيداً من طوائفهم ومذاهبهم، وأن لا يدخلوا في الحسابات الطائفيّة والمذهبيّة، أو بالنزاعات السياسيّة، لتكون مصلحة اللبنانيّين هي الأساس وفوق كلّ اعتبار...
لقد آن الأوان في هذا البلد لأن تكون هناك دولة تفكّر في مصالح اللّبنانيّين ومستقبلهم، لا أن تفكّر فقط في أصواتهم، وآن الأوان للبنان ولشعبه ليُدلي بصوته الحرّ في الانتخابات، لا أن يكون دوره هو وضع أوراق أعدّت له ليضعها في صناديق الاقتراع...
|