|
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ألقى سماحة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:
الخطبة الأولى
{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}(الأحزاب: 33).
فضائل تجسَّدت في رجل
لا نزال في شهر رجب الحرام، شهر التّوبة والاستغفار، ننعم بذكرى ولادة أمير المؤمنين، عليّ(ع)، سيّد الوصيّين، وقائد الغرّ المحجّلين إلى جنّات النّعيم... والحديث عن عليّ، أيّها الأخوة والأخوات، يعني الحديث عن فضائل تجسَّدت في رجلٍ، كلُّ سرّه أنّه كان تلميذ رسول الله(ص) وربيبه وعضده، قلّده موقعه في حجّة الوداع، وأمام المسلمين أجمع يوم غدير خمّ: "من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه"... "عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، يدور معه حيثما دار".
أيّها الأحبّة...
قد لا نستطيع في وقت قصير أن ندخل كلّ ساحات عليّ التي تمتدّ على مساحة كلّ ساحات عمرنا ومواقعنا، فهو الّذي عرفته كلّ السّاحات، ساحات العلم والعمل، والعبادة والزّهد والأخلاق، وحبّ النّاس، والتّضحية والصّبر، والعدل والإصلاح.. ولكنّنا سنكتفي بالحديث عن عليّ في ساحة السّلطة وتجربة الحكم...
تجربة الحكم
فمشكلة السّلطة مع عليّ(ع)، أنّه كان يراها وسيلةً لإحقاق حقّ، فيما الآخرون ينظرون إليها كغاية وهدف.
لقد تمّ ما تمّ في سقيفة بني ساعدة، فلم يشهر عليّ(ع)سيفه لاسترداد حقّه..
جاءه في ذلك الوقت أبو سفيان يبدي استعداده لأن ينصره ويملأها عليهم خيلاً ورجالاً، لكنّ علياً الّذي بذل كلّ حياته من أجل الرّسالة، كان يعي أنّ هناك من يترصّد الإسلام، في الدّاخل والخارج، وكان يعرف أنّ عَرْض أبي سفيان ليس بريئاً، وأنّ وراء الأكمة ما وراءها، فرفض العرض، وحدّد موقفه: "لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلا عليّ خاصّة"... ولم يكتف الإمام بذلك، بل كان النّاصح والموجّه والمساعد للّذين أخذوا منه الخلافة. فعلها ليس ضعفاً أو مسايرةً أو خدمات شخصيَّة، إنّما انتهج ذلك حرصاً على الواقع الإسلاميّ، ودفاعاً عنه وتثبيتاً له..
وفيما بعد، وعندما قبل عليّ أن يتولّى السّلطة والخلافة، رفض أن يكتفي ببيعة أهل الحلّ والرّبط، أو بما يسمّى بتعبيرنا المعاصر "المفاتيح الانتخابيّة"، بل أصرّ على أن يحصل على البيعة من النّاس، كلّ النّاس، عامّة وخاصّة، وأمام الملأ في المسجد الجامع، وباختيارهم، ومن دون ترهيب أو ترغيب.
وكانت فترة حكم عليّ تجربةً جسّد في كلّ مفاصلها ـ قولاً وعملاً وقراراً ـ روح الرّسالة والصّورة الصّحيحة للحاكم في الإسلام..
عناوين من تجربة عليّ(ع)
ومن عناوين هذه التّجربة، نسلّط الضّوء على بعضها. تأمّلوها جيّداً، وأترك الاستنتاج لكلّ منكم لتطبيقات ذلك في واقعنا المعاش:
العنوان الأوّل: هو أنّ السّلطة لم تغيّر شيئاً في عليّ الإنسان.. لم تضف شيئاً إلى شخصيّته، بل هو الّذي أضاف إليها، وأعطاها، وطبعها بطابعه، فهو لم يأمر رعيّته بمعروف لم يسبقهم إليه، ولا نهاهم عن فكر أو باطل وأتى بمثله. لقد تابع بدقّة خطوات الرّسول(ص) لإحداث التّغيير في المجتمع، من موقع المجاهد المصلح الّذي يرفع الشّعار ويكون أوّل من يطبّقه.
وثاني العناوين: أنّ عليّاً لم يكن طالب مجد أو جاه، ولا وجد في المنصب فرصة ليغرف من طيّبات الدنيا وزخارفها، وهو الزّاهد الّذي طلّق دنياه ثلاثةً لا رجعة فيها، والّذي يقول فيه حفيده الإمام الصّادق(ع): "إنّه ولي أيام خلافته خمس سنين، وما وضع آجُرّةً ولا لَبِنةً على لبنة، ولا أقطع قطيعاً ولا أورث بيضاء أو حمراء". فيما يذكر المؤرّخون كيف أنّ ديدن الحكّام كان الجلوس على موائد الطّعام. وينقل ابن كثير: أنّ معاوية كان يأكل في اليوم سبع مرات، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئاً كثيراً. وللأسف، فهذا المؤرّخ لا يستنكر الأمر، وإنما يبرّره بقوله: وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كلّ الملوك...
وينقل عن ذاك الّذي حضر معركة صفّين أنّه قال: "الصّلاة خلف عليّ أقوم، والطّعام عند معاوية أدسم، والجلوس على التلّ أسلم".
بين الزّهد والمسؤوليّة
وثالث عناوين تجربة الحكم مع عليّ: أنّ مفهوم الزّهد في الدّنيا وحطامها لم يكن يعني للإمام الاستقالة من مسؤوليّته ودوره، ولا تطبيق سياسة النّأي بالنّفس تاركاً كلّ شيء خلفه، فهو إمام ووصيّ، والحكم مسؤوليّة، ويعبّر عليّ(ع) عن هذا الموقف بدقّة حين يقول: "اللّهم لم يكن الّذي كان منّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك". أمّا السّلطة من أجل السّلطة، فهي في نظر عليّ(ع) لا تساوي قيمة نعل قديمة، إذ يقول لابن عمّه ابن عبّاس لما رآه يخصف نعله: "ما قيمتها؟... والله لهي أحبّ إليّ من إمرتكم؛ إلا أن أقيم حقّاً، أو أزهق باطلاً".
ومن عناوينتجربة عليّ في الحكم أيضاً، رفضه اتّباع الأساليب الملتوية لتقوية سلطته، لذلك عندما جاؤوا إليه بعدما وصلت إليه مقاليد الخلافة، طالبين منه أن يتعامل مع الحكم بغير الأسلوب الّذي كان يتعامل به من قبل ـ وهو في موقع المعارضة ـ كبذل المال من بيت مال المسلمين لاستجلاب تأييد الأفراد والعشائر ومواقع النّفوذ، على غرار ما يفعل معاوية لشراء الضّمائر، قال حينها معلّلاً رفضه استعمال ما هو متعارف عليه اليوم بالمال السياسيّ: "أتأمرونني أن أطلب النّصر بالجور فيمن ولّيت عليه؟".
كان عليّ(ع) محنّكاً خبيراً، لكنّه كان لا يفهم السياسة غشّاً ولا مكراً ولا خداعاً، وكثيراً ما كان يقول لمن ينصحه باتّباع أسلوب معاوية في السياسة: "والله ما معاوية بأدهى منّي، ولكن يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر والفجر، لكنت من أدهى العرب".
وخامس هذه العناوين، أنَّ عليّاً لم يستغلّ موقعه ليضمن حصَّته من قرص جبنة الحكم، أو ليوظّفه في أيّ حسابات خاصّة، أو لحسابات عائليّة أو عشائريّة أو فئويّة. فهذا أخوه عقيل يدخل عليه مرّةً طالباً منه مبلغاً من المال لسداد دينه، فيقول له الإمام: "إصبر حتّى يخرج عطائي" (العطاء الشّهريّ الّذي كان يعطيه للمسلمين المحتاجين)، فانزعج عقيل وسأله متعجّباً: "بيت المال في يدك وأنت تسوّفني إلى عطائك؟!"، فردّ الإمام: "ما أنا إلا بمنزلة رجل من المسلمين، آخذ ما يأخذون". وعندما راح عقيل يلحّ على الإمام أن يعطيه، استعمل معه الإمام أسلوباً آخر، وقال له: "إن شئت أخذت سيفك وأخذت سيفي، وخرجنا إلى الحيرة، فإنّ بها تجاراً مياسير، فدخلنا على بعضهم فأخذنا مالهم"، فقال له عقيل مستنكراً: "أوسارقاً جئت؟"، فقال له الإمام: "لَتَسرق من واحدٍ خيرٌ من أن تسرق من المسلمين جميعاً" .
إمام الحقّ والعدل
ونختم بالعنوان الأبرز في تجربة عليّ(ع) مع الحكم، وهو موقفه من موضوع الحقّ والعدل، لقد نغّصا على عليّ حياته وعيشه، وسلباه الرّاحة والاطمئنان. لقد كان العدل حجر الزّاوية في منظومة سلطانه، والمساواة بين الرّعية في الحقوق والواجبات أبرز وجوه العدل الّذي كان ينشده، مطلقاً معادلته الشّهيرة: "القويّ العزيز عندي ضعيف ذليل حتّى آخذ منه الحقّ، والضّعيف الذّليل عندي قويّ عزيز حتّى آخذ له بحقّه".
أيّها الأحبّة:
إنّ لائحة عناوين تجربة الحكم لدى عليّ متعدّدة وطويلة بتعدّد معارك الإمام، ولَكَم أتعب نفسه لأنّه كان يسير على نهجٍ أدقّ من حدّ السّيف، فعليّ لم يكن يُجامل ولا يُساير على حساب الحقّ، لقد كان يعرف معاركه الّتي تنتظره منذ أن أتوا يقنعونه كي يقبل بالخلافة، يومها قال لهم: "اعلموا أنّي إن أجبتكم، ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب".
هذه هي المشكلة، هو يريدهم لله وهم يريدونه لأنفسهم. لذلك، ومنذ البداية، كان عليّ صريحاً مع رعيّته، أميناً لشعاراته ولرسالته، جاء ليطبّق العدل وليقيم الحقّ، لذلك لم يكن في سجونه سجين سياسيّ أو سجناء عقيدة، وكرّس مبدأ المساواة وحريّة الرّأي، وظلّ صوته هادراً في وجه ولاته، فإذا بلغه عن أحد منهم تقصير أو خيانة، بعث إليه: "إذا أتاك كتابي فاحفظ ما في يديك من عملنا، حتّى نبعث إليك من يتسلّمه منك"، ثم يرفع طرفه إلى السّماء: "يا الله، إنّك تعلم أنّي لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك"...
لم يكن عليّ يجد لمثل هؤلاء مبرّرات ولا مخارج أو تسويات، ولا كان يتركهم بحجّة أن لا بدائل لشغل المنصب أو الموقع، فلا خطيئة أكبر من أن يكون الفساد والخيانة من الأمور الّتي يفرض الواقع السّكوت عنها، وأكثر من هذا التّعايش معها...
هذه بعض من صفات عليّ الحاكم، الّذي قال فيه ابن حنبل: "إنّ الخلافة لم تزيّن عليّاً، بل عليّ زيّنها"، ولطالما رأى فيه من عاصره، ومن جاء بعده، فضائل تجعل منه دوحةً سامقةً شامخة، ولو وضعنا مفاهيم عصرنا عن السياسة والحكم والحاكميّة والعدل والسّلطة في ميزان عليّ، وتحت مجهره، لاكتشفنا سرّ عظمة هذه العبقريّة الّتي قضت شهيدة عظمتها وصفائها ونبلها.
سياسة السّبل الملتوية
تعالوا اليوم، وبنظرة سريعة، نرى واقعنا من منظار تجربة عليّ:
دلّوني اليوم على متنافسين على سلطة يتنازل أحدهما طائعاً لخصمه، لئلا يُحدث شرخاً في الأمّة، ثم يأخذ بيد من نافسه إلى الصّراط المستقيم، لأنّ ظروف الأمّة تقتضي ذلك.
هذا الإيثار لم تعرفه السّلطة ولا السياسة، لا اليوم ولا أمس. فلطالما كان الحكم عقيماً، ولطالما تبرّأ الساسة والسياسيّون من شيء اسمه الفضيلة والمثل العليا.
أليست السياسة اليوم هي فنّ الممكن، وفنّ الوصول إلى الكرسيّ؟
ألم تصبح كلّ الوسائل للوصول إلى السّلطة مقبولةً وشرعيّة ما دامت تلبس ثياب القانون، حتّى ولو كانت من الدّاخل بضاعةً من الكذب الأبيض والوعود الملوّنة والتّحريض الأعمى، مروراً بالحملات الإعلاميّة والإعلانيّة، والخطط والبرامج في مكاتب الحملات الانتخابيّة، والشّاطر من يكذب أكثر ليصدّقه النّاخبون…؟
أليس هذا ما يحدث في أعرق ديمقراطيّات اليوم؟
دلّوني اليوم على حاكمٍ يطلب من القضاة أن يحاسبوه ويحاسبوا أتباعه وجماعته كما يحاسبون أيّ مخطئ من رعيّته؟ أو على مسؤول أو مدير يحاسب موظّفيه لأنّهم يجاملونه أو يتملّقونه...؟
دلّوني من منهم يبقى حذراً ويقظاً وهو في موقع مسؤوليّة المال العام، فلا يتصرَّف به حتَّى ولو كان بمقدار شمعةٍ كان أمير المؤمنين يأبى أن يستخدمها في شؤونه الخاصّة، لأنّها ملك عام للمسلمين جميعاً.
منارة خالدة
أيّها الأحبّة، في شهر رجب، شهر عليّ(ع)، كم نحتاج إلى دروس الحقّ والعدل هذه، في حياتنا العامّة والخاصّة، في علاقاتنا الأسريّة، وفي المجتمع، وفي حياتنا السياسيّة، هذه الدّروس الّتي نستقيها من كلّ مفاصل حياة عليّ؛ منذ أن وعت عيناه رسول الله، ومنذ أن تلقّف الرّسالة وسار في دروبها، ومنذ أن عانى في سبيل الله ما عانى وقاسى وتنازل وضحّى..
لقد دفع عليّ(ع) حياته ثمناً لدفاعه عن الحقّ، فاستشهد والصّلاة في شفتيه، استشهد قبل أن يكمل رسالته والأمانة الّتي حمّله إيّاها رسول الله(ص)... استشهد شأن العظماء العظماء الّذين يأتون في زمن ليس بزمنهم، ثم تكتشفهم الأجيال اللاحقة.
هكذا تظلّ المنارات الخالدة في مسيرة الإنسانيّة.
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله...
أيّها المؤمنون، لا تنسوا نداء الله لكم: {يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون}.. {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النّار فأنقذكم منها}.
{ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}.
{ولا تكونوا كالّذين تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم}...
هو نداء الله لنا، أن نكون واعين لكلّ الّذين يكيدون لنا، ليعملوا على إضعافنا وإسقاطنا من خلال إثارة الفتن في واقعنا، الفتن المذهبيّة والطائفيّة والسياسيّة، حتّى يسهل قيادنا، والإمساك بثرواتنا ومقدّراتنا وحاضرنا ومستقبلنا.. هي دعوة من الله لنا لنستعيد التّاريخ كلّه، لنعي كم استفدنا من وحدتنا، من تماسكنا وتواصلنا وتحاورنا، وكم حقّقنا من خلال ذلك الكثير من أحلامنا وآمالنا وطموحاتنا.
لقد استطعنا أن نكون سادة العالم عندما وحّدنا أهدافنا ومنطلقاتنا، ورسمنا جسور التّواصل فيما بيننا.. وكم عانينا عندما اختلفنا وتنازعنا وتحاقدنا وتباغضنا، وشهرنا سيوف العداوة بوجه بعضنا البعض.
ذكرى النّكسة
ففلسطين لم تسقط لأنّنا ضعفاء لا نمتلك قوّة، سقطت لأنّنا كنا متفرّقين ولسنا موحّدين في مواجهة العدوّ، وها نحن نستعيد ذكرى النّكسة الّتي مرّت علينا قبل أيّام، نكسة الخامس من حزيران في العام 1967م، حيث استولى العدوّ على المزيد من أرضنا العزيزة، كالقدس والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة والجولان، وللسّبب نفسه، مع الأسف...
وبدلاً من أن تكون هذه النّكسة مناسبة يتوقّف عندها الحكام العرب لدراسة الأسباب الّتي أدّت إلى هزيمتهم ومعالجتها، تم تأكيد هذه الهزيمة ومتابعتها بمسيرة من التّنازلات الّتي حدثت بعد ذلك من خلال القمم العربيّة المتتالية، والّتي لم تتوقّف عند سقوط اللاءات الثّلاث الّتي طرحت بعد الهزيمة، لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض، بل تجاوزتها إلى مزيد من السّقوط والهزيمة للعالم العربيّ، والتّسليم أكثر لمشاريع الكيان الصّهيونيّ، ومن ورائه كلّ الاستكبار العالميّ.
ولذلك نقول: حسناً فعلت الشّعوب العربيَّة عندما عملت على إسقاط الحكّام الّذين كانوا حرّاس ضعفها وباعثي روح الهزيمة في داخلها، وإنّ ما بدأته الشّعوب العربيّة من عملٍ لاستعادة قرارها من الحكّام الّذين مثّلوا الصّورة الأوضح للنّكبة والنّكسة، هو البداية الحقيقيّة لعودة الأمّة إلى موقعها الحقيقيّ، والإمساك بزمام المبادرة، على الرّغم من المحاولات الدّوليّة والإقليميّة المستمرّة لمصادرة نهضة هذه الشّعوب، وإعادتها إلى قمقم القهر والقمع والاستغلال السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ.
مسؤوليّة الشّعوب
إنّنا نعيد التّأكيد أنَّ الهزيمة الّتي حصلت لم تكن هزيمة الشّعوب العربيَّة ومعها الشّعوب الإسلاميّة، بل هزيمة حكاّمها.. ولذلك، عندما أفسح في المجال لهذه الشّعوب أنّ تعبّر عن قوّتها، وتفتح لها الأبواب لمواجهة الكيان الصّهيونيّ، استطاعت أن تحقّق نصراً مؤزّراً، كما حصل في لبنان وفلسطين.. وهذه الشّعوب قادرة على أن تفعل ذلك، وأن تقدّم المزيد عندما تزول الحواجز أمامها وتتحرّك في مواجهة هذا الكيان...
إنّنا في أيّام النّكسة، نعيد التّأكيد على الشّعوب العربيّة، ومعها الشّعوب الإسلاميّة، أن لا تسمح لكلّ الّذين يعملون الآن على تغيير وجهتها بإغراقها في الفتن الطائفيّة والمذهبيّة وفي الحساسيّات الّتي يعمل الآن عليها، ليكون الخطر في هذه المرحلة هو إيران، أو هذه الدّولة الممانعة، أو تلك الفئة المقاومة، بل أن تبقى الوجهة باتجاه هذا الكيان الّذي يعمل على أن يكون هو الأقوى في المنطقة العربيّة والإسلاميّة، يهدّد ويتوعّد ويقصف ويحتلّ عندما يجد الظّروف الدوليّة والمحليّة مؤاتية...
لا بدّ لهذه الشعوب من الالتفات جيّداً إلى مخطّطات العدوّ الّذي يعمل على استكمال سيطرته على الأراضي الّتي احتلّها في أيّام النّكسة والنّكبة، حيث يواصل سعيه للإطباق على القدس، كلّ القدس، من خلال مصادرته لبيوت المقدسيّين، ويُراكم عمليّات الاستيطان في الضفّة الغربيّة، ويواصل سرقته لثروات الفلسطينيّين في عمق البحر، هذا إلى جانب استمرار اعتداءاته المستمرّة على قطاع غزّة، واعتقاله للفلسطينيّين في الضفّة الغربيّة والضّغط عليهم..
إنّ الشعوب العربية والإسلامية وهي تقف في يوم النكسة، مدعوّة إلى منع آثار هذه النكسة من الامتداد، إن لم نستطع إعادة الأراضي السليبة في المستقبل المنظور.
ونحن في الوقت الّذي نؤكّد أنّ الدّور هو دور الشعوب، نتساءل مجدّداً: أين هي الجامعة العربيّة، أين هي منظّمة التعاون الإسلامي، أين هو مجلس التّعاون الخليجي، هل سيبقى هؤلاء مستغرقين في مشاكل الدّاخل، أم سيوسّعون دائرة اهتمامهم ليعيشوا الخطر الحقيقيّ الّذي يتهدّد الجميع؟ فليفكّروا في ذلك لمرّة واحدة، وسيجدون كم سيكونون كباراً، وكم سيحظون باحترام شعوبهم والعالم.
سوريا رهينة المصالح
وليس بعيداً من فلسطين، يبرز المشهد السوريّ بكلّ تداعياته؛ من الدّماء التي تسيل يومياً من الشعب السوري، والجيش الّذي لا يزال العدوّ يحسب له ألف حساب، إلى المواقف السياسيّة التي تتوالى من هذه العاصمة الأوروبيّة أو تلك الأمريكيّة، ملوّحةً بأنّ الحرب الأهليّة باتت هي الخيار، وأنّ خطّة المبعوث الدّوليّ أوشكت أن تسقط، لتستعيد الحديث عن التسليح والحروب الدّامية على حساب طموحات السوريّين وكلّ السّاعين المخلصين لتجنيب سوريا خطر الحرب الأهليّة والفتنة المذهبيّة الدّامية.
لقد أصبحت سوريا في قلب الدوّامة، وفي قبضة اللاعبين الكبار الّذين يتطلّعون لصناعة مستقبلها وفق حسابات مصالحهم لا وفق مصالح الشّعب السّوريّ، وخصوصاً بعدما غسل العرب يدهم من المسؤوليّة، وباتت كلّ قضيّتهم أن يعملوا على حظر الفضائيّات السوريّة الرّسميّة وغير الرّسميّة، بدلاً من أن يعملوا بجدّية لفتح قنوات الحوار بين المعارضة والنّظام، وأن يقوموا بواجبهم في إفشال المخطّط الصّهيونيّ الرّامي إلى زعزعة المنطقة انطلاقاً من الموقع السّوريّ...
إنّنا نعيد التأكيد على كلّ الفاعلين في الساحة السوريّة، ولا سيّما الدّول العربيّة والإسلاميّة، بضرورة العمل جدّياً لإبعاد شبح الحرب الأهليّة عن هذا البلد، ومنع تحوّله إلى مادّة تجاذب دوليّ وإقليميّ، فمن حقّ هذا البلد الّذي وقف مع القضايا العربيّة والإسلاميّة، أن يستعيد أمانه واستقراره...
نقول ذلك وسط حديث البعض عن استنفاد الحلول، وضرورة نقل ملفّ هذا البلد إلى مجلس الأمن، حيث الكبار الّذين لا يفكّرون إلا في مصالحهم، وسيجعلون هذا البلد رهينة هذه المصالح. لذلك نقول لهؤلاء: مزيداً من العودة إلى الدائرة العربيّة والإسلاميّة حتّى نتّقي كلّ ذلك.
العراق: الوحدة لمواجهة العنف
أمّا في العراق، حيث المخطّط الجديد القديم الّذي حطّ رحاله في العاصمة العراقية في هذه الأيّام، من خلال الهجوم الوحشي الانتحاري الذي استهدف مقرّ الوقف الإسلامي الشيعي في بغداد، والذي يرمي إلى إشعال العراق بنيران الفتنة المذهبيّة والعنف الطائفيّ، فإنّنا نحيّي المسؤولين العراقيين، وخصوصاً من هم في الوقف السني والشيعي، على إدانتهم لهذا العمل الوحشيّ، واعتباره عملاً يستهدف الجميع، ويرمي إلى الإيقاع بين أهل البلد الواحد، ودعوتهم إلى التنبّه وعدم الانجرار إلى الفتنة الّتي تسعى لها جهات لا تأخذ مصالح المسلمين والأمّة في الاعتبار...
إنّنا نقدّر هذه الرّوح العالية لدى الفريقين، وندعو إلى مزيد من التّماسك بين كلّ مذاهب العراق وطوائفه ومواقعه السياسيّة، لتفويت الفرصة على الّذين لا يريدون استقرار العراق ونموّه وتطوّره...
ومن هنا، ندعو إلى أن يكون هذا الاعتداء حافزاً للعراقيّين جميعاً، ولا سيّما المسؤولين العراقيّين، لكي يعملوا على توحيد مواقفهم وصفوفهم لدرء المخاطر الكبرى عن العراق، بدلاً من الاستغراق في لعبة الضّغوط والضّغوط المضادّة فيما يتّصل بالحكومة وسحب الثّقة من رئيسها...
لبنان: خطر الفتنة
أمّا لبنان، فقد دخل في دائرة الخطر الحقيقيّ، من خلال التجاذبات السياسيّة والمواقف التصعيديّة الّتي قادت وتقود إلى تدهور أمنيّ خطير في طرابلس الّتي باتت رهينة هذه التجاذبات، حيث يتحوّل الهدوء إلى عاصفة يسقط فيها عشرات الضّحايا بين قتيل وجريح، ويصار فيها إلى إحراق المحالّ والمراكز التجاريّة تحت عناوين مذهبيّة...
إنّنا في الوقف الّذي نثمِّن كلّ المواقف الّتي دانت عمليّات إحراق المحالّ والتعرّض لمصالح الناس بالطريقة التي توحي بمذهبيّة الصراع وطائفيّته، نؤكّد على الجميع ضرورة العمل لكشف كلّ من يسعى لإدخال البلد في نفق الفتنة، الّتي إذا اشتعلت في دائرة، فإنّ نيرانها ستمتدّ إلى الدّوائر الأخرى، وستكون على حساب الجميع...
ومن هنا، فإنّنا نؤكّد أهميّة الدّعوة إلى الحوار الّتي أطلقها رئيس الجمهوريّة، وكذلك الدّعوات الأخرى إلى عقد مؤتمر تأسيسيّ، أو تحت أيّ عناوين جامعة أخرى، فالمرحلة تفرض على الجميع العمل سريعاً، قبل أن يدفع لبنان الدّولة ولبنان الوحدة والمستقبل، ثمن كلّ الانفعالات والنتائج المترتّبة على التشنّج الكلامي والعنف الميدانيّ المتحرّك هنا وهناك، فلا خيار للّبنانيّين إلا الحوار والتّلاقي، بعدما جرّبوا كلّ الفتن، فلم يجنوا من ورائها إلا الويلات...
استرخاء حكوميّ
أمّا الحكومة، فنريد لعجلتها أن تنطلق بعدما توقّفت عند معظم المحطّات، ليصار إلى حلّ المشاكل الكبرى للمعلّمين وللمياومين في شركة الكهرباء، ولسائر الموظّفين الّذين أخفقت الدّولة في إنصافهم، سواء في التّثبيت أو في سلسلة الرّتب والرّواتب أو في الزّيادات التي يستحقّونها...
لقد آن الأوان لهذه الحكومة لكي تنهض بجزء من الأعباء الملقاة على عاتقها، بعد كلّ الحديث عن تفعيل العمل الحكوميّ، فلا يجوز أن تبقى الأمور على حالها، وأن يبقى الاسترخاء الحكوميّ طاغياً، لينسحب على وضع البلد العام، وليزيد من حدّة المشكلة الاقتصاديّة والاجتماعيّة الّتي اكتوى اللّبنانيّون بنيرانها ولا يزالون...
وفي مجال قضيّة المخطوفين اللّبنانيّين، فإنّنا نعيد تأكيد ضرورة العمل لكشف غموض هذا الملفّ، وندعو كلّ الجهات الفاعلة في هذه القضيّة، ولا سيّما الحكومة اللّبنانيّة، إلى العمل بكلّ جديّة ومسؤوليّة لإعادتهم إلى عائلاتهم وأسرهم الّتي تنتظرهم، ومنع خروج هذه القضيّة من دائرة السّيطرة، وإن كنّا نثق بوعي الجميع، وعلى رأسهم أهالي المخطوفين الّذين نستمدّ من صبرهم صبراً وإيماناً ووعياً...
|