نسخة للطباعة

أرشيف منبر الحسنين

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسيّة:

الخطبة الأولى

ما اشتُهر عن الإمام الكاظم(ع)، الّذي نستعيد في هذا اليوم، في الخامس والعشرين من شهر رجب الحرام ذكرى انتقاله إلى رحاب ربّه، أنّه كان يدعو بعد آخر سجدة من ركعة الوتر من صلاة اللّيل بهذا الدّعاء: "هذا مقام من حسناته نعمة منك، وشكره ضعيف، وذنبه عظيم، وليس له إلا دفعُك ورحمتك، فأنت قلت في كتابك المنزل على نبيّك المرسل(ص): {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ *كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[15-18]. طال هجوعي، وقلَّ مقامي، وهذا السَّحر، وأنا أستغفرك لذنبي استغفار من لا يجد لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً". ثم يخرُّ ساجداً.

زاد الأئمّة(ع)

والإمام الكاظم(ع)، مثله مثل باقي أئمّة أهل البيت(ع)، تركوا لنا زاداً روحيّاً ومخزوناً من الأدعية.. ومن الملاحظ أنّ أدعيتهم تشتمل على طلب المغفرة والاعتذار من الذّنوب والآثام، وهم المعصومون عن الخطيئة، والمطهّرون من الرّجس..

وحضور الاستغفار بقوَّة في أدعيتهم، إنما ينطلق من شعورهم بالتّقصير الدّائم بين يدي الله العظيم الأعظم، فهم مهما ارتقوا في العبادة، يجدون أنفسهم قاصرين ومقصّرين تجاه خالقهم..

ومدرسة الأئمّة(ع) هي مدرسة رسول الله، فرسول الله(ص)، وهو النّبيّ وخاتم الرّسل، كان يستغفر الله سبعين مرّةً في كلّ يوم..

وكثير من الأحاديث الواردة عنه(ص)، تؤكِّد أنَّ "خير العبادة الاستغفار"، وأنَّ "خير الدّعاء الاستغفار".

قيمة الاستغفار

أيّها الأحبّة:

الاستغفار قيمة بحدّ ذاتها، تشكّل كيان العبد، وتصوّب مساره. والآيات القرآنيّة، لا تنفكّ تحبّب النّاس بهذه القيمة، وتدعوهم إليها.

فلماذا يعطي الإسلام هذه الأهميّة الكبيرة للاستغفار؟ وكيف نستغفر؟ ولماذا، ومتى؟

الحكاية هي عند الإنسان نفسه، والصِّراع الّذي يعيشه بين فطرةٍ تتوق إلى العدل والحقّ والخير، وبين نفس أمَّارة بالسّوء..

والإنسان قد يضعف أمام شهواته ونزواته وأطماعه، وقد يستكين لتسويلات الشّيطان وأمانيه وخدعه، بحيث تتراكم عنده الذّنوب..

وسط هذا الصِّراع، شاء الله أن يمدَّ يد الحنوّ إلى عبده في كلِّ وقت، أن يترك الأبواب مفتوحةً ولا يوصدها كلّياً، معلناً استعداده لقبول توبته متى شاء، حتّى لو أسرف في المعصية وارتكاب الذّنوب. فما على الإنسان إلا أن يقرّر ويتوجّه إلى الله ليعلن بين يديه الاستغفار ويقول: "أستغفر الله من ذنبي وخطيئتي"، والله سيقبل توبته، وهذا وعد وعهد منه تعالى لعباده: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النّساء:110] {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزّمر: 53].

وليس هذا فحسب، بل إنّ الله يكافئ عبده على الاستغفار: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا}[نوح: 10 -12].

{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}[آل عمران: 133].

أمان المسلمين

أيّها الأحبّة:

إنّ الاستغفار ليس فقط وسيلةً لشطب الذّنوب وتنظيف سجلّنا العدليّ عند الله؛ إنّه أكثر من ذلك، يقول الرّسول(ص): "أنزل الله عليّ أمانين لأمّتي: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[الأنفال: 33]، فإذا مضيت، تركتُ فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة"..

وشرح لنا الإمام عليّ(ع) ذلك عندما قال: "كان في الأرض أمانان من عذاب الله، وقد رُفِع أحدهما ـ أي الرّسول(ص) بعد وفاته ـ فدونكم الآخر فتمسّكوا به؛ هو الاستغفار".

فلا يستهيننّ أحد بالاستغفار ويعتبره مجرّد ذكر وتسبيح.. الاستغفار هو أمان في الدّنيا بكلّ ما تعنيه كلمة أمان..

هو أمان من وقوع العذاب الّذي وقع على المجتمعات والأقوام والأمم الجاحدة الّتي انحرفت عن جادة الصّواب، فبادرها الله بالعقاب في الدّنيا، كما أخبرنا القرآن الكريم: {وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً...}[الفرقان: 37].

وعن آل فرعون: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}[الأعراف: 136].

وعاد: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ}[الحاقة: 6].

فضائل الاستغفار

أيّها الأحبّة:

 إنَّ فضائل الاستغفار كثيرة جداً، وتتفرّع إلى دوائر متعدّدة نجملها تحت خانتين أساسيّتين:

ـ الخانة الأولى: أنّ الاستغفار هو وسيلة تنظيف وصيانة روحيّة، والحديث الّذي يعبّر عن ذلك خير تعبير: "إنّ للقلوب صدأً كصدأ النّحاس، وجلاؤها الاستغفار".

وقد قال عليّ(ع): "تعطّروا بالاستغفار، لا تفضحكم روائح الذّنوب". فكما الأوساخ تفضح الجسد بالرّائحة الكريهة، كذلك الرّوح تلوّثها الذّنوب وتبدي عيوبها..

ـ والاستغفار يشكّل أماناً داخليّاً للنّفس البشريّة، فعندما يشعر الإنسان بأنّه قادر على أن يفتح صفحةً بيضاء مع ربّه، يشرق الأمل في قلبه، لأنّ الفرصة أعطيت له من جديد.. والله لا يكلّ من إعطاء الفرص..

عن رسول الله (ص): "قال إبليس: وعزّتي لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال تعالى:وعزّتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني"..

فماذا لو انعدمت الفرص وأغلق الله أبواب العودة وأوصدها؟ فأيّ قلق واضطراب ويأس يعيشه الإنسان وهو ينتظر العقاب الّذي لا فكاك له منه؟! ماذا لو أنَّ التّسجيل لا يُمحى ولا رجعة عنه عند ربّ العزّة، فكيف سيكون حالنا؟

إنّها صورة افتراضيَّة، لندرك النِّعمة الّتي نحن فيها، لأنَّ الله هو الّذي قدَّم نفسه: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الحجر:49] {أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ}[الزّمر: 5].

والخانة الثّانية لفضيلة الاستغفار، أنّه أداة ردع سلوكيّة وبنائيّة، لأنَّ من شأن الاستغفار أن يردَّ النَّفس إلى جادة الصَّواب والإيمان، فلا يمكن للاستغفار أن يؤدّي وظيفته إلا إذا حوله المستغفر إلى حالة طوارئ سلوكية ونوع من الأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، بحيث لا يقتصر في استغفاره على ترديد قول "أستغفر الله"، فالاستغفار ليس لقلقة لسان، ينطق بها الإنسان لينصرف بعدها إلى ما كان فيه، شأنه شأن العبادات الّتي تؤدَّى كأنَّها رفع عتب، وعلى سبيل العادة لا أكثر.

آثار اجتماعيّة

وهناك، أيّها الأحبّة، نقطة تربويّة بنائيّة مهمّة على صعيد آثار الاستغفار في المجتمع..

فنحن ندرك أنّ كلّ إنسان أدرى بذنوبه وما يترتّب عليها من أذى، فإذا كانت الأذيّة قد طالت الآخرين، فقد يحصل باستغفاره على غفران الذّنب من الله، لكن هناك الحقّ العام وحقّ النّاس الّذين اغتابهم أو خاض في أعراضهم أو أرزاقهم وأموالهم... فالمغفرة من الله لن تُسقط حقوق النّاس، ولن تَسقط هذه الحقوق إلا بإعادة الحقوق إلى النّاس والتّسامح منهم. مثلاً، قد يغتاب الإنسان، فيلتفت بعد ذلك ويستغفر الله، فيقول له الله: لا أغفر لك حتى يغفر لك صاحبها.

وقيمة الاستغفار، أنّه وسيلة للتّقريب والتّلاقي، ليس فقط مع من أخطأت بحقّهم، بل مع من أخطأوا بحقّك أيضاً. ولذلك توجّه النبيّ(ص) بالدّعاء إلى الّذين كانوا يرمونه بالحجارة ويضعون الأشواك في طريقه، وقال لهم: "اللّهمّ اغفر لقومي إنّهم لا يعلمون".

وفي هذا درس يعلّمنا كيف نتعاطى مع ذنوب وأخطاء الآخرين من حولنا، لأنّ البعض ـ للأسف ـ لا يمكن أبداً أن يغفر خطأً لجاره، لأخيه، لصديقه، لزوجته... وأحياناً يكون الخطأ قديماً ويعاد استحضاره، والبعض يجهز ملفّ أخطاء لمن حوله، يظلّ يكرّرها ويستحضرها ولا يكون مستعدّاً لأن ينسى..

وعندما يتدخّل المصلحون، يجدون صدّاً وإعراضاً من أخ لا يريد حلّ مشكلة عداوة بينه وبين أخوته، بسبب إرث أو حساسية أو اعتبارات دنيويّة.

ومثل ذلك أيضاً مشكلة والد مع ابنه بسبب سلوكٍ معيّن.. أو مثلُ مشاكل بين أبناء بلدة واحدة بسبب حدود أرض، أو خلاف عائليّ أو حتّى سياسيّ.. والملفت أنّ الإصرار على عدم المغفرة والتّسامح يتجذّر وتتوارثه العائلات والأولاد، حتّى بتنا نرى قاموساً ثابتاً في الخلافات العائليّة والعشائريّة والسياسيّة..

سبحان الله! كيف يتجرّأ المرء على طلب المغفرة من الله، ويتوقّع أن يُستجاب له، وهو غير مستعدّ لأن يغفر للآخرين أخطاءهم تجاهه؟ البعض يقول لك إنّ حجم الخطأ الّذي مورس معي كبير ولا يمكن العفو عنه.. وهل هناك أخطاء أعظم من تلك التي نمارسها مع الله القويّ القادر خالقنا ورازقنا؟ الله يغفر، فلنتخلّق بأخلاقه.. ولنغفر لمن نعتبر أنهم أساؤوا إلينا..

إنّ أجمل هديّة يمكن أن نقدّمها لمن نحبّ، هي أن ندعو لهم بالمغفرة: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}[إبراهيم: 41].

"اللّهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، تابع بيننا وبينهم بالخيرات، إنّك قريب مجيب الدّعوات...".

محاسبة النّفس

أيّها الأحبّة:

لقد حرص الإمام الكاظم (ع) على أن يؤكّد في وصيّته لنا: "ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم ، فإن عمل حسناً استزاد منه، وإن عمل سيّئاً استغفر الله منه وتاب إليه".

فنحن بحاجةٍ إلى جلسة الحساب هذه مع النّفس، حتى نعي أنفسنا، حيث الانحراف والسّوء قد يدخل إلينا من حيث لا نشعر، وجلسة الحساب هذه مع النّفس لا ينبغي أن تكون جلسة تسويات وتواطؤ وطبطبة، بل جلسة وعي حقيقيّ لهذه النّفس الّتي ستكون وسيلتنا إلى الله وبلوغ جنّته، ومن خلالها نقوم بكلّ مسؤوليّاتنا في الحياة.

ليس هناك أجمل من كلمة استغفار تنطلق من قلوبنا وألسنتنا في الأسحار، لتزيل كلّ آثار الشّيطان والنّفس الأمارة بالسّوء..

لا تزال لنا بقيّة من شهر رجب، الّذي وصفه رسول الله(ص): "شهر رجب شهر الاستغفار لأمّتي، فأكثروا فيه من الاستغفار، فإنّه غفور رحيم، وهو الشّهر الأصبّ، لأنّ الرّحمة تصبّ على أمّتي صبّاً، فاستكثروا فيه من قول:أستغفر الله وأسأله التّوبة".

نستغفرك اللّهمّ من ذنوبنا وآثامنا وتقصيرنا وإسرافنا على أنفسنا، إنّك أنت الغفور الرّحيم.. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

أمانة القدس

عباد الله، اتّقوا الله، ولنحرص ونحن نعيش ذكرى الإسراء والمعراج، ليلة السّابع والعشرين من هذا الشّهر، أن نستعيد أجواء هذه الذّكرى، حيث أسري برسول الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ليعرج بعدها بروحه وجسده إلى السّماوات، وهناك أراه الله من آياته الكبرى... وفي طريق عودته، مرّ ببيت المقدس مجدّداً، ومنه توجّه عائداً إلى مكّة، حيث وصل إليها قبل الفجر...

إنّ هذه الرّحلة تؤكّد الموقع الكبير لرسول الله، عندما وفّر له الله تعالى فرصة التعرّف إلى الكون بكلّ ما فيه، ولكنّها أيضاً، فيها تأكيد على التّرابط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، بين مكّة المكرّمة والقدس..

لذا، فإنّ علينا ونحن نستعيد هذه الذّكرى، أن نشعر بمسؤوليّتنا تجاه المسجد الأقصى، وعودة القدس إلى الحضن الإسلاميّ..

ولذلك نقولها لكلّ الّذين يحيون هذه الذّكرى: أحيوها إحياء المجاهدين، أحيوها إحياء العاملين من أجل تحرير القدس وعودتها مكان أمنٍ وأمان.. القدس أيّها المسلمون، القدس أيّها المسيحيّون، هي مسؤوليّتنا، حيث يعمل الكيان الصّهيونيّ على تهويد معالمها وإفقادها الهويّة الإسلاميّة، كما يعمل على إفقادها الهويّة المسيحيّة.. ولذلك، فلتتضافر كلّ الجهود من أجل إخراج اللّصوص الّذين يتابعون سرقتهم للقدس وللأرض وللتّاريخ وللهويّة وللإنسان...

سوريا في دائرة المساومات

أمّا سوريا، فلا يزال هذا البلد العزيز يعاني استمرار نزيف الدّم الّذي يطاول المدنيّين والعسكريّين، وحتّى النّساء والأطفال والشّيوخ، من دون أن تلوح في الأفق بارقة أمل أو فرصة حلّ، بل على العكس من ذلك، فإنّ الدّاخل السّوريّ يشهد المزيد من تصاعد العنف، إذ دخل هذا البلد في دائرة التّجاذب الدّوليّ والإقليميّ، وفي لعبة المصالح المتعارضة، حيث يسعى كلّ محور دوليّ أو إقليميّ للاستفادة من الورقة السوريّة والمساومة عليها لتحقيق أهدافه المعلنة وغير المعلنة في المنطقة وخارجها، والّتي لا تراعي في غالبها مصير سوريا ولا المصالح العليا لها، ولا مصلحة الشّعب السوريّ ورغبته في العيش الكريم والحرّ والمستقرّ، بقدر ما تراعي مصالحها...

إنّنا في الوقت الّذي نشعر بالمرارة لما يجري من مجازر وتفجيرات واغتيال، ونرى في ذلك محاولةً لإضعاف موقعٍ من مواقع القوّة في العالم العربيّ والإسلاميّ في مواجهة الكيان الصّهيوني، ندعو الشّعب السوريّ إلى وعي المؤامرة الّتي تُحاك ضدّه، حيث السّعي الجدّيّ لخلق مناخات الفتنة الطائفيّة والمذهبيّة، والّتي بدأ الحديث عنها والتّحضير لها.

لذلك، نأمل أن يسارع كلّ الغيورين على سوريا، لتهيئة المناخات الملائمة من أجل حوارٍ داخليّ يضمّ كلّ مكوّنات الشعب السوريّ، لأنّ الحوار وحده هو السّبيل لإخراج سوريا مما تعاني منه، فالعنف في الدّاخل لا يحلّ أيّ مشكلة، ولا سيّما في ظلّ التّعقيدات الموجودة في الداخل السّوريّ إقليمياً ودولياً.

استهداف الاستقرار في العراق

وفي جانب آخر، لا يزال العراق يعيش في دوّامة التفجيرات الوحشيّة المتنقّلة بين هذه المنطقة وتلك، مستهدفةً المدنيّين الأبرياء في مناطق عملهم، وأخيراً الزّائرين للمقامات المقدّسة، كما حصل في استهداف القادمين لإحياء ذكرى وفاة الإمام الكاظم(ع) في الكاظميّة.

هذه التّفجيرات الّتي تقوم بها جماعات لا تريد لهذا البلد الاستقرار وتحقيق أهدافه في بناء الدّولة العادلة القويّة، ولعب دوره الرّياديّ في العالمين العربيّ والإسلاميّ ومواجهة المخطّطات الاستكباريّة في المنطقة.

إنّنا في الوقت الّذي ندين هذه الأعمال، نؤكّد على العراقيّين أنّ السبّيل الوحيد لمواجهة كلّ هذه الأعمال الوحشيّة، يكمن في وحدتهم وتماسكهم ومنع العابثين من أن يفرّقوا بينهم.

مصر: خوف على التّغيير

أمّا مصر، فإنّنا نخشى من أن تؤدّي القرارات الأخيرة إلى تعطيل ما بدأه المصريّون من عملٍ للتّغيير، والعودة بهذا البلد إلى سابق عهده.. إنّنا على ثقة بأنّ الشّعب المصريّ الواعي والحرّ قادر على تجاوز هذه العوائق، والبلوغ بمصر إلى شاطئ الأمان، لتقوم بدورها الرياديّ في العالمين العربي والإسلاميّ، بعيداً عن الّذين يريدون العبث بها وباستقرارها ووحدتها وعزّتها وحريّتها.

ليبيا: حماية مكاسب الثّورة

أمّا ليبيا، فلا تزال الأنباء تتوالى بين وقتٍ وآخر عن معارك تأخذ الطّابع القبليّ أو السياسيّ في هذه المنطقة وتلك، ما يشير إلى أنّها لا تزال بعيدةً عن الاستقرار الّذي ننشده جميعاً للشّعب اللّيبي الّذي يستحقّ المزيد من الاهتمام العربي والإسلامي لترتيب أوضاعه الداخليّة، لا أن يُترك في ميزان حسابات الكبار، حيث التّعامل مع هذا البلد كساحةٍ نفطيّة وموقع للثّروات يُراد نهبها والسّيطرة عليها.

وفي هذا المجال، ندعو الشّعب اللّيبيّ إلى الحفاظ على مكاسب ثورته، لتعميق الوحدة فيما بينه، حتّى لا يسمح للّذين يريدون لهذا البلد عدم الاستقرار أن يحقّقوا أهدافهم...

لبنان: الحوار المرتجى

وأخيراً، نطلّ على لبنان، الّذي بدأ جولةً جديدةً من الحوار في ظلّ مناخاتٍ جديدة توحي بأنّ جميع الفرقاء باتوا مقتنعين بأنّ العودة إلى أجواء التّقاتل والتّناحر الداخلي مسألة مرفوضة تماماً، وأنّ الاستمرار في التّراشق الكلاميّ المتشنّج من بعيد يفاقم الأزمة ولا يعالجها.

لقد رسمت جولة الحوار الأخيرة معالم جديدة، وأعطت الأمل في إمكانيّة معالجة المشاكل الداخليّة والطّروحات الاستراتيجيّة بروحٍ إيجابيّةٍ نريد لها أن تستمرّ لتحدّد كيفيّة التصدّي داخليّاً لكلّ محاولات جرّ المشاكل إلى الداخل اللّبنانيّ، وأن تقيم تفاهماً حقيقيّاً يقود إلى طمأنة الجميع، وإلا فإنّ المستقبل الّذي ينتظرنا يبدو مظلماً، وخصوصاً في طور ما يجري في المنطقة.

إنّنا نتطلّع إلى استكمال جلسات الحوار بخطواتٍ عمليّةٍ على صعيد الوحدة الداخليّة، وتفعيل حركة الحكومة على المستويات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وحماية أمن المواطنين واستقرار البلد، حيث لا سبيل للنَّاس إلا الحوار عاجلاً أو آجلاً، ولذلك نؤكّد ضرورة رفع صوت الحوار البنّاء، الّذي يدرس كلّ القضايا بروح مسؤولة، هدفها حماية هذا البلد من أعدائه والّذين يكيدون له.

إنّنا ندعو اللّبنانيّين إلى أن يوجّهوا رسالتهم إلى كلّ المتحاورين، وأن يقولوا لهم إنّ مستقبلنا بين أيديكم، وهو مرهون بالحوار الجدّيّ الّذي يصل إلى نتائج إيجابيّة، لا حوار تقطيع الوقت انتظاراً لظروف قادمة، أو الحوار الّذي يُعطى الإذن فيه ثم يُمنع، بل الحوار الّذي ينطلق من إرادة اللّبنانيّين، الحوار الّذي يضمن حقّ إنسان هذا البلد في أن ينعم بالعيش الكريم والحياة المستقرّة والعزّة والكرامة.

الأمن مسؤوليّة الدّولة

وأخيراً، إنّنا أمام هذا الواقع الّذي تتواصل فيه الاهتزازات الأمنيّة، والعبث بأمن النّاس بين وقت وآخر، نؤكّد على الدّولة اللّبنانيّة، وعلى جميع المعنيّين، تحمّل مسؤوليّاتهم في رفع الغطاء عن المخلّين بالأمن والعابثين بأمن النّاس وبالسلّم الاجتماعي والأهلي، حتّى لا يبقى البلد رهينةً بيد هؤلاء، وحتّى لا يسقط المزيد من الضّحايا في كلّ هذه الفوضى الّتي تدفع مجتمعاتنا إلى دائرة الاهتزاز والقلق الّذي يجعل حياة النّاس اليوميّة لا تستقرّ على حال.

من حقّ اللّبنانيّين أن ينعموا بعيشٍ آمن، فيكفيهم ما عانوا من مشاكل اقتصاديّة واجتماعيّة، ومن خوف على المستقبل.

التاريخ: 25 رجب 1433 هـ  الموافق: 15/06/2012 م

أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: