نسخة للطباعة

أرشيف منبر الحسنين

العبادة ومسؤوليَّة المجتمع

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

ألقى سماحة السيّد جعفر فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

الخطبة الأولى

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}[الحج: 27- 28]. وروى الإمام جعفر الصَّادق (ع) عن أبيه عن آبائه عن رسول الله(ص) أنّه قال: "إنَّما جعل هذا الأضحى لتشبع مساكينكم من اللّحم، فأطعموهم".

قيمة الشّكر

من مظاهر عظمة الإسلام، أنَّ العبادة فيه لا تمثِّل حالةً روحيّةً خاصّةً بين الإنسان وربِّه، حتَّى إذا خرج الإنسان من صلاتِه أو من نسُكِه، فإنَّه ينفصل عن العبادة وجوِّها الرّوحيّ؛ بل إنَّ العبادة تحرّك في الإنسان ـ وهو يتقرَّب إلى الله ويحرص على شروطها وأجزائها الشّرعيَّة ـ كلّ شعورٍ بالمسؤوليَّة عن المجتمع، سواء في الجانب السياسيّ أو الأمنيّ أو الجهاديّ أو الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ.

فعندما يرتبط الإنسان بالله العزيز، ويقرأ في القرآن الكريم: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[المنافقون: 8]، فإنَّه لا يُمكن أن يقبل أن يذلَّ نفسه أمام ظالمٍ أو طاغية، أو أن يتنازل عن مبادئه أمام ضغط المستكبرين ومشاريعهم.

وعندما يتأمَّل الإنسان المؤمن في تشريع الحرم الآمن، والزّمن الآمن (الأشهر الحرم)، فإنَّه يشعر بأنَّ إيمانه يمنعه من إخافة النّاس وإرعابهم، ويدفعه إلى العمل لتحقيق الأمن للنّاس جميعاً، على قاعدة العدالة الّتي أمر بها الإسلام وجاءت بها الدّيانات.

وعندما يمارس الإنسان أو الحاجّ نسكه في ذبح أضحيته يوم العيد، فإنَّه يشعر بأنَّ نعمة الله عليه، تفرض عليه أن يصرف من هذه الأنعام في سدِّ حاجات النّاس، من فقراء ومساكين حمّلنا الله مسؤوليَّتهم.

وهذا كلّه يرتكز إلى القيمة المركزيَّة في الإسلام، وهي الشّكر، الّذي يبدأ من معرفة المنعم وإدراك وجوب شكره، ومن ثمّ الإحساس الوجدانيّ بلزوم شكره، ثمّ التّعبير عن ذلك باللّسان، وأخيراً ـ وهذا هو الأهمّ ـ أن يشكره بعمله، وذلك بأن يوظِّف النّعمة في خطّ مرضاة الله عزّ وجلّ، وهو ما عبَّر عنه عليّ(ع) عندما قال: "أقلّ ما يلزمكم لله، أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه".

العلاقة بين الشّكر والمسؤوليّة

وقد فصَّل الإمام جعفر الصّادق(ع) العلاقة بين الشّكر والمسؤوليّة، حيث قال: "إنَّ الله لم ينعم على عبدٍ نعمةً إلا وقد ألزمه فيها الحجَّة من الله؛ فمن منَّ الله عليه فجعله قويّاً، فحجّته عليه القيام بما كلَّفه، واحتمال من هو دونَه ممّن هو أضعفُ منه؛ فمن منَّ الله عليه فجعله موسّعاً عليه، فحجّته عليه مالُهُ، ثمّ تعاهدُهُ الفقراء بعدُ بنوافله؛ ومن منَّ الله عليه فجعله شريفاً في قومه، جميلاً في صورتِه، فحجَّته عليه أن يحمد الله تعالى على ذلك، وأن لا يتطاول على غيره فيمنع حقوق الضّعفاء لحال شرفه وجماله".

وهذا الأمر، لا يقتصر على ما ذُكر، بل إنَّ الإمام(ع) يعطينا القاعدة لحركة الشّكر في حياتنا؛ سواء كانت نعماً لنا كأفراد، أو كجماعات أو كدولٍ أو كأمَّة. فإذا كنَّا في بلدنا قد أنعم الله علينا بوفرة الماء، فمن شكر النّعم أن نستثمر هذه الطّاقة، وأن لا نعمل على إفسادها بالتلوّث وما أشبه ذلك. وإذا منَّ الله علينا بثروات طبيعيَّة، فمن شكر النّعمة أن نستفيد منها، وأن نحرِّكها لسدّ حاجاتنا؛ وإلا فإنَّ الله سيسألنا عن ذلك.

ومن هنا نفهم أنَّ قول الله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}[إبراهيم : 7]، أنَّ المقصود هو الشّكر العمليّ؛ وهو نفسه ما عناه الله تعالى بقوله: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}[النحل: 112]، فإذاقة الله لها ذلك، ليس بالضّرورة أن يكون غيبيّاً مباشراً، بل هي علاقة سببيَّة بين الكفر العمليّ بالنّعمة وبين زوالها؛ وشواهد ذلك كثيرة في حياتنا.

تعزيز مبدأ التَّكافل الاجتماعيّ

انطلاقاً من ذلك، أكَّد الله تعالى مبدأ التّكافل الاجتماعيّ، وقد ربطه الله بحركة التَّقوى، وبمدى صدقيَّة الإنسان في علاقته بالله عزَّ وجلّ، سواء في زكاة المال، أو في الصّدقة، أو في النّذور، أو في الكفَّارات، أو في المناسك.

وهذا كلّه يحتِّم علينا أن نعمل على تعزيز الخدمة الاجتماعيَّة وضمان استمراريَّتها، عبر دعم المشاريع الخدماتيَّة والمؤسَّسات الّتي ترعى الأيتام والمساكين والفقراء والمعوّقين والجرحى وما إلى ذلك، ومن الخطأ أن نعمل على تصنيف المؤسَّسات أو تحزيبها أو ما إلى ذلك؛ لأنَّ كلّ المؤسّسات المخلصة ينبغي أن تُدعم، كما أنَّ حاجات المجتمع أوسع من الجميع.

إضافةً إلى ذلك، نرى أنّ من الضّروريّ التّخطيط لعمل الخير؛ وذلك عن طريقة دراسة جدوى أيِّ مشروعٍ يريد أصحاب الأموال أن يقوموا به قربةً إلى الله؛ لأنَّ المطلوب هو خدمة الإنسان، وأن يصل الخير إلى أكبر عددٍ ممكن؛ لا أن يشعر الغنيّ الّذي يبذل ماله قربةً إلى الله، أنّ عليه أن يصرف ماله في بلده، أو في منطقته، أو ضمن عائلته فحسب، حتَّى لو لم يكن هناك من يحتاج إلى ذلك، أو كانت هناك أولويّات في الحاجة تفوق حاجات بلده.. إنَّنا نتحدَّث عن ذلك حتّى لا تتحرَّك المشاريع في عشوائيَّة قد تفقد معناها الخدماتيّ، بدلاً من أن تسدّ حاجةً ملحّةً للمجتمع. والله سبحانه حسبنا ونعم الوكيل.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

تفاؤل بحلِّ الأزمة السوريَّة

في البداية، ترك الاتّفاق الّذي تمّ بين سوريا والجامعة العربيَّة، ارتياحاً ملحوظاً لدى الأوساط الشعبيّة والرّسميّة في العالم العربي والإسلامي، واعتبر مقدّمةً لحلّ الأزمة في سوريا، وإذا ما خلصت النّوايا، فإنّ من شأن هذا الاتّفاق أن يجنّب سوريا والمنطقة خطر التدخّلات الأجنبيّة.

وإنّنا نرى في الجهود الّتي بذلت في هذا المجال، ما يدعو إلى التّفاؤل بقرب عودة الاستقرار إلى هذا البلد العربي الشّقيق، كما نأمل أن تكون الجامعة العربيّة قد بنت مبادرتها على روحٍ جديدةٍ متوافقة مع روحيّة الحراك الشعبي في العالم العربي، الّذي نأمل أن يكون قاعدةً لانطلاق الجامعة العربيّة على أسس جديدة، تعمل من خلالها على تحقيق المصالح العربيَّة المشتركة، بدلاً من أن تكون هامشاً لحركة الإدارات الغربيَّة الاستكباريَّة، ولا سيَّما الولايات المتحدة الأمريكيّة، الّتي تصرّ على فرض مشاريع الهيمنة والتسلّط على الواقع العربيّ والإسلاميّ، كما فعلت بالاشتراك مع دول أوروبيّة حليفة في المسألة اللّيبيّة.

وفي الوقتِ نفسِه، نُدرك أنَّ حركة المصالح الدّوليَّة، والأمريكيَّة بالخصوص، قد تسعى ـ كما كانت دائماً ـ إلى تعطيل الحوار المرتقب بين السلطة والمعارضة حول الإصلاح، بهدف استكمال الخطّة الغربيّة في نشر الفوضى في المنطقة، خدمةً لمصالحها، وضماناً لعدم استقرار محيط الكيان الصّهيونيّ.

فضيحة السَّياسة الأمريكيَّة

وفي مشهدٍ آخر، شهد العالمُ كلّه الفضيحة الكُبرى لحركة السياسة الأمريكيَّة تجاه قضايا الشعوب وحقوق الإنسان، عندما عارضت بشدَّة قرار الأونيسكو بقبول عضويَّة فلسطين في هذه المنظّمة الدّوليّة، وقرّرت سحب تمويلها منها، في حركةٍ تُظهر نوعاً من الحالة المأزومة التي تعاني منها الإدارة الأمريكيّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة.

وإذا كان ما يدعو إلى الأسى هو أن نهلّل لحصول أصحاب الأرض على أبسط الحقوق الإنسانيّة، وهو الاعتراف بالوجود في إحدى منظَّمات الأمم المتَّحدة، فإنَّ علينا أن نعي جملةً من الأمور على هذا الصّعيد:

أوّلاً: أنَّ ثمّة تحوّلات تحدث على مستوى العالم في حركة مصالح الدّول، ما يفترض على كلِّ الدّول المستضعفة استعادة زمام المبادرة، والعمل على تجميع نقاط القوَّة الّتي تمكِّنها من مواجهة تسلّط الإدارة الأمريكيَّة بالخصوص على القرار العالميّ في أكثر من مجال.

ثانياً: أنَّ أحد أهمّ عوامل تحقيق هذا الاعتراف، هو المقاومة المسلّحة للشّعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وفرضُها لمعادلات توازن جديدة في مسيرة استعادة الحق الفلسطيني المشروع، ما يفرض على الجميع حماية هذه المقاومة، وإخراجها من دائرة التّجاذب وتسجيل النّقاط من هنا وهناك.

ثالثاً: ضرورة العمل على تعزيز الوحدة والتّماسك الفلسطيني الدّاخلي، بما يتوزّع فيه الفلسطينيّون الأدوار في استكمال عمليّة بناء القوَّة، وفي إطار استراتيجيه التّحرير الكبير، واستعادة الأرض، كلّ الأرض المحتلّة.

تهديد إيران: محاولة إسرائيليَّة يائسة

 وعلى خطٍّ موازٍ، نلاحظ تصاعد وتيرة التّهديدات الإسرائيليَّة لإيران، في ظلّ تصريح الأمين العامّ للحلف الأطلسي، بأنَّ الحلف لا ينوي التدخّل في إيران، ويدعم التوصّل إلى حلٍّ دبلوماسيّ للخلاف حول الملفّ النوويّ.

وفي الوقت الّذي قد تفسّر هذه التَّهديدات بأنَّها هروب إسرائيليّ إلى الأمام، في محاولةٍ لإعادة الملفّ الإيراني إلى الواجهة، خوفاً من الفراغ الّذي سيخلّفه انسحاب قوّات الاحتلال الأمريكي من العراق، وبأنَّها تأتي بعد تعثّر الخطط لضرب محور الممانعة في المنطقة، إضافةً إلى الاهتزاز الّذي لحق بالصّورة الإسرائيليّة داخليّاً على إثر صفقة تبادل الأسرى مع حماس، وفيما تبدو التَّهديدات في سياق المحاولات اليائسة لإعادة شيءٍ من التَّوازن المفقود في علاقة الكيان ببعض المحاور العربيَّة على إثر الثَّورات العربيَّة، فإنَّنا ندعو الدّول العربيَّة إلى الحذر من الوقوع في الشِّرك الأمريكيّ الصّهيونيّ الهادف إلى توتير العلاقة بين الدّول العربيّة وإيران، فضلاً عن شراء سكوت العرب على أيّ عدوانٍ مغامرٍ قد يقوم به كيان العدوّ بدعمٍ أو تغطيةٍ من الدّول الكبرى.

لقد اختبرت كلّ الأنظمة والحكومات العربيَّة نبض الشارع العربيّ والإسلاميّ، وظهر لها جليّاً وبوضوح، أنّه يقف في موقع المواجهة لكلِّ احتلالٍ واغتصابٍ للأرض وللمقدَّسات، وأنَّ فلسطين تبقى الحاضر الأكبر في عقله ووجدانه، ولذلك فإنَّ الإخلاص لهذه الشّعوب، يفترض من الجميع التّلاقي على دعم قضايا الأمَّة الكبرى، وفي مقدَّمها تحرير فلسطين، وهو ما يتطلّب التّلازم مع التقاء الدّول العربيَّة مع إيران في محورٍ واحد، والعمل على إدارة أيّ اختلافٍ يحصل بينهما بالحوار العقلانيّ الموضوعيّ الّذي يفوّت الفرصة على الدّول المستكبرة، المتربّصة بالجميع الشّرور.

لبنان: تعزيز العيش الكريم

ونصل إلى لبنان، لنلاحظ أنَّ كثيراً من السياسيّين يصرّون على عدم السّير في سياسة داخليّة لبنانيّة، تستهدف تحقيق مصالح هذا الشّعب على المستوى الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ والأمنيّ وما إلى ذلك، بحيث نستفيد من التنوّع السياسيّ ليكون عنصر توازنٍ في تحقيق المصلحة الوطنيّة، وتعزيز القوّة الذاتيّة في مواجهة العدوّ الصهيوني، لا أن يكون هذا التنوّع عنصر إثارةٍ للمناكفات والعصبيَّات، أو قاعدةً لتحريك مشاريع خارجيَّة لا تريد خيراً بهذا البلد، ولا بتنوّعه الديني والإنسانيّ.

وإنّ المطلوب هو أن يأخذ التّخطيط مداه في تعزيز العيش الكريم للمواطن اللّبنانيّ، حتّى لا يكون علاج القضايا المعيشيّة على طريقة الأعطيات والمكرُمات، بل من خلال تفعيل الحركة الاقتصاديَّة الّتي تعطي المواطن حقوقه، ولا تتركه لحركة السّوق وجشع المتاجرين بلقمة عيش النّاس الّذين يسعون دائماً إلى امتصاص أيّ زيادة للرّواتب قبل دخولها إلى جيب المواطن.

التاريخ: 8 ذو الحجّة 1432 هـ  الموافق: 04/11/2011 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: