|
| الإخلاص شرط العبادة والعمل |
بسم الله الرّحمن الرّحيم
ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء فيهما:
الخطبة الأولى
قال اللّه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}[العنكبوت: 2].
امتحان الإيمان
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ليعبده ويؤمن به، نظراً إلى ما تمثّله العبادة من قمَّة التَّحرّر، وما يمثّله الإيمان من سموٍّ في الوعي. ولكن، لا يكفي أن يقول الإنسان بلسانه آمنت، حتّى يضمن لنفسه يوم القيامة أن يُصنَّف في زمرة الفائزين، لأنَّ الأمر ليس بهذه البساطة، فقد أراد اللّه أن يضع الإنسان في موضع التَّجربة، وأن يمتحن إيمانه ويمحِّصه، ولهذا كانت الحياة دار اختبار وبلاء. فعند كلّ مفترق، وفي كلّ ساحة من ساحات الحياة، هناك من ينتظرنا ليجرّب حظّه معنا، يقدّم لنا مغريات من كلّ صنف، وملذّات من كلّ لون، وأماني برّاقة؛ إنّه إبليس وأعوانه من الجنّ والإنسّ، وما أكثرهم!..
بدأت قصّة الإنسان مع إبليس حين رفض الأخير أن يمتثل لأمر اللّه بالسّجود لآدم، حيث ثارت فيه نوازع الغرور والكبرياء والتعصّب، رافضاً أن يسجد لمن خلقه الله من طين، وهو المخلوق من نار؛ هذا الغرور الفارغ هو ما جعل إبليس يتمرّد على أوامر اللّه، فطرده عزّ وجلّ من ساحة رحمته، وكانت النَّتيجة أنّه حمل كلَّ حقده على بني آدم، وأقسم أمام اللّه قائلاً: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين}[ص: 82].
ومنذ ذلك الوقت، لم يوفِّر إبليس ساحةً أو أسلوباً أو فرصةً أو غواية، إلا وجعلها سلاحاً من أسلحته مع الإنسان، ومتى تمكَّن منه، تشوَّه الإيمان عنده، وانقطع الحبل الممدود بينه وبين الله، وأصبح ريشةً في مهبِّ الأهواء... وإبليس في معركته المفتوحة هذه، يعرف من يطارد، ويعرف أنَّ الطّريدة العصيَّة على السّقوط، هي الإنسان الَّذي آمن بالله، وحصّن هذا الإيمان بالإخلاص لله فقط، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين* إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}[ص: 82- 83]، فإبليس لم يقل عبادك المؤمنين أو العالمين، بل قال المخلصين. ولهذا، فإنَّه يوجّه سهامه أوّلاً إلى الإخلاص، لأنّه خطّ الدفاع الأوَّل في إيمان الإنسان، ومتى سقط هذا الحصن، يُصبح الإنسان ساحةً مشرّعةً ومفتوحةً أمام أيِّ غزو.
شرط العبادة
والإخلاص، أيّها الأحبَّة، ليس أمراً هامشيّاً، ولا مجرّد زينة للأعمال، بل هو شرط أساسيّ وجوهريّ لأيِّ عملٍ أو عبادةٍ أو قول يريد به الإنسان وجه الله، والتَّقرّب به إليه، فلا يمكن لأيِّ صلاةٍ أن تقبل إن لم تكن خالصة لله، ولا لأيِّ جهد أو عمل؛ اجتماعيّ أو علميّ أو عباديّ أو خيريّ، إذا كان يشوبه رياء أو سمعة أو مصلحة!! ولو كان الجهد مضاعفاً، فإنَّ الله لن يقبل العمل، ولن يعطي الأجر عليه، لأنَّ نتائجه أو آثاره مهما كانت ممتازة، فالدّافع إليه ليس بريئاً، ولا بدَّ من أن تكون نيّة العمل لله، ولله وحده، حاضرةً في ثنايا هذا العمل، وإلا فإنَّ الله سيقول لك: اذهب لمن عملت له وخذ أجرك منه..
ومن هنا، ورد في الحديث عن رسول الله(ص): "أوّل خلق تُسعّر بهم النّار يوم القيامة: هم متصدّق أنفق ليُقال جواد، وقارئ تعلّم العلم وعلَّمه ليقال عالم، ومجاهد قاتل ليقال جريء".
ونحن ندرك أنَّ الإخلاص لله هو اللّبنة الأساس، وهو غاية الدّين والطَّريق إلى بلوغ رحمة الله، ومن هنا كان توجيه الله لرسوله(ص): {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي}[الزّمر: 14].
إنَّ الاخلاص لله ليس قيمة روحيَّة منفصلة تبقى في ثنايا الذّات، بل إنَّه هو من يعطي للحياة قيمةً، فنرى آثارها ماثلةً في سلوك الإنسان وحركته. لذلك، من الطبيعي، حين يكون الإنسان مخلصاً لله، عارفاً بسبل الإخلاص جيّداً، أن يخلص لمبادئه ولعمله ولعلمه ولأسرته وبيئته وجيرانه وأصدقائه وللمجتمع؛ كلّ المجتمع، وللأرض والوطن...
قيمة مفتقدة
أيّها الأحبَّة، في واقعنا المعاش، نعاني كثيراً من مظاهر عدم الإخلاص، رغم أنّه مطلبنا الُملِحّ في كلِّ مناحي الحياة العامّة والخاصّة، ومن خلال رصدنا للواقع، بتنا نفتقد هذه القيمة، حتّى بين الأخ وأخيه، وبين الابن وأبيه، وبين الزّوج وزوجته، والزّوجة وزوجها، والسبّحة تكرّ.
إنَّ ندرة تداول عملة الإخلاص، تترك تأثيراتها السلبيّة على مجتمعنا وأسرنا وعلاقاتنا واقتصادنا وديننا، وخصوصاً على أمننا، فكم من خائنٍ باع وطنه من أجل بلوغ لذّة مال، أو هوى، أو شفاء غيظ!
فأيّ إخلاص أن يعمل وجيه قوم، أو صاحب نفوذ، عمل خير، أو يقدّم مساعدة، وكل همّه من وراء ذلك أن يلمِّع صورته أو يسوّق لنفسه، ليصل إلى موقعٍ سياسيٍّ أو وزاريٍّ أو اجتماعيّ؟! وأيّ مخلص ذاك الَّذي لا يرى في السياسة إلا اللّعب على الحبال، للحفاظ على مصالحه وحظوظه ومواقعه؟! وأيّ مخلص من وصل إلى السّلطة، فاحتكرها لمصلحته ومصلحة أنصاره، ولا يوسع الدّائرة إلا بالفتات والنّذر اليسير؟! ثم، ماذا يحمل من الإخلاص مدير في الدوائر الخاصّة أو العامّة، يجعل الإدارة مملكةً خاصّة به وبالمقرّبين لديه، وإذا سألت عن ظاهرة الوساطة في التّعيينات في الوظائف، فحدّث ولا حرج؟!...
في كلِّ تلك الأمثلة الَّتي ذكرناها، هناك سلَّة من التَّبريرات يحملها الفرد عادةً، وفقاً لما يقنعه به إبليس، بأنَّ ما يقوم به لا يخالف الإخلاص بشيء، بل هو الصّواب بعينه، وأنّه من الضَّرورة والواقعية الّتي يتحدثون عنها دائماً.
لا صلاح إلا بالإخلاص
أيّها الأحبّة، نناشد الجميع، ونحن في بيت الله وفي ضيافته، أن يتمسّكوا، وكلٌّ من موقعه، بالإخلاص، لأنَّ واقعنا ينذر بالخطر الشَّديد، ولا صلاح له إلا بالإخلاص؛ وخصوصاً الإخلاص في المهن، حيث بات الفرد لا يأمن أن يتعرَّض لغشّ أو خداعٍ بمجرّد أن يدير ظهره، ما يحتِّم عليه أن يبقي عيونه مفتوحةً وإلا خدع، وخصوصاً إذا لم يكن هذا الفرد خبيراً بالعمل الَّذي يطلبه.
كما نناشد العاملين في التَّعليم أن يعطوا أفضل ما لديهم، حتّى لو كانوا في مدارس وجامعات رسميَّة لا تتوفَّر فيها الرّقابة. فنحن نحتاج إلى الإخلاص في كلِّ مناحي الحياة، كي نأمن على الغذاء الَّذي نأكله، ولا سيَّما في ظلِّ الأخبار الَّتي تصلنا كلَّ يوم، من مصيبةٍ هنا وسموم هناك، وكي نطمئنَّ أيضاً إلى أنَّ الطَّبيب لا يعالج بغية كسب المال من وصفة دواءٍ تبيعه شركة ما، أو من إجراء عمليَّةٍ قد لا يحتاج إليها المريض، أو بتمرير المريض إلى زملائه ببقيّة الاختصاصات لتنفيعهم.
نحتاج إلى الإخلاص حتّى في العمل الدّيني، كي يتحلَّى العالم بالصَّبر لإيصال الحقيقة إلى الناس، وأن يحسن اختيار ما يحتاجون إليه وما يرفع من مستواهم، ولا يركن إلى ثقتهم به وموقعيَّته لديهم.
المخلصون يصنعون دروب الحياة
أيّها الأحبّة، قد يتساءل البعض عن كيفيَّة تحصيل قيمة الإخلاص وتعزيزها. إنَّ طريق الإخلاص واضح كالشَّمس، ينطلق من أساس واحد، وهو اليقين بالله؛ اليقين بأنّه مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، بيده الخير وهو على كلِّ شيء قدير؛ اليقين بأنَّنا لا نحتاج مع الله إلى أحدٍ سواه، وأنَّ النّاس كلَّهم مخلوقون له، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا به، نعيش العبوديَّة له، ونعتبر أنفسنا عبيداً له لا لسواه، فالإخلاص كما يقول الإمام عليّ(ع): "الإخلاص ثمرة اليقين وثمرة العبادة، والباب إليه اليأس مما في أيدي النّاس".
أيّها الأحبّة، إنّ تحصيل درجة الإخلاص لله، يحتاج منّا إلى جهدٍ وعملٍ ومتابعةٍ وتدقيقٍ دائمٍ بنيّاتنا ومنطلقاتنا وأهدافنا، ولكنّ الأصعب هو الثّبات على الإخلاص بعد أن يمنَّ الله به علينا، أن نقول: ربّنا الله ثم نستقيم. وقد أشارت الأحاديث إلى صعوبة هذا الجهد عندما قالت: "تصفية العمل أشدّ من العمل، وتخليص النيّة من الفساد أشدّ على العاملين من طول الجهاد"، وقد أشار الله إلى الموقع الَّذي بلغه النَّبي يوسف بسبب إخلاصه {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}[يوسف: 24]، وكما قال الإمام عليّ(ع): "بالإخلاص ترفع الأعمال وفيه نجاح الأمور". ويكفي أنَّ المخلصين، والمخلصين وحدهم، كانوا دائماً هم القادة والنَّماذج والقدوة، وقد خَبِرنا إخلاصهم لله من خلال ثباتهم رغم أقسى التَّحديات الّتي واجهوها، وهم أيضاً مفتاح النَّصر، حتّى ولو كانوا من الضّعفاء، فعن رسول الله: "إنَّما نصر الله هذه الأمَّة بضعفائها ودعوتهم وإخلاصهم وصلاتهم".
إنَّ الحياة، أيّها الأحبَّة، لا يصنع دروبها إلا المخلصون، الَّذين يبنون ويكدحون ويربّون ويجاهدون في السّرّ والعلن، منذ بدء الرّسالة إلى قيام السّاعة، فإنَّ الأمّة لا يصلح حالها إلا بالإخلاص، ففتّشوا عن المخلصين، واجعلوا الإخلاص عنوان حياتكم وحصنكم المنيع أمام كلِّ تحديات الداخل والخارج، وما أكثرها في هذا الزَّمن الصَّعب...
اللّهمّ اجعل جهادنا فيك، وهمّنا في طاعتك، وأخلص نيّاتنا في معاملتك، فإنّا بك ولك، ولا وسيلة لنا إليك إلا أنت، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الخطبة الثّانية
لا ربيع دون فلسطين
لا تزال فلسطين في دائرة المعاناة المستمرّة، حيث يستهدف العدوّ الصهيوني أهلها بمزيد من الاعتقال، حتّى امتلأت سجونه بآلاف المعتقلين الّذين يعانون أقصى حالات الضّغط النفسي والجسدي والتعذيب، والّتي جعلت بعضهم يضطرّ للّجوء إلى الإضراب عن الطّعام للاحتجاج على التّعذيب وسوء المعاملة الّتي يعانيها الأسرى الفلسطينيّون..
هذا كلّه إلى جانب استمرار عمليات الاستيطان وتهديم بيوت المقدسيّين وطردهم من القدس، فضلاً عن استمرار الغارات الصّهيونيّة شبه اليومية على قطاع غزّة، حيث يسقط جراء ذلك المزيد من الشّهداء والجرحى، وكلّ ذلك يتمّ في ظلّ غيابٍ تامّ للمنظّمات الدّوليّة والعربيّة والإسلاميّة وحقوق الإنسان...
وهنا نجدّد التّأكيد على الشّعوب العربيّة والإسلاميّة، بضرورة عدم نسيان هذه القضيّة، وإبقائها من الأولويّات في كلّ هذا الحراك العربيّ، ونقول للجميع إنّ فلسطين تبقى أمانةً في أعناقكم، ولا يظننّ أحدٌ أنّ ربيعاً أخضر يمكن تحقيقه إن بقيت فلسطين تعاني، أو بقي العدوّ الصّهيونيّ يستبيح أهلها وشعبها. ويبقى السؤال: متى تأتي الساعة التي يشرب فيها العرب حليب السباع، لينطلقوا من موقفٍ موحّد ضدّ عدوّهم، ويشعروه بقوّتهم وتماسكهم في وجهه، كما هي الحال في قضايا وملفّات أخرى؟!...
سوريا: القبول بالإصلاح
وفي هذا الوقت، لا يزال نزيف الدّم مستمرّاً في سوريا، وبات الوضع فيها ينذر بعواقب وخيمة على هذا الصّعيد...
إنّنا نعيد التأكيد على الجامعة العربيّة، أن تعمل بكلّ جديّة لفتح قنوات الحوار بين كلّ مكوّنات هذا الشّعب، بدلاً من أن تطرق أبواب الأمم المتّحدة الّتي نخشى أن تجعل سوريا موقعاً للتجاذبات الدوليّة وصراع النفوذ فيما بينها، لا على مستوى المنطقة فقط، بل في العالم..
ومن هنا، ندعو إلى ضرورة تلقّف أيّ عمل إصلاحيّ، مهما كان متواضعاً، للبناء عليه، لعلّ ذلك يشكّل بداية طريق لحلّ الأزمة في سوريا، ووقايتها من كلّ الصّراعات الداخليّة الدامية، والّتي بدأت تأخذ بعداً مذهبيّاً وعرقيّاً، حتّى تستعيد سوريا دورها الرائد والإيجابيّ في العالم العربي والإسلامي، لتكون قوّة في مواجهة كلّ مخطّطات الكيان الصّهيوني والاستكبار العالميّ الّتي تواجه المنطقة العربيّة والإسلاميّة...
البحرين: تجاهل متعمّد للثّورة
وننتقل إلى البحرين، هذا البلد الّذي لا يزال يعيش المعاناة المستمرّة منذ أكثر من سنة، حيث يعاني أهله من عدم اعتراف النّظام بمطالبهم وإدارة الظّهر لها، في الوقت الّذي يدعو هذا الشّعب إلى حوارٍ موضوعي وجدّيّ ومنتج مع حكومته، من أجل الوصول بالبحرين إلى شاطئ الأمان، كما يعاني من مشكلة الّذين يعتبرون هذا الحراك في الدائرة الطائفيّة والمذهبيّة، ونسيان كلّ المطالب الوطنيّة الّتي يطالب بها هذا الشّعب، وحرصه على سلميّة حركته وفتح باب حوار مع السّلطة...
إنّنا نرى أنّ العنف لا يحلّ أيّ مشكلة في أيّ حراك شعبيّ، حيث لا بدّ من الإصغاء إلى الجهات الفاعلة والواعية من الشّعب البحرينيّ للوصول إلى نتائج إيجابيّة.. ونحن نريد للبحرين، كما نريد لكلّ دول الخليج، أن تكون واحة استقرار، وأن تقدّم أنموذجاً في الوحدة الإسلاميّة والوطنيّة، وتحقيق العدالة وحقوق الإنسان...
لبنان: النّأي عن مشاكل المنطقة
وأمام كلّ ما يجري في المنطقة، نريد للّبنانيّين أن لا يسمحوا بانعكاس كلّ ما يجري من حولهم على الدّاخل، وفي الوقت الّذي نرى أنّ من حقّ كلّ فريق ديني أو سياسي أن يكون له نظرته إلى ما يجري حوله ليأخذ موقفاً منه، نؤكّد أن ليس من حقّ أحد أن يعبث بالأمن والاستقرار في هذا البلد، أو أن يؤدّي أسلوبه في التّعامل مع ما يجري من حوله إلى إيجاد مناخٍ لفتنة داخليّة، فلنعمل بكلّ مسؤوليّة على النّأي بالبلد عن كلّ ما يجري من حولنا، وليكن رهاننا جميعاً على وحدة هذا البلد وقوّته، وأن تكون مصلحته ومنعته هي الأساس...
إنّ قدر اللّبنانيّين أن يعيشوا معاً في هذا البلد، وأن يحفظوا كلّ عناصر التوازن فيه، وأن لا يحوّلوا بلدهم ساحةً للمحاور الدولية والإقليمية التي لم تنقذ أحداً، بل كانت سبباً في كلّ الويلات الّتي نعاني منها..
ومن هنا نقول للّبنانيّين، الّذين عاشوا المآسي والويلات من خلال عمليّات الاغتيال الآثمة، والّتي كان على رأسها اغتيال الرّئيس الحريري، والّتي لا يزال لبنان يعاني من تداعياتها، إنّ الحلّ لا يمكن أن يكون بالكلمات الحادّة ولا بخطابات التشنّج، ولا بهجوم من فريق على الآخر، فهذا لم ولن يحلّ أيّ مشكلة، بل يزيد الأمور تفاقماً..
إنّ الحلّ يكون بالحوار الموضوعيّ الهادئ الّذي تُدرس فيه كلّ الملفّات العالقة، بحيث يتمّ معالجتها من خلال النّظر إلى المصلحة الوطنيّة، لا إلى مصلحة هذه الطّائفة أو تلك، أو هذا الموقع السياسيّ أو ذاك، أو لحساب هذا المحور الدّوليّ أو الإقليميّ أو ذاك..
وعلى هذا الأساس، فإنّنا نقدّر كلّ دعوات الحوار الّتي انطلقت من هذا الفريق أو ذاك، ولا سيّما الحوار في داخل الساحة الإسلاميّة، لوأد الفتنة التي بدأت تطلّ برأسها من أكثر من اتجاه، لأنّنا نرى في حماية السّاحة الإسلاميّة وتحصينها، حمايةً للوحدة الوطنيّة وللبلد كلّه...
إنّنا ندعو الجميع إلى عدم الانتظار، وليبدأ الحوار ثنائيّاً أو ثلاثيّاً، إن لم نكن نستطيع أن نقوم بحوار شامل، فليكن الحوار بين الأطراف الفاعلين والأساسيّين والمؤثّرين في هذا البلد، ولا ينتظر أحد المبادرة من الآخر، ولا ما يجري من حوله حتّى يحاور من موقع القوّة، بل ليبادر كلّ طرف إلى الحوار، لأنّه لا خيار لنا كلبنانيّين إلاّ العمل الجادّ في هذا السّبيل..
مسؤوليّة حفظ المقاومة
وأخيراً، فإنّنا نتوقّف عند ذكرى استشهاد القادة، الشيخ راغب حرب، والسيّد عباس الموسوي، والحاج عماد مغنيّة، وكلّ الشّهداء، لنؤكّد أهميّة الدّور الّذي قامت به المقاومة، ولا سيّما المقاومة الإسلاميّة، الّتي قدّمت أغلى التضحيات على مذبح الوطن، كلّ الوطن، لا من أفرادها فحسب، بل من قياداتها أيضاً..
إنّ على الجميع أن يحفظوا هذه المقاومة، وأن لا يدخلوا سلاحها في السّجالات الداخليّة، ولا سيّما في هذه المرحلة الّتي يطلق فيها العدوّ التّهديدات، وفي ظلّ ما يحدث في أكثر من بلد.. فخيار إضعاف المقاومة في هذه المرحلة، سيجعل لبنان مستباحاً لمخطّطات العدوّ الصّهيونيّ..
أيّها المسؤولون.. أيّها المعنيّون.. أيّها الحريصون على وحدة البلد وعلى وحدة الصّفّ الإسلاميّ ووحدة المسلمين، إنّ عليكم أن تعرفوا أن لا مجال لوأد الفتنة وإسقاط عناصرها إلا من خلال استعادة الثّقة بين الجميع، وخصوصاً الأطراف الّذين يتنازعون ويتساجلون من بعيد، ومن خلال الحوار المباشر، لا من خلال السّجالات الإعلاميّة وعبر الشّاشات والفضائيات...
لقد آن الأوان لسلوك طريق الصّراحة والوضوح، والدّخول إلى قلب الأزمة ومعالجة كلّ التفاصيل، والانتصار على كلّ الحساسيّات، وقد قال عليّ(ع): "واعلموا أنّكم لو تكاشفتم لما تدافنتم"...
أيّها الأحبّة، لننطلق جميعاً في خطّ العزّة والحريّة والكرامة، وفي خطّ الوحدة الإسلاميّة والوحدة الوطنيّة، وفي خطّ الإحسان إلى المسلمين والمؤمنين، ولنردّد مع الشاعر:
وكلّ امرئ يولي الجميل محبَّبُ وكلّ مكانٍ يُنبت العزَّ طيّبُ
|