نسخة للطباعة

أرشيف منبر الحسنين

الصّوم باب إلى الحريّة

التاريخ: 1رمضان 1433 هـ  الموافق: 20/07/2012 م

بسم الله الرّحمن الرّحيم

ألقى سماحة العلامة السيّد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عددٍ من الشخصيّات العلمائيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، وحشدٍ من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

 ها قد بلّغنا الله شهره، فنحمده حمداً كثيراً على توفيقه وعلى كرمه ونعمته الّتي أنعم بها علينا؛ نعمة تمتدّ لشهر كامل، شهر حتّى الأنفاس فيه تحصى للصّائم، يُدخلها الله في ميزان أعماله، فتُحسب له تسابيح وأذكار ودعوات..

 ورد في الحديث القدسيّ: "كلّ أعمال ابن آدم له إلا الصّيام، فإنّه لي وأنا أجزي به". وأيّ جزاء ذلك الّذي تكفّل به ربّ العباد الودود الكريم، ووعد به عباده ووعده حقّ..؟!

عن رسول الله(ص): "إنّ للجنّة باباً يدعى الرّيان، لا يدخله إلا الصّائمون، فإذا دخل آخرهم أُغلق ذلك الباب":  فـ "الصّوم جنّة من النّار..."،  و"من صام إيماناً واحتساباً، غفر الله له ما تقدّم من ذنوبه".

هذا في الظّروف العاديّة. أمّا عند الحرّ، كأيّامنا هذه، فالأجر مختلف كثيراً، ومن أراد أن ينسى التّعب والجهد والحرّ، فليتخيّل هذا المشهد الربّانيّ في هذا الحديث الّذي ورد عن الإمام الصّادق(ع)، يقول الحديث: "من صام لله عزّ وجلّ يوماً في شدّة الحرّ، فأصابه ظمأ، وكّل الله عزّ وجلّ به ألف ملك يمسحون وجهه ويبشّرونه، حتّى إذا أفطر قال الله عزّ وجلّ: "ما أطيب ريحك وروحك! ملائكتي اشهدوا أنّي قد غفرت له".

تحرير من عبوديّة الشّهوات

أيّها الأحبّة:

إنّ الصّيام، وكأيّ عبادة من العبادات، وأيّ تكليف من التّكاليف، له دوره في بناء الإنسان وصياغة المجتمع، وإلا ما نلنا من العبادة إلا شكلها. فعندما لا نعي معنى الصّلاة (وهو الرّدع عن كلّ منكر وفحشاء)، لن ننال منها إلا القيام والقعود. وما لم نع معنى الحجّ، (وهو  القصد إلى الله)، لن ننال منه إلا الدّوران والسّعي. كذلك الأمر إذا لم نع معاني الصّيام، فإنّنا لن ننال منه إلا الجوع والعطش...

إنّ معاني الصّيام كثيرة وعميقة وممتدّة، وكلّ امرئ يمكن أن يدركها بسهولة إذا ما قصد ذلك وتفكّر ووعى وتدبّر..

 وعلى رأس معاني الصّيام: تحرير الإنسان. فالصّيام يجعله حرّاً متفلّتاً من أصعب القيود وأعقدها: شهواته، أطماعه، وغرائزه وعاداته، ويخضع فقط لعبوديّة الله وحده. فالصّائم تراه جائعاً وعطشاً، ولكنّه يقمع رغبات نفسه ولا يستجيب لها، تلك الّتي كان بالأمس لا يطيق أن يتأخّر عنها، وإذا تأخّر عن موعد الأكل ساعةً أو أكثر، يشعر بالقلق وضغط الطّلب. كان لا يصبر على جوع أو عطش، ويبرمج حياته لتلبية هذه الملذّات. فسبحان الله! ما هذا التحوّل الّذي يجعل الصّائم يمتنع حتّى عن شمّ رائحة الطّعام، منتظراً أمر الله له بالإفطار؟! فاليوم لا قرار له بكلّ هذه التّفاصيل، بل القرار لله.. وهذه المعادلة؛ معادلة انسحاب النّفس ولجمها لحساب عبوديّة الله، هي قمّة التحرّر في مواجهة كلّ العبوديّات الّتي تقدّم في أحيان كثيرة تحت عنوان الحريّة، والحريّة هنا موهومة مزعومة، لأنّ الحرّ هو من يكسر أغلال الدّاخل قبل أغلال الخارج، لا بل إنّ كسر قيود النّفس هو الممرّ لكسر كلّ القيود الطارئة في الحياة..

مدرسة الصّبر والتّواضع

ومن معاني الصّيام: الصّبر؛ إنّه شهر التّدرّب على أن يكون المرء قويّاً، صلباً، فلا يضعف ولا يهتزّ ولا يسقط أمام الإغراءات، بل يكون قادراً على تحمّل كلّ ظروف الحياة الصّعبة، وما أكثرها! ولا يمكن خوض الحياة في أيٍّ من مواقعها من دون سلاح الصّبر الّذي هو بالنّسبة إلى الإيمان كالرّأس من الجسد.. وشهر رمضان مدرسة في الصّبر والتحمّل والانضباط وقوّة الإرادة...

مصنع صيانة

ومن معاني الصّيام: التّواضع، وتقليل الفروقات بين النّاس: غنيّهم وفقيرهم، وعاليهم وأدناهم، ورئيسهم ومرؤوسهم.. وأكثر من هذا، فإنّ الصّيام بطبيعته كفريضة لكلّ المسلمين وفي وقت محدّد، يشكّل المواساة العمليّة للفقراء والمساكين وذوي الحاجة، بالنزول إلى عالمهم لتذوّق شيء من الجوع والعطش والحرمان والألم وضغط الحاجة.. فلولا الصّوم، لبقيت كلّ هذه المعاناة فكرةً غائمةً في الذّهن، لا تدخل المشاعر والأحاسيس.. مع الصّوم، تصبح هذه المعاناة تجربةً حقيقيّةً، ولا يبقى للإنسان أيّ حجّة في عدم السّعي لحلّها وعلاجها. .

ولذلك، ورد في الحديث عن علّة الصّيام: "وأمّا العلّة في الصّيام، ليستوي الغنيّ والفقير، وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليحسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله أن يسوّي بين خلقه، وأن يُذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم، ليرقّ على الضّعيف، ويرحم المسكين".

ومن معاني الصيام: الحيويّة، على العكس مما يظنّ الكثيرون أنّه شهر الكسل والجمود والخمول.. فعيش الشّهر كما ينبغي، بكلّ آدابه وشروطه، ينعكس حيويّةً في النّهار وحيويّةً في اللّيل. الصّيام يعني حيويّة التّواصل مع الله، والتّواصل مع النّفس، والتّواصل مع العباد، حيث الإقبال على المساجد وعلى قراءة القرآن وحفظه، والإقبال على صلاة اللّيل والابتهال والاستغفار والتّوبة وطلب الاستقامة وأداء النّوافل، وعلى حضور الدّروس والنّدوات. ويعني أيضاً حيويّةً على المستوى الاجتماعيّ، لأنّ الحثّ كان شديداً على تبادل الزّيارات بين الأقرباء والأرحام والسّعي لإفطار النّاس: "من فطّر منكم صائماً، كان له بذلك عتق رقبة من النّار"، كذلك الصّدقة وحتّى زيارة الأموات..

ومن معاني الصّوم: تأهيل الشّخصية المؤمنة وصيانتها، أو بمعنى آخر، إعادة إنتاج الشخصيّة على مستوى معرفة الله حقّ المعرفة، من رحمة ومغفرة وكرم ضيافة وحنوّ وحبّ ورأفة.

وإعادة إنتاج الشخصيّة، على مستوى فهم الحياة الدّنيا والآخرة؛ "واذكروا بجوعكم وعطشكم جوع يوم القيامة وعطشه"، وهذه وحدها تشكِّل في وجدان الفرد وعياً للهدف والمصير والمسار والطّريق.

والأبرز، أيّها الأحبّة، في بناء الشخصيّة، هو ذلك الّذي يحصل على مستوى السّلوك والأخلاق: "من حسّن في هذا الشّهر خلقه، كان له جواز على الصّراط يوم يلقاه...".

إنّه مصنع ربّاني لإعادة بلورة الشخصيّة، وإزالة ما علق عليها من صدأ روحيّ أو فكريّ أو عقائديّ أو أخلاقيّ أو سلوكيّ..

وتبقى نقطة من معاني الصّوم: غلبة كفّة الخير مقابل الشّرّ، حيث إنّها أيّام هزم الشّياطين وغلّها، وقد ورد في الحديث عن حال الشّيطان أنّ: "الصّوم يسوّد وجهه، والصّدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والمؤازرة على العمل الصّالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه".

أيّها الأحبّة: هذه بعض من معاني الصّيام؛ فهل يكون صيامنا صياماً واعياً، صياماً مدركاً، صياماً منتجاً وفاعلاً؟

ودليل هداية

 ـ مرّةً، رأى رسول الله امرأةً صائمةً تسبّ جاريةً لها، وحين دعا لها بطعام، استنكرت قائلةً له: يا رسول الله، أنا صائمة! قال: كيف تكونين صائمةً وقد سببت جاريتك؟! إن الصّوم ليس من الطّعام والشّراب، وإنّما جعل ذلك حجاباً عن سواهما من الفواحش من الفعل والقول"... ثم قال (ص): "ما أقلّ الصوّام وأكثر الجوّاع".

أيّها الأحبّة:

 ما أحوجنا اليوم إلى شهر رمضان لإزالة الأحقاد ونبذ التوتّرات والأنانيّات، واعتماد النّسيان ؛ نسيان الإساءة والأذيّة والخلافات، فهو في هذا الشّهر فضيلة وقيمة وسموّ ورفعة..!

ما أحوجنا إلى شهر رمضان، لتمتدّ جسور التّواصل والانفتاح، وليعمّ الصّفاء والودّ بين جميع خلقه!

ـ ما أحوجنا إلى شهر رمضان لنستعيد معه أجواء الفرح؛ الفرح الحقيقيّ، فرح بطاعة الله،  فرح الكون بليالي القدر وبنزول القرآن، فرح الفقراء والمساكين والأيتام وهم يسمعون الأحاديث تتردّد: "إنّ للجنّة داراً يقال لها دار الفرح، لا يدخلها إلا من فرّح يتامى المؤمنين".

وفرح من في القبور، عندما يستجيب الله لدعائنا: "اللّهمّ أدخل على أهل القبور السّرور..".

ما أحوجنا اليوم إلى شهر رمضان، لنكتشف بواطن الخير المدفونة في داخلنا، نحرّرها، نُطلقها، ونهزم أنفسنا الأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي...

أيّها الأحبّة: رمضان هو هبة المولى الكريم، فلا نحوّله إلى شهر نفتقد فيه الجود والكرم..

ـ وهو شهر الخير، فلا نحوّله إلى شهر الاحتكار والتّضييق على النّاس.

ـ هو شهر الوحدة، ولمّ الشّمل وجمع الصّفوف، فحذار أن يكون مناسبةً للفرقة والبعد والتّنازع، وتحت أيّ عنوان فقهيّ أو مرجعيّ أو مذهبيّ أو سياسيّ..

ـ وهو شهر البطولات والإقدام، فلا نحوّله إلى شهر الضّعف والانكفاء.

ـ هو شهر للحياة والإنتاج، فحذار أن يكون شهر الخمول والكسل واللّهو وهدر الوقت...

أيّها الأحبّة، أيّها الصّائمون: ها نحن في أوّل الموسم، فهلمّوا إلى القطاف، فالخير وفيرٌ وفير  والفرص ثمينةٌ ثمينة، وموائد الرّحمن تنتظر روّادها..

"اللّهمّ هذا شهر رمضان المبارك، الّذي أنزلت فيه القرآن، وجعلته هدى للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان، قد حضر، اللّهم فسلّمنا فيه وتسلّمه منّا في يسرٍ منك وعافية... اللّهمّ اجعله على أتمّه نعمةً، وأعمّه عافيةً، وأوسعه رزقاً، وأجزله وأهنئه يا ربّ العالمين".

والحمد لله رب العالمين. .

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّانية

عباد الله، اتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، ولنحرص ونحن ندخل إلى رحاب هذا الشّهر المبارك، أن ندخل إليه دخول الواعين، دخول العاملين، الّذين يعتبرون هذا الشّهر شهراً لتحمّل المسؤوليّة، المسؤوليّة عن بناء أنفسهم فكريّاً وأخلاقيّاً وإيمانيّاً، المسؤوليّة عن النّاس الّذين يحتاجون إلى من يمدّ إليهم يد العون والمساعدة، المسؤوليّة في تغيير واقعهم وجعله أكثر استقامةً وعدلاً وتألّقاً...

فلا يمكن لإنسان أن يصوم شهر رمضان، وأن يرى خصلة عيب فيه ولا يصلحها، أو يرى فقيراً ولا يتحرّك لسدّ حاجته، أو يتيماً يعاني من يتمه ولا يعمل شيئاً لأجله، أو إنساناً يُظلم ولا يردّ ظلامته أو يقف في وجه ظالميه، أو أرضاً تُحتلّ ولا يبذل جهده لإزالة العدوان، أو يرى حقّاً لا يُعمل به، أو باطلاً لا يُتناهى عنه، فيسكت ولا يتحرّك...

ولأجل تأكيد هذه القيمة، كان الدّعاء اليوميّ للصّائمين:

"اللّهمّ أدخل على أهل القبور السّرور, اللّهمّ أغن كلّ فقير, اللّهمّ أشبع كلّ جائع, اللّهمّ اكس كلّ عريان, اللّهمّ اقض دين كلّ مدين، اللّهمّ فرّج عن كلّ مكروب, اللّهمّ ردّ كلّ غريب, اللّهمّ فكّ كلّ أسير, اللّهمّ أصلح كلّ فاسد من أمور المسلمين, اللّهمّ اشف كلّ مريض, اللّهمّ سدّ فقرنا بغناك, اللّهمّ غيّر سوء حالنا بحسن حالك, اللّهمّ اقض عنّا الدَّين وأغننا من الفقر, إنّك على كلّ شيء قدير"...

فالّذين يصومون، لا يمكن أن يكونوا ساكتين صامتين غير مبالين، بل تراهم حاضرين في كلّ ساحات العمل والجهاد والتحدّي..

ومن هنا، لا بدّ لنا، ونحن في بداية شهر رمضان، من أن نتطلّع إلى ما يجري في واقعنا، كي نحدّد موقفنا منه ونعي مسؤوليّاتنا تجاهه...

أيّها الأحبّة، ندخل إلى شهر رمضان، والأمّة تعاني من تحدّيات الخارج، حيث الاستكبار يسعى ليطبق على واقع المسلمين، يهدّد أمنهم وسياستهم وثرواتهم، وفي الوقت نفسه، تعصف بالأمّة الخلافات الدّاخليّة، الخلافات بكلّ تنوّعاتها، خلافات الشّعوب مع الأنظمة الفاسدة والظّالمة، الخلافات بين الدّول الإسلاميّة، الخلافات الطائفيّة والمذهبيّة والقبليّة والعشائريّة، ما جعل هذه الأمّة تعيش انعدام الوزن الأمنيّ والسياسيّ والاقتصاديّ، وجعلها مشرعةً على رياح الآخرين، أعداء هذه الأمّة، الّذين يستفيدون من كلّ هذه الخلافات، ويبذلون جهدهم لتأجيجها..

سوريا: انعدام فرص الحوار

هذا ما نشهده الآن في التّفجيرات المتنقّلة في العراق، وهذا ما نشاهد آثاره في البحرين واليمن، وهذا ما تشهده سوريا، الّتي أصبح مشهد نزيف الدّم، دم جيشها وشعبها، مشهداً يوميّاً، من خلال حروب تتواصل في مدنها وأريافها، وحتّى عاصمتها، وتفجيرات دامية، كما حصل أخيراً في دمشق، والّذي أودى بمواقع أساسيّة في جيشها، هذا الجيش الّذي كان يعدّ للوقوف في وجه أعتى قوّة في المنطقة، وهي الكيان الصّهيونيّ، ويشكّل عنصر توازن استراتيجيّ ضدّها، كلّ هذا يجري في ظلّ انعدام فرص الحوار، وتحوّل هذا البلد العزيز والممانع إلى ساحة تجاذب للمواقع الدوليّة، ولتنفيس الأحقاد الطائفيّة والمذهبيّة، ولتصفية حسابات سياسيّة...

إنّنا إذ نتألّم لكلِّ هذا النزف، ولسقوط الضَّحايا في هذا البلد، ولا سيَّما من كان يمكن أن يمثّلوا موقعاً متقدّماً في مواجهة العدوّ، كما كانوا في السَّابق في مواجهة غطرسته.. نأمل من الجميع أن يفكِّروا جيِّداً في العواقب الّتي تترتَّب على استمرار كلِّ هذا العنف المتصاعد والنّزيف المستمرّ، الّذي لن ينتج إلا تدميراً لهذا البلد، وإدخاله في حرب أهليّة تضيع معها آمال السوريّين بالإصلاح المنشود الّذي هو حقّ لهذا الشّعب، وتساهم في إفقاد العالم العربيّ والإسلاميّ موقعاً من مواقع القوّة والممانعة فيه..

ومن هنا، فإنّنا نقول لكلّ مكوّنات هذا البلد؛ إنّ بلدكم هو أمانة الله في أعناقكم، حافظوا عليه، اِمنعوا كلّ الّذين يعبثون بأمنه حرصاً على سوريا، حرصاً على قوّة العرب وقوّة المسلمين، فالحوار الحوار هو السّبيل الوحيد لحلّ مشاكل الدّاخل ومنع عبث الخارج، فالعنف لا يولّد إلا العنف، والدّم لا يستسقي إلا الدّم.. استفيدوا من معاني هذا الشّهر الفضيل، من سلامه ومن روحه، سلاماً لبلدكم، ليعمّ السّلام في هذا البلد، السّلام المبنيّ على الحريّة والعدالة وتحقيق كلّ أماني الإصلاح، وبقاء سوريا موقعاً متقدّماً من مواقع القوّة في المنطقة والعالم...

فلسطين وميانمار: استهداف المسلمين

ووسط حال التشظّي هذه الّتي تعصف بالأمّة، تبرز معاناة المسلمين في أكثر من موقع، وهنا نشير إلى ما يحصل في ميانمار، الّتي تقع في شرق آسيا (بورما) سابقاً، إذ يتعرَّض المسلمون هناك، وبتواطؤ من النّظام الحاكم فيه، لعمليّات إبادة من قِبل الجماعات البوذيّة المتطرّفة، وقتل وتهجير واغتصاب، من دون أن نشهد حراكاً جدّياً في العالم الإسلاميّ...

ووسط كلّ هذا الواقع أيضاً، تستمرّ معاناة الشّعب الفلسطينيّ، ويستمرّ مسلسل الاستيطان في الضفّة الغربيّة والقدس، وصولاً إلى تهديد أركان المسجد الأقصى، هذا إلى جانب إبقاء الحصار حول غزّة.. إنّ كلّ هذا الواقع يستدعي منّا ومن المسلمين اهتماماً وتحرّكاً، "فمن لم يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم"، "ومن سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم"، "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسّهر"، "المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه بعضاً"..

إنّنا نريد لهذا الشّهر المبارك أن يكون شهراً يتداعى فيه المسلمون لتعميق وحدتهم وتأكيد تواصلهم، وإزالة الحساسيّات الّتي يُراد لها أن تستعر داخلهم، ليضعف من خلال ذلك موقع من مواقع القوّة في مواجهة الطّغيان والاستكبار والظّلم في هذا العالم...

لبنان: قدر المعاناة

أمّا لبنان، فقد كنّا نأمل أن يفد إليه شهر رمضان، واللّبنانيّون ينعمون بالاستقرار الأمنيّ والاجتماعيّ والسياسيّ، ليتفرّغوا للاستفادة من أجواء هذا الشّهر الرّوحيّة والإيمانيّة والتّربويّة، وأن يذوقوا طعم الفرح الّذي يشعر به الصّائمون خلال صيامهم وعند إفطارهم، والفرح الّذي ينتظرونه عند لقاء ربّهم، ولكن يبدو أنّ قدر اللّبنانيّين أن يبقوا في دائرة المعاناة المستمرّة، معاناة الأمن المهدّد في الدّاخل وعلى الحدود، والكهرباء الّتي يتحدّث المسؤولون عنها أنّها قد تصل إلى العتمة، والطّرق المغلقة والأخرى المهدّدة بالإغلاق، ومعاناة العمّال والمعلّمين والطلاب الّذين ينتظرون نتائجهم، فيما الحكومة الّتي ينتظر منها أن تُسرع في حلّ الملفّات العالقة بين يديها، تحوّلت إلى حكومة تستمرّ بفعل الخوف من الفراغ أو عدم وجود البديل، أو حكومة انتظار لما يجري من حولها، أو انتظار الانتخابات القادمة، كلٌّ يعدّ العدّة ليكون في الموقع المميَّز فيها، وكلٌّ يسعى ليؤمّن حضوره في داخل طائفته ومذهبه، ويكسب بذلك مجداً شخصيّاً ولو على حساب الوطن...

أمام هذا الواقع الّذي بتنا لا ننتظر فيه الحلول السّريعة، ومع الأسف، قد نحتاج إلى التّأقلم معه، ليس لنا خيار إلا أن نتوجّه إلى الله، أن يغيّر سوء حالنا بحسن حاله، وأن يعيننا على أنفسنا، ليغيّر كلّ هذا الواقع، بتغيير عقليّتنا وأسلوبنا في مواجهة الواقع الّذي نعاني منه {إنّ الله لا يغيّر ما بقومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم}، إنّه شهر التّغيير، فهل نتغيّر نحو الأفضل؟!...

التعليقات

1
 الإسم: احمد مجيد كريم
 الموضوع:م/دعاء
 التعليق:بسم الله الرحمن الرحيم نسال الله ان يؤفقكم لكل خير و نسالكم الدعاء الفاتحه الى روح السيد / محمد حسين فضل الله (رض)


أرسل تعليقك

إسمك:

البريد الالكتروني:

الموضوع:

التعليق: