نسخة للطباعة

أرشيف منبر الحسنين

العزيز من أطاع الله والذليل من عصاه

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

الخطبة الأولى

أوحى الله سبحانه وتعالى إلى النبيّ موسى(ع)، أنّ مقامه في الجنّة هو مقام امرأة ذكر له اسمها، فأراد موسى(ع) أن يعرف السّرّ الّذي جعل من هذه المرأة تصل إلى مكانة نبيّ من أنبياء أولي العزم، فذهب إليها وطلب منها أن تتحدّث له عن حياتها وما تقوم به، فأجابته أنّها تتعبّد كما يتعبّد كلّ النّاس، وتعيش كما يعيش بقيّة النّاس، وعندما دقّق أكثر، وجدها قد كرّست حياتها راضيةً فرحة، لخدمة أمّ عاجزة، أطاعت الله من خلالها، فنالت عند ربّها هذه المنزلة العزيزة الرّفيعة...

مكانة الإنسان في ميزان الله

أيّها الأحبّة: قد تختلف كيفيّة تقدير مكانة الإنسان في مجتمعه باختلاف الأوزان، وغالباً ما تكون المعايير المستعملة مؤشِّراً يدلّك في أيّ مجتمع أنت؛ هل هذا المجتمع يزن مكانة المرء بماله، أم بالمنصب الّذي وصل إليه، أم بنَسَبه وعائلته وعشيرته، أم بعلاقاته وحظوته لدى المواقع العالية والمناصب المؤثّرة؟

وهذه الموازين هي الّتي نراها ـ للأسف ـ سائدةً عند الكثير من البشر، وعلى أساس ذلك، يقيِّمون بعضهم بعضاً في الدّنيا، وقلّة هم الّذين يفكّرون عكس هذا التيّار.

أمّا في ميزان الله تعالى، فليس لهذه الأثقال أيّ وزن يُذكر، فالطّريق إلى العزّة عنده، والمكانة الرّفيعة لديه، لا يمكن أن تكون ضربة حظّ، ولا جزءاً من إرث، ولا جائزة ترضية، ولا صفقة في بورصة سياسيَّة أو اقتصاديَّة، بل إنَّ كلَّ هذه المقاييس هي في حسابات الله فتنة، وابتلاء، واختبار، وموضع سؤال: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}(التّكاثر: 8).

ولهذا، فإنّ كلّ هذه النّعم قد تكون مشكلةً للمرء في الدّنيا عندما يخضع لمنطقها ولا يحسن التصرّف بها، وقد تودي به في مهاوي النّار عندما يتجاوز الحدود، بل قد تصبح فخّاً يوقع صاحبها في حبائله، حين تتحوّل هذه النّعم إلى غاية وهدف ومحور لحياته، بحيث يعيش لاهثاً وراء تحقيقها في تكديس أموال أو في الوصول إلى سلطة أو جاه أو منصب...

هذا النّموذج من النّاس، يجعله عزّه الدّنيويّ، إن حصل عليه، فرعوناً صغيراً أو قاروناً أو نيروناً... وكلّما عظُمت سلطته أو قوّته أو طغيانه أو ماله، تصبح ذاته صنماً حقيقيّاً، ولا فرق عندها بينه وبين أيِّ وثنيّ يعبد صنماً من حجر، سوى أنّه هنا يعبد مالاً أو سلطاناً أو أشخاصاً، وهناك يعبد أحجاراً وأصناماً، والعبادة لغير الله هي صنميّة وشرك، حتّى وإن لم تُعلن..

 فهدف التّوحيد هو معرفة الله والخضوع له وليس لغيره، وهدفه إعادة الإنسان إلى حجمه الطّبيعيّ، فإذا جعلت منه العزّة كائناً منتفخاً استكباراً وغروراً، فإنّ هذه العزّة تكون صورةً من صور العبوديّة أيضاً، وقد تكون أخطر منها، لأنّها عبوديّة مبطّنة تحت عناوين المصلحة والرّزق والسّعي والتطوّر وما إلى ذلك..

موقع العزّة الحقيقيّ

أيّها الأحبّة: لقد بنى الله سبحانه وتعالى موقع العزّة الحقيقيّ، عندما قال لعباده بكلّ وضوح: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا...}(يونس:65). والعبد إذا ما أراد أن يصل إلى العزّة، فعليه بطاعة الله، ففي هذا يقول رسول الله(ص): "يقول الله تعالى كلّ يوم: أنا ربّكم العزيز، فمن أراد عزّ الدّارين فليطع العزيز".

 وورد عن رسول الله(ص): "من أراد عزّاً بلا عشيرة، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته"، ذلك هو العزّ الحقيقيّ: "أن تذلّ للحقّ إذا لزمك"، أن تكون صادقاً "فالصّدق عزّ"، أن تكون عالماً لأنّ "الجهل ذلّ"... "أن تكفّ أذاك عن النّاس"، "أن تترك القيل والقال"، كما يقول الإمام عليّ(ع)، أمّا أرفعه، فيضيف(ع): "لا عزّ أرفع من الحلم".

وعلينا أن ندرك أنّ العزّ والملك والجاه والمكانة هي كلّها نعم من نعم الله وبمشيئته: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(آل عمران: 26).

وقد تحدّث القرآن الكريم بكلّ وضوح عن الّذين بنوا أمجادهم ومواقعهم على غير خطّ الله: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}(النّساء: 139).

وقد ورد عن الإمام عليّ(ع): "ومن اعتزّ بغير الله أهلكه العزّ". لماذا؟ لأنّ العزيز بغير الله لا يمكن إلا أن يكون ذليلاً وعبداً لمن أعطاه السّلطة.. وصاحب الجاه الّذي تأخذه حميّة العزّة الموهومة وغرور الجاه، يتحوّل إلى عبدٍ لهذا الجاه، حتّى وإن بدت حاله على عكس ذلك، فهو أذلّ النّاس، مسكين لم يذق طعم الرّفعة والعزّة الحقيقيّتين، بل كلّ ما هو فيه وهم وسراب..

أمّا الّذي رفعه الله وأعطاه نعمة المكانة والعزّة، فتراه يسعى جاهداً لأن لا يشعر النّاس بينهم وبينه بالفارق، فهو يتواضع حتّى يقلّص المسافة الّتي يوجدها المنصب أو توجدها المكانة العالية بينه وبين الآخرين، فالتّواضع هو العلامة الفارقة، هو ما نقيس به حقيقة كلّ صاحب عزّ أو منصب أو موقع، ولنا في رسول الله أسوة حسنة:

فالرّسول الأكرم(ص) هو أفضل خلق الله، هو القائد والحاكم، كان إذا دخل مجلساً، لا يجلس في المكان المميّز، بل كان يجلس حيث ينتهي به المجلس...

ونبيّ الله عيسى(ع)، كان يطلب من الحواريّين أن يمدّوا أرجلهم ليغسلها لهم، فيقال له نحن أحقّ بذلك يا روح الله، فأنت سيّدنا ونبيّنا، فيقول(ع): "سيّد القوم خادمهم".

وعليّ(ع) وهو أمير المؤمنين، كان يرفض أن يلحق النّاس بدابّته، أو أن ينزلوا من على دوابّهم احتراماً له كما يفعلون مع الأمراء...

مفهوم العزّة

أيّها الأحبّة: ليس من الضّروريّ حتّى يكون الواحد منّا عزيزاً أن يملك ثروةً أو جاهاً وموقعاً، ليست العزّة أن ترفع رأسك عالياً وتشعر بانتفاخ شخصيّتك لما وصلت إليه، وخصوصاً إذا وصلت إلى ذلك بين ليلةٍ وضحاها، بل العزّة هي القوّة الدّاخليّة الّتي تمتلكها، والّتي تجعلك لا تخضع لهوى يفقدك عدلك مع من تعمل معهم ولهم، ولا لعصبيّة تمنعك عن سماع رأيٍ مخالف لرأيك، ولا لشهوةٍ وطمعٍ تبررّهما لنفسك بأنّ هذا من شأنك. نعم، أنت بحاجة إلى تلك القوّة الداخليّة التي تستمدّها من الله، لتقف بكلّ عزة وعنفوان، ومهما كان تقييم النّاس لك وأينما كنت.

فقد تكون عزيزاً وأنت في غياهب السّجن، كما كان يوسف(ع)، وكما يستشعر كلّ الأحرار، وتكون عزيزاً وأنت تواجه تحدّياً أخلاقيّاً وتصمد، وتكون عزيزاً وأنت تواجه مغريات الفساد وترفض.

وفي المقابل، قد تكون ذليلاً وأنت تملك كلّ ما يحلم بامتلاكه ملايين البشر...

كان الإمام الحسين(ع) عزيزاً، لهذا خُلِّد اسمه، وصار رمزاً لمواقف العزّ ومنارةً تشعّ في ظلمات التّاريخ، فيما كلّ الّذين وقفوا قبالته في تيهٍ وكبرياء، وهم يضربون بسيف الحاكم، كان عزّهم عزّ الأذلاء، عبيد الدّرهم، جُلّ ما كانوا يريدونه، ما قاله قائدهم عمر ابن سعد: "اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل من رمى".

 وهناك فرق كبير بين من يعمل وهدفه "اشهدوا لي عند فلان"، ومن يعمل وهدفه "اشهدوا لي عند الله"، وهذا الفرق هو القضيّة وهو الميزان والمفترق الّذي يجعلك إمّا في معسكر الذلّ أو في فضاء العزّة والكرامة..

فمن يشهد لمن في هذه الحياة والكلّ سواء، ومن يعلّق نيشاناً ووساماّ لمن، والكلّ لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً من دون الله، والله هو الشّاهد والمطّلع، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، هو مقلّب القلوب والأبصار وإليه ترجع الأمور..

ففي أيّ ساحةٍ من ساحات الحياة، وفي أيّ موقعٍ كان الإنسان، فهو دائماً أمام ثلاثة خيارات:

الأوّل: موقف إرضاء النّاس أو الزّعماء  ولو على حساب الحقّ والعدل، بالسّكوت على الفساد والظّلم والتّزوير.

والثّاني: هو موقف نصرة الحقّ ورفض الباطل، لأنَّ رهانه على حسابات الله لا على حسابات النّاس الدّنيويّة..

 أمّا موقف وضع رِجْلٍ في الفلاحة ورِجْلٍ في البور، واحدة في موقع الحقّ وأخرى في موقع الباطل، فهذا خيار المتلوّنين وأصحاب الأقنعة، والّذي لن يجني صاحبه منه غير الذلّ في الدّنيا والآخرة.

عقدة المستوى

أيّها الأحبَّة: إنَّ لواقعنا اليوم مع موضوع العزّ والموقع والجاه حديث طويل، حيث لم يعد يُخفى كيف يعاني هذا الواقع من عقدة: "كيف نبدو أصحاب جاه وميزة ومستوى؟".

وفي واقعنا، أصبح المظهر الخارجيّ هو المهمّ، بما يمثّله من شكلٍ وتصرّفات وطريقة إنفاق وحتّى طريقة كلام، والأهمّ لدى الكثيرين، هو كيف نقنع الآخرين بأنّنا ذوو أهميّة وشأن ورفعة، ولأجل هذا، يعيش هؤلاء أسرى لأسلوب العيش الفلانيّ، أو للنّمط الفلانيّ، ولارتياد الأماكن الفلانيّة.. والله هذا لأمر عجيب، وخصوصاً أنّ معظم هؤلاء هم ليسوا كذلك، وهم يغشّون أنفسهم، يحملون ثقل الدّين ليتزيّنوا، ويغرقون في المشاكل الماليّة والقروض الّتي توصل إلى السجون في أحيان كثيرة..

لقد بات يسيطر على النّاس هاجس المستوى: هذا في مستواي، وهذا ليس في مستواي، هذا يناسب العائلة والعشيرة وهذا لا يناسبهما، وما الى هنالك من حسابات ضيّقة، هذا على الصّعيد الاجتماعيّ.

أمّا على المستوى السياسيّ، فكم حَوْلنا من الّذين يحاضرون لساعاتٍ وساعات في الكرامة والعزّة، ولكنّهم على استعداد لأن يبيعوا شعوبهم لقاء حفنة من الدّولارات أو منصب يقدّم إليهم. أليس هؤلاء صورةً عن أمّة تتناسى واقعها وتشرذمها وتخلّفها، ولا تعرف معنى العزّة والمجد إلا في القصائد وعلى المنابر؟ تتفاخر بعزّة الإسلام والعروبة، فيما هي تبيع بِصَمْتها أو بإعلانها، فوق الطّاولة أو تحتها، أولى قبلتيها، ومسرى رسولها، مسجدها الأقصى الّذي بارك الله حوله. وللأسف، لا يُسمع لها صوت إلا في زواريب العصبيّات والحساسيّات الطائفيّة والمذهبيّة والقبليّة؛ أليس هذا هو واقعنا؟

واجب لا خيار

أيّها الأحبّة: العزّة هي قيمة الحياة، هي ليست خِياراً، هي واجب لا يمكن التّفريط به أبداً: "إنّ الله فوّض إلى المؤمن أموره كلّها ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً".

الأعزّاء الأعزّاء هم الّذين: "عظم الخالق في أنفسهم، فصغر ما دونه في أعينهم..".

والأعزّاء الأعزّاء هم الّذين يقولون: "إلهي إن رفعتني فمن ذا الّذي يضعني، وإن وضعتني فمن ذا الّذي يرفعني..".

والأعزّاء الأعزّاء هم الّذين يستشعرون عظمة عزّة عليّ(ع) في مناجاته: "إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً"..

الخطبة الثّانية

تواطؤ دوليّ ضدّ فلسطين

في فلسطين المحتلّة، لا تزال القدس تستصرخ ضمائر العرب والمسلمين والمسيحيّين، وتستنهض هممهم وتدعوهم إلى نجدتها، حيث لا يمرّ أسبوع إلا ونسمع بمشروع استيطانيّ جديد فيها، أو بعمليّات هدم وتجريف لبيوتها، وللمعالم الإسلاميّة والمسيحيّة فيها، ولقد تمثّل آخر المشاريع الصهيونيّة في القدس، بإقامة مواقع عسكريّة صهيونيّة في جبل الزيتون، إمعاناً في تهويد المدينة وطرد أهلها منها.

إنّ هذا الوضع المؤلم الّذي تعيشه القدس، يواكبه تواصل الضّغوط على الشعب الفلسطيني، حيث تستمرّ الاعتقالات اليوميّة، ومصادرة الأراضي في الضفّة الغربيّة، والحصار المتواصل لقطاع غزّة.. وهو ما يستدعي وقفة عربيّة وإسلاميّة مسؤولة، وخصوصاً أنّنا نلمح تواطؤاً دوليّاً مكشوفاً في كلّ ما يتّصل بالمسألة الفلسطينيّة، يساعد العدوّ في توسيع دائرة الاستيطان، وسوق السّلطة الفلسطينيّة إلى التّفاوض في ضوء الواقع الاستيطانيّ الجديد، وجعله أمراً واقعاً تنطلق على أساسه أيّة تسوية قادمة...

سوريا: فرصة للحلّ

أمّا سوريا، فإنّنا نأمل أن يقتنع كلّ الأطراف فيها ومن يؤيّدهم بضرورة الخروج من دائرة العنف والعنف المضادّ، للبدء بحوار سياسيّ موضوعيّ هادئ، يلبّي حاجة سوريا إلى الاستقرار وتحقيق آمال الشّعب السّوريّ بالحريّة والعدالة والعيش الكريم، وجعله أقوى على القيام بدوره في حمل كلّ القضايا العربيّة والإسلاميّة، ومواجهة السياسات الصهيونيّة والاستكباريّة الّتي لا تريد خيراً لها...

إنّنا ندعو الجميع إلى الاقتناع بأنّ العنف لا يحلّ أيّ مشكلة داخليّة، بل إنّه يزيد الأمور تعقيداً، ويوجِد في داخل الوطن جروحاً لا تندمل، ويسهّل على الّذين يريدون الاصطياد في الماء العكِر، والباحثين منهم عن موقعٍ في هذا البلد، أن يجدوا أرضاً خصبة فيه لتصفية حساباتهم عليه...

لذلك، نتمنى على الجميع الاستفادة من هذه الفرصة المتاحة، والانطلاق منها لإيجاد الحلّ السياسيّ المنشود.. فلا تكون هذه الفرصة هدنة هشّة أو مؤقّتة أرادتها القوى الدوليّة والإقليميّة، ريثما ينجلي بعض ما يجري في هذا العالم من انتخابات أو حوارات، أو مشاريع حلول...

إنّنا نقول لأهلنا الأعزّاء في هذا البلد: احفظوا هذا البلد، لا تسمحوا بتخريب ما بنيتموه بسواعدكم وأيديكم، بل أبقوه عامراً ببنائه وإنسانه، عامراً بالحريّة والعدالة، عامراً بألفة طوائفه ومذاهبه ومواقعه السياسيّة...

العراق: الوحدة عنوان القوّة

أمّا العراق، فقد أطلّت عليه الذّكرى التّاسعة للغزو الأميركيّ، الّذي رغم أنّه ساهم في إزالة الطّاغية الّذي جثم على صدر العراقيّين طويلاً، وسبّب لهم كلّ المآسي والآلام التي لا يزال العراق يعاني من نتائجها، إلا أنّ هذه الذّكرى جاءت لتشير إلى حجم الدّمار الّذي تسبّب به هذا الاحتلال على المستويات كافّة، ويشهد على ذلك مئات آلاف من الأيتام والمعوّقين والضحايا...

إنّنا نؤكّد على العراقيّين في هذه الذّكرى، أن يعملوا للتّخفيف من حدّة الآثار السلبيّة الّتي تركها الاحتلال، بأن يعملوا للحفاظ على وحدتهم، فهي عنوان قوّتهم، فمن حقّ الإنسان العراقيّ بعد كلّ هذه المعاناة أن يحصل على الاستقرار وتؤمّن له كلّ متطلّبات العيش الكريم والحرّ، لأنّ رهان المحاور الدوليّة المستكبرة هو على انقسام العراقيّين وتشتّتهم بعد الانسحاب، ولا سيّما في ظلّ الحديث عن انفصالٍ هنا لهذا الإقليم أو حديثٍ عن فيدرالية هناك، ليُقال بأنّ شعوبنا لا تُحسن العيش بعيداً من وصاية المحتلّ أو تدخّله المباشر أو غير المباشر.

مصر: حماية منجزات الثّورة

كما نخشى على مصر من أن يكون المخطّط الأساسيّ يقوم على إغراقها في الخلافات بين مختلف المحاور التي شاركت في صناعة الثورة، أو على إعادة إنتاج رموز النّظام البائد من خلال الانتخابات الرّئاسيّة أو غيرها.. ولذلك فإنّنا نؤكّد على القوى الإسلاميّة والوطنيّة في مصر، وكلّ أولئك الّذين أطلقوا شرارة الثّورة، أن يكونوا واعين لما يُدبّر لمصر، وأن يتوحّدوا لحماية منجزات الثّورة، لأنّه يُراد للجميع أن يسقط في التّجربة الجديدة، ليكون المستفيد الأكبر هو العدوّ الصّهيونيّ الّذي يريد لمصر أن تبقى في حال من الاهتزاز واللاتوازن، لأنّه يعرف أنّ استقرار مصر يمثّل القوّة للأمّة كلّها، وليس للشعب المصري فحسب.

البحرين: أزمة بلا حلّ

أمّا البحرين، فلا يزال عنف السّلطة يتصاعد فيها ضدّ شعبها، في الوقت الّذي تستمر معاناة المعتقلين في السجون، ولا سيّما المعتقل الحقوقي عبد الهادي خواجة...

في الوقت الذي لا يزال الشعب في البحرين يقدم أنموذجاً في حركته السلمية التي لا تبتغي أن يتحول البحرين إلى ساحة من ساحات العنف الذي تعاني منه مواقع أخرى...

إنّنا نعيد التّأكيد على السّلطة في البحرين، أن تكون جادّةً في مخاطبة شعبها، وأن تفتح أبواب الحوار معه، لأنّ هذا هو السّبيل لإخراج البحرين من أن تكون ساحةً للتّجاذب الدولي والإقليمي وللحؤول دون إدخال هذا البلد في صراعات هذه المحاور...

وفي الوقت نفسه، ندعو كلّ المؤثّرين والفاعلين على الساحة البحرينيّة، أن يعملوا بكلّ جهدهم على رأب الصّدع وحلّ الأزمة، لتعود البحرين إلى لعب دورها الرّياديّ، وتبقى الصّورة الإيجابيّة لهذا البلد المتنوّع طائفيّاً ومذهبيّاً، المتوحّد في مواجهة تحديات الخارج ونصرة قضايا الأمّة...

لبنان: حفظ السّلم ومعالجة الملفّات

أمّا لبنان، فإنّه تطلّ عليه في هذا اليوم ذكرى الحرب اللّبنانيّة المشؤومة، وهو ينظر إلى الفوضى الّتي تحيط به، وإلى الحروب الّتي تدور رحاها في الجوار، فقد جرّب شعبه الحرب وويلاتها وقساوتها، وعرف أنها لا تُنتج إلا المزيد من الدّمار، وأنّ الاقتتال الداخلي لا يعود بالخير على أحد، بل يجعل الشرّ يعمّ وتتّسع ساحاته، وتطاول شظاياه الجميع..

إنّنا في الوقت الّذي نريد لذكرى الحرب أن لا تكرّر نفسها، ونريد للّبنانيّين أن ينعشوا ذاكرتهم ليتّعظوا من ويلاتها فلا يعودوا إلى مثلها، نؤكّد على المعنيّين في الحكومة وعلى كلّ السياسيّين، أن يبادروا إلى حماية السّلم الأهليّ بالمزيد من الوحدة، والكفّ عن الخطاب المتشنّج في السّجالات المتبادلة الّتي تساهم في إثارة الشّحن المذهبيّ والطّائفيّ والسّياسيّ، سواء ما يجري في الدّاخل، أو من خلال انعكاس ما يجري في الخارج على الدّاخل، ولا سيّما في ظلّ الأحاديث الّتي تتناول من جديد اغتيالات تدبّر، ومحاولات اغتيال حصلت، وتحضيرات عسكريّة وأمنيّة من قِبَل هذا الفريق أو ذاك، ما يُشعر اللّبنانيّين بالخوف على مستقبلهم...

إنّنا نريد للّبنانيّين أن يكونوا واعين جيّداً، وأن لا يسمحوا للّذين يريدون إبقاء هذا البلد مهتزّاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً ومعيشياً أن يحقّقوا أهدافهم لحسابات خاصّة، أو خدمةً لارتباطات خارجيّة، فقد آن للنّاس أن يرتاحوا، فتكفيهم أزمات الغذاء والدّواء والكهرباء وزيادة أسعار المحروقات وغيرها من الأمور، والّتي قد تصل إلى رواتب موظفي القطاع العام...

إنّنا نشدّد على الحكومة أن تسرع في مسيرة الحلول للملفّات العالقة في الكهرباء والتّعليم، ولا سيّما التّنقيب عن النفط والغاز، وصولاً إلى التّعيينات، وإلى إقرار قانونٍ انتخابيٍّ ينهض بالبلد ويضعه على سكّة الوحدة الوطنيّة الحقيقيّة، لأنّ البديل هو المزيد من الانقسامات والتمزّقات الّتي لا تفيد أحداً، بل تجعل البلد كلّه في قبضة الفوضى والاهتزاز، وهو ما ينعكس على الجميع على مستوى الحاضر، وعلى مستوى الأجيال القادمة..

أيّها المسؤولون، اعتبروا ولو لمرّة واحدة أنّ البلد بلدكم لا بلد الآخرين، وعندها سيتخلّص البلد من الكثير مما يعانيه...

التعليقات

الإسم:

ليبية

الموضوع:

مش فاضيين

التعليق:

كلامك يا سيدي صحيح ولا غبار عليه بس اذا تكلمنا عن واقع فلسطين فالمفروض ان اهلهابالدرجة الاولى يكونو حريصين عليها بالمقام الاول قبل العرب اللي كل واحد فيهم اصبح عنده من المشاكل ما يفوق مشاكل الفلسطينيين انفسهم سواء كانت اقتصادية او سياسية او حتى امنيةانا لا ابرر تقاعس العرب عن القضية بس الواقع يفرض نفسه على الجميع اذا لم يتخلى الفلسطينيين عن مصالحهم الشخصية وغضوا الطرف عن خلافاتهم الداخليةوتجاوزوها لتكون مصلحة الوطن هى العليا فلن يلتفت اليهم احد ويبقى الحال على ما هو عليه

التاريخ: 22 جمادى الأولى 1433 هـ  الموافق: 13/04/2012 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: