نسخة للطباعة

أرشيف منبر الحسنين

الإمام الجواد(ع): الإمامة المبكرة والدور الرّساليّ

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

ألقى سماحة العلاّمة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبتيه:

الخطبة الأولى

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33].

الجواد(ع): الإمامة المبكرة

في السّنة المئتين والأربع للهجرة، جاء أعيان من العباسيّين إلى الخليفة المأمون معترضين على نيَّته تزويج ابنته أمّ الفضل من الإمام الجواد(ع). لم يُخفِ العباسيّون يومها خشيتهم من أن يمهّد هذا الأمر لعودة الخلافة إلى أهلها الشّرعيّين؛ إلى أئمّة أهل البيت(ع)، بعدما أبعدوا عنها.

 لكنّ المأمون لم يجبهم على ذلك، وبقي مصرّاً على موقفه، فيما راحوا يشكّكون في علم الإمام الجواد، متذرّعين بصغر سنّه. يومها غضب المأمون لكلامهم وقال لهم: "ويحكم، إنّي أَعْرَفُ بهذا الفتى، إنّه لأفقه منكم وأعْلَم بالله ورسوله وسنّته وأحكامه، وأقْرَأ لكتاب الله منكم، وأعْلَم بمحكمه ومتشابهه، وظاهره وباطنه، وناسخه ومنسوخه، وخاصّه وعامّه، وتنزيله وتأويله.. وسيظهر لكم ذلك إن لم يكن عاجلاً فآجلاً، كما ظهر لي، وإن شئتم فامتحنوه، وادعوا من رغبتم بمناظرته".

عندها رضخ العباسيّون، وقالوا: "لقد رضينا لك ولأنفسنا بامتحانه، فخلِّ بيننا وبينه، لننصّب من يسأله بحضرتك عن شيءٍ من فقه الشَّريعة، فإن أصاب في الجواب عنه، لم يكن لنا اعتراض في أمره، وظهر للخاصّة والعامّة سديد رأي أمير المؤمنين فيه، وإن عجز عن ذلك، فقد كفينا الخطب في معناه..".

وفي اليوم المحدَّد، جلس الإمام على حداثة سنِّه، في مواجهة قاضي القضاة يحي بن أكثم، وكان عالماً مجرَّباً كبير السّنّ، وقد جلس بحضور المأمون وعلماء البلاد والأعيان..

وبدأت المناظرة... بدأ ابن أكثم يسأل في أعقد المسائل وأكثرها جدلاً، والإمام يجيب، وبكلِّ دقَّةٍ وتفصيلٍ وتوسّع في البيان.. بعدها، طلب المأمون من الإمام أن يسأل بدوره ابن أكثم، ففعل، فاحتار قاضي القضاة بالجواب، وعجز عنه هو وكلّ الحاضرين، وأجاب عنها الإمام، فأفحم القوم.

عندها أقبل المأمون على كلِّ الحاضرين قائلاً: "ويحكم، إنَّ أهل هذا البيت خُصّوا من بين الخلق بما ترون من الفضل. وإن صغر السّنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال. أما علمتم أنَّ رسول الله افتتح دعوته بدعوة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدعُ أحداً في سنِّه غيره؟... قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين..."، ولم يستطع العباسيّون بعد ذلك الاعتراض، وتمّ الزَّواج، حيث تزوَّج الإمام الجواد من أمّ الفضل، وبمهر الزّهراء(ع)، وغادر الإمام إلى المدينة ليتابع دعوته ودوره الرّساليّ..

الدّور الإسلاميّ الكبير

هذا هو الإمام الجواد، الإمام التّاسع من أئمّة أهل البيت(ع)، الذي ولد في العاشر من شهر رجب .. وهو رغم عمره القصير الّذي عاشه، حيث لم يتجاوز ـ على أبعد الرّوايات ـ السادسة والعشرين ـ ترك الكثير من الأحاديث، وأجاب عن آلاف المسائل في الفكر والفقه وتفسير القرآن والفلسفة وعلم الكلام، وغير ذلك من مسائل العلم، وكان مقصداً ومرجعاً للعلماء والنّاس جميعاً..

وشأن كلّ أئمّة أهل البيت(ع)، لم تقتصر إمامة الجواد على التفرّغ لشؤون التّشريع والفقه والبحث فيها، رغم أهميّة هذا الدّور، لأنّ دوره الكبير كان في أن يبقى الإسلام نقيّاً صافياً كما جاء به رسول الله(ص)..

من هنا، كان حرص الإمام(ع) على ترجمة هذا الدّين إلى حركةٍ تنزل إلى أرض الواقع، ليكون إسلاماً يتحرّك عبادةً وأخلاقاً ومعاملةً وسلوكاً ومحبّةً وإنسانيّة..

علاقته بالنَّاس: جودٌ وعطاء

عاش الإمام(ع) مع النَّاس، كلّ النَّاس، في أدقِّ تفاصيل معاشهم وهمومهم.. كان أجود النَّاس وأكثرهم سخاءً، حتَّى صارت هذه الصِّفة لقباً له، ما إن يذكر حتَّى تذكر معه هذه الصِّفة، فهو الإمام الجواد الّذي شكَّل ملجأً للفقراء والمساكين والأيتام، ومقصد حاجاتهم، ولم يكن أحدٌ يلجأ إليه ويعود خائباً، فالجود والصّدّ لا يجتمعان، ولم يكن في قاموسه كلمة (لا) لأيّ حاجة، مثله كمثل جدّه الإمام زين العابدين(ع)، الّذي قال عنه الفرزدق الشّاعر:

سـهل الـخليقة لا تُـخشى بـوادره     يَـزينه اثـنانِ: حُسنُ الخُلْقِ والكرمُ        

مـا قـال لا قـطُّ إلاّ فـي تـشهّده     لـولا الـتشهّدُ كـانت لاؤُهُ .. نَعمُ

أيّها الأحبّة، لقد حفلت سيرة الإمام الجواد بالحكايات والأخبار الّتي تتحدّث عن العلاقة الحميمة التي ربطته بالنّاس، ما جعله يتربّع على عروش قلوبهم، فكان خليفة القلوب والعقول وإمامها ومرشدها..

الاقتداء المطلوب

ونحن في أجواء ذكرى ولادة هذا الإمام، نتساءل عن أيّ احتفالٍ مطلوبٍ منّا أن نقيمه في مثل هذه المناسبة؟ وهو سؤال نسأله مع كلّ مناسبة من مناسبات أهل البيت(ع)..

في هذه المناسبات العظيمة، مطلوب منّا أن نحتفل فرحاً بولادتهم، وسعياً لزيارتهم والتبرّك بذكرهم، بإقامة الموالد والموائد على اسمهم، وهذا أمر لا نمانعه، بل نريده وندعو إليه، ولكن هذا لا يكفي وحده، هم من طلبوا منّا أن نحتفي بهم بتتبّع آثارهم والاقتداء بهم...كما أنّهم هم الّذين يؤكّدون أنّه "لا تُنال ولايتنا إلا بالعمل والورع.."، أن نعمل لنكون بالصّورة التي كانوا عليها، نسعى بكلِّ جهدٍ لنقرِّب المسافات بيننا وبينهم، وهذا هو الإخلاص الحقيقيُّ والولاية الجادّة..

واقتداؤنا بالإمام الجواد، يجعلنا نقف مطوّلاً أمام القيمة الّتي التصقت به، لنستهديها ونقف على تفاصيلها.. إنَّها قيمة الجود، العطاء الممتدّ غير المحدود..

وبتعريفنا لهذا المفهوم، يكفي أن نقول إنَّ الجود يفوق الكرم، ويفوق الإحسان والإنفاق والصَّدقة، وغير ذلك من عناوين الخير، وميزته أنَّه مجبولٌ بالمحبَّة، وأنَّه يكون لله ولا يكون لغيره.. أمَّا الجواد، فلا يحتاج أبداً للحثِّ على العطاء، ولا يمكن أن ترى جواداً إلا سعيداً بعطائه..

هكذا كان الإمام الجواد، وهكذا ينبغي أن نكون: أن نعطي بلا توقّف، نعطي كلَّ ما تيسَّر لنا.. الجود أيّها الأحبَّة قد لا يحتاج إلى إمكاناتٍ هائلة، فالفقير قد يكون جواداً، وهذا قمَّة الجود، والحديث يقول:

"أفضل الجود ما كان عن عسرة"، لأنَّ الجواد لا يستهين بما يعطي مهما كان قليلاً، طالما أنَّه يعطي أفضل ما عنده..

ويبقى هاجس صاحب الجود أن يعطي دون أن يسأل، صيانةً للآخذ من ذلِّ السّؤال، كما قال الشّاعر:

وما الجود من يعطي إذا ما سألته            ولكنَّ الجود أن يعطي بغير سؤال

 الجواد يعطي في السّرَّاء والضّرَّاء، يعطي القريب والبعيد، من يتَّفق معه ومن يختلف معه.. البوصلة الّتي تحرِّكه هي الحاجة الّتي تروي عطشه الدَّائم إلى الخير.. ولو كان قاصراً عن العطاء، فإنّه يبحث في نفوس الآخرين عمّن يسدّ رغبة الخير هذه:

يجود علينا الخيّرون بمالهم                 ونحن بمال الخيّرين نجود..

ميادين الجود

أيّها الأخوة والأخوات.. وحتَّى لا يلتبس مفهوم الجود ظنّاً أنَّه مرتبط بالمال فقط، فالجود لا يمكن أن تحدّه وجهة، بل يتّسع باتّساع كلّ حاجات الحياة. صحيح، قد يكون الجود مالاً تُعطيه لفقيرٍ لا يجد قوت يومه، أو لمدينٍ لا يستطيع وفاء دينه، أو لمريضٍ لا يملك ثمن دواء، أو لأبٍ يريد أن يعلّم أولاده، أو لمسنّ ليس له إلا رحمة الله تعالى...

ولكنّ الجود أيضاً قد يكون علماً تنير به درب جاهل، أو موقعاً وجاهاً تدفع به الظّلم عن مظلوم، أو بسمةً أو كلمةً تبعث الفرح في قلب مهمومٍ أو مغموم.

 أمّا أعلى مراتب الجود، فعندما يكون الجود نفساً تبذلها من أجل قضيّة حقّ، من أجل وطن وأمّة.. وفي سبيل الله..

يجود بالنّفس إن ضنَّ البخيل بها         والجود بالنّفس أغلى غاية الجود

ولا ننسى، أن تجود قلوبنا وألسنتنا وحناجرنا للّذين أعزّونا وبعثوا الحياة في نفوسنا، والوعي في عقولنا، لرسول الله(ص) وأهل بيته(ع)، فالبخيل البخيل من ذكروا عنده ولم يصلّي عليهم...

نتائج الجود في الدّنيا والآخرة

أيُّها الأحبَّة، إنَّ ديننا العظيم يقوم على البذل والسَّخاء والعطاء، فتارةً يدعونا إلى الصَّدقة،

وتارةً إلى الخمس والزَّكاة، وتارةً إلى الإيثار والإنفاق والإحسان وإطعام المساكين، وحصيلة كلِّ ذلك، نتائج كبيرة سوف يراها أمامه في الدّنيا، كما سيراها في الآخرة.. لأنَّ الإسلام أراد للمسلمين أن تكون نفوسهم سخيّةً، وأكفّهم نديّة: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[آل عمران: 133- 134]..

ولطالما أكَّدت الأحاديث: "السّخيّ قريب من الله، قريب من الجنَّة، قريب من النّاس"... "ما من يومٍ يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللَّهمَّ أعطِ منفقاً خلفاً، اللَّهمَّ أعط ممسكاً تلفاً".

وفي الدّنيا، أيّها الأحبّة، هل رأيتم جواداً ضيّعه الله؟ هل رأيتم محسناً لم يعوّضه الله؟ وهل رأيتم معيناً للنّاس لم يعنه الله؟

أيّها الأحبّة، لقد استطعنا من خلال الجود أن نحقّق الكثير من الخير لأمّتنا، فبالجود استطعنا أن نحقّق عزّتنا وحرّيّتنا وكرامتنا، فلولا الجود، لما بذل المجاهدون، ولا يزالون يبذلون، أرواحهم على مذبح الحريّة في سبيل الله..

وبالجود بنيت صروح العلم ومبرَّات الخير والمستشفيات والمدارس ومراكز الإعاقة والمسنّين، وبالجود تتابع هذه المؤسّسات وتستمرّ..

وبالجود بنيت المحبَّة، وساد الإخاء والتَّعاون، وقوي المجتمع، فإنّ "جود الرّجل يحبّبه إلى أضداده، وبخله يبغضه إلى أولاده"..

أيّها الأحبّة، الجود هو عنوانٌ كبيرٌ كبير، جعله الله صفةً من صفاته واسماً من أسمائه الحسنى، فهو الجواد الكريم الّذي لا يبخل، وهو الجواد الّذي لا يمنع، وهو الّذي يعطي بلا حساب؛ يعطي من سأله ومن لم يسأله تحنّناً منه ورحمة..

 "إلهي .. تتحبَّب إلينا بالنّعم ونعارضك بالذّنوب، خيرك إلينا نازل، وشرّنا إليك صاعد، ولم يزل ولا يزال ملك كـريم يأتيك عنَّا بعملٍ قبيح، فلا يمنعك ذلك من أن تحوطنا بنعمك، وتتفضَّل علينا بآلائك. فسبحانَكَ ما أجودَكَ وأعظمَكَ وأحلمَكَ وأكرمَكَ!".

الخطبة الثانية

إعادة تصويب البوصلة نحو فلسطين 

في ذكرى النَّكسة، أعاد الشّباب الفلسطيني والسّوري عند أطراف الجولان توجيه البوصلة مجدّداً نحو فلسطين، وتأكيد إرادة أهلها بالعودة إليها، رفضاً لكلّ هذا الواقع الذي فرضه الكيان الصّهيوني بالقوّة، والذي يسعى المجتمع الدولي إلى تثبيته تحت عنوان التّفاوض الذي يريدونه؛ تفاوض الذّئب مع الحمل.

وفي مواجهة هذا الشّباب الأعزل الذي يحمل كلّ المشاعر الصّادقة والطّاهرة، والمتطلّع إلى هدف وحيد، وهو العودة إلى دياره وديار آبائه وأجداده، لا يبتغي من وراء ذلك هدفاً سياسيّاً آنياً أو تسجيلاً للنّقاط... في مواجهة هذا الشّباب، قام الاحتلال بارتكاب أسوأ أنواع المجازر ضدّ هذا الشعب، التي شكّلت طعنة في قلب الإنسانيّة، وفجيعة أصابت البشريّة، من دون أن يحرّك هذا المجتمع الدّولي ساكناً لإدانة الإجرام الصهيوني، بل إنّه ساوى بين الجزّار والضّحيّة بكلمات خجولة لا يعيرها قادة العدو أيّة التفاتة، لأنها تفتقد الحدّ الأدنى من الضّغط الّذي يُشعر العدوّ بحجم الجريمة التي ارتكبها، أو بتحميله المسؤوليّة من خلال عقوباتٍ تفرضها عليه المؤسّسات الدّوليّة، والّتي تنصّلت من القيام بكلّ ما يزعج العدوّ، ابتداءً من مجلس الأمن إلى المحاكم الجنائيّة الدّوليّة.

على أنَّ القراءة المتأنّية لهذه المجزرة، إذ تشعرنا بالرّوح المتوحّشة والإجرامية لهذا الكيان، فإنها تشعرنا في الوقت نفسه بضعف هذا العدو وجُبنه، وقد برز ذلك واضحاً، إن في مواقف قادته السياسيّين والعسكريّين، أو في إعلامه، أو في الحركة الميدانيّة لجنوده وضبّاطه، حيث ظهر خوفه كبيراً من هذه الرّوح الجهاديّة المتأجّجة حبّاً للوطن، واستعداداً للتّضحية لا حدود لها، لأنّها تعبّر عن عمق الجراح التي أصابت شعبنا الفلسطيني وأمّتنا العربيّة والإسلاميّة..

إنّنا ندعو إلى إبقاء هذه الرّوح الثوريّة وإنعاشها بكل الوسائل، لئلا تضيع في متاهات الصّراعات الداخليّة.. وندعو الأمّة إلى وقفة مسؤولة أمام ما يجري في فلسطين المحتلة، من إحراق للمساجد على يد المستوطنين الصهاينة المدعومين من قوات الاحتلال، والتّصدّي لهذا العدوان المستمر على الإنسان والمقدّسات في فلسطين، لأنّ الأمّة إن لم تتحرّك، فلن تنطلق مواقف مسؤولة في هذا العالم الّذي لا يعبأ بالإنسان العربيّ والمسلم والفلسطينيّ، ولا يهمّه كلّ ما يتعرّض له من ظلمٍ، لا من قريبٍ ولا من بعيد، إلا إذا كان قويّاً في عالم لا يحترم إلا الأقوياء..

مخطَّط غربيّ للسَّيطرة على المنطقة

وبينما يرتكب العدوّ مجازره في وضح النّهار، ولا تنطلق في وجهه كلمات حاسمة، لا من دول الاتّحاد الأوروبّي ولا غيرها من الدّول، تتحضَّر الإدارات الغربيَّة لاستصدار قرارٍ دوليّ في مجلس الأمن، مستغلّةً الأوضاع القلقة، خدمةً لمشاريعها الاستكباريّة للانقضاض على المنطقة، ولا سيَّما قوى الممانعة، وفي الوقت نفسه، يتحرَّك الحلف الأطلسي لاستكمال مخطَّطه لرسم مستقبل ليبيا على صورة مصالح دول هذا الحلف، ما يتطلَّب من كلّ الشّباب العربيّ الأخذ بعين الاعتبار المطامع الاستكباريَّة التي تتستَّر أحياناً بعباءة الإصلاح، وتجعلنا نخشى في ظلّ كلّ ما يحدث في ساحة الثّورات العربيّة وخارجها، أن تُستنزف السّاحات الدّاخليّة في صراعاتٍ تتوالى بين أبناء البلد الواحد، وترتفع فيها أصوات الفتنة، ويُشهر فيها سيف المذهبيَّة المختنقة.. فيما الثّروات تُنهب، والعدوّ الصّهيونيّ يقهقه، ولا يكتم الأسرار في أنّه يعمل على استغلال كلّ ما يجري في السّاحة العربيّة، ليستكمل سيطرته الكاملة على القدس، ويُهوّد ما تبقّى من الضفّة الغربيّة.

أمّا السّبيل الوحيد لتطويق هذا المخطّط وإسقاطه، فيتمثّل في أن تعمل الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، بكلّ فئاتها وطلائعها الواعية، على وأد الفتنة، وكفّ يد الأجنبي عن العبث بأوضاعها الداخليّة، ودفع عجلة الإصلاح إلى الأمام قُدماً.

إنّ من حقّ الشّعوب العربيّة أن تحظى بحكومات عادلة، وبعناصر نظيفة الكفّ على مستوى السّلطة، ولكنّ المسألة تستحقّ العمل الجدّي، والسّعي الحثيث، والحركة المسؤولة، حتى لا تخرج مجتمعاتنا وشعوبنا من باب الفساد، فتدخل في أنفاق الفتن الدّامية والمعارك الداخليّة المتنقّلة.

إنّنا نتطلّع إلى كلّ شعوبنا أن تتحرّك بإرادة عاقلة وحرّة، بعيداً عن تدخّلات الآخرين وتآمر المتآمرين.

لبنان: رهين تطوّرات المنطقة

أمَّا لبنان، فقد أصيب بدوارٍ جديدٍ بين أحلام التَّفاؤل بولادة الحكومة، وحمَّى التَّشاؤم التي تصرُّ على ربط مصير البلد بكلِّ ما يجري من حوله، ليبقى على لائحة الانتظار، ويبقى رهين التَّطوّرات في المنطقة، وليتجرّع المزيد من الآلام الاقتصاديّة، ويعاني جرّاء اللااستقرار السّياسي، ويبقى في دائرة الاستهداف الأمنيّ.

إنّنا أمام هواجس اللّبنانيّين القاتلة، في ظلّ هذه الأوضاع الصّعبة، ندعو المسؤولين إلى الاستفاقة من غفلتهم، لفتح الطّرق أمام كلّ المحاولات التي من شأنها تحصين البلد داخليّاً، بدلاً من انتظار تعليمات الخارج.

ثمّ، ألا تكفي فوضى السّياسة في لبنان التي أدمنها النّادي السّياسيّ اللّبنانيّ، والّتي تستدعي مواجهةً حقيقيّةً للأزمات، بدلاً من سياسة إدارة الظّهر لها؟ أما آن الأوان لنزع حقول الألغام أمام تشكيل الحكومة، حتّى لا تضيع الدَّولة ويضيع الشّعب تحت ذرائع سقطت وحجج تتبدَّل كلّ يوم، فتارةً تتَّصل المشكلة بالأحجام، وطوراً بالمواقع والمناصب، وتارةً أخرى بالأسماء...؟ إنّنا نحاول أن نقنع النَّفس بأنَّ هذه الدوَّامة السّياسيَّة الّتي تؤدّي إلى الهاوية قد انتهت، لنطمئن اللّبنانيّين بأنّ الحكومة التي انتظروها آتية، علّها تخفّف ولو قدراً يسيراً من آلامهم الّتي تفاقمت بفعل الأنانيّات، حتّى تحوَّلت إلى آلام مستعصية على المعالجة.

وأخيراً، إننا بحاجة إلى شعب يقرّر ولو لمرّة أن يحاسب حكّامه، وأن يُشعرهم بوجوده. إنّنا نتساءل: هل أدمن هذا الشّعب الاستسلام لهذا الواقع الأليم.. فيما قوّة الشّعب تصنع المعجزات؟..

أيّها الّلبنانيون، مارسوا حريّتكم وقراركم ولو لمرّة، وستعرفون عندها مدى قدرتكم على تعديل السّياسات وتبديل الحكّام، وإنّنا بغير ذلك لن نكون شعباً جديراً بوطن أفضل.

التاريخ: 8 رجب 1432 هـ  الموافق: 10/06/2011 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: