مفاهيم > التابع الشاهد على الأعمال

التابع الشاهد على الأعمال

في أكثر من آية يحدّثنا تعالى عن لقاء التابعين بالمتبوعين يوم القيامة، من أجل أن يقدم الله سبحانه وتعالى الصورة الواضحة لطبيعة العلاقات بين الناس، والتي ترشد إلى كيفية بناء العلاقة مع الناس الذين قد يملكون بعض القوة مما قد نحتاجه، سواء كانت هذه القوة قوة مال أو قوّة سلطة أو قوة من الشهوات التي تجتذب الإنسان، إنّ هذه الآيات تحدّثنا كيف يمكن للإنسان أن يتعامل مع هؤلاء؟ وكيف يتوازن في تعامله معهم، حتى يعرف كيف يقدم الحجة بين يدي الله يوم القيامة، وهذا ما تحدَّث به القرآن في أكثر من موقع.

ففي بعض المواقع، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يتحدث عن أجواء يوم القيامة: {ويوم نبعث من كل أمة شهيداً} [النحل:84]، وليس المراد من كلمة الشهيد هنا هو الشهيد في المعركة، بل الشهيد الذي يشهد على الأمة، وهو الذي يعيش في مرحلته ليراقب الأمة في كل أعمالها، في سلبياتها وإيجابياتها، في انحرافها وفي استقامتها، في طاعتها لله ومعصيتها له، ليقدم الشهادة لله يوم القيامة، وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى شهود، لأن الله {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} [غافر:19]، ولأنه {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم} [المجادلة:7].

وعلى هذا، أراد الله، أن يجري الأمور على أساس العدل، وإن كان هو صاحب الحق على كل الناس، ولا حق لأحد عليه، وحتى عندما نتحدث عن حقِّ الأنبياء وحقِّ الأولياء، ونقول مثلاً: يا الله بحق محمد وآل محمد، بحق فاطمة، بحق الأنبياء، فلا يعني ذلك أنّ لهم حقاً على الله، ولكن الله من لطفه جعل لهم حقاً، ولذا نقول بحقهم الذي أوجبته على نفسك، وإلا فالخلق كلهم عباد الله، وكل ما عندهم هو من الله، وليس لأحد من الخلق شيء يستقلُّ به بعيداً عنه سبحانه وتعالى، فالله هو الذي أعطى الإنسان العقل الذي يفكر به، وأعطاه اللسان الذي ينطق به، ووهبه كل الأعضاء وكل الأجهزة في جسمه ليعيش بها ويقضي حاجاته، وليعبد الله بها أو يعصيه. ولكنّ الله سبحانه أراد أن يكون في يوم القيامة شهداء، كما هي مسألة القضاء في الدنيا، فكما يحتاج المدّعي أو الحكم إلى شهود، فكذلك أراد الله أن يكون هناك شهود.

وفي هذا المجال، فإننا نفسِّر ما ورد عن أحد الأئمة(ع) بحقّ السيدة الزهراء(ع) بأنّها الصدّيقة الشهيدة، أن (الشهيدة) هنا لا تعني المقتولة ظلماً، بل تعني الشاهدة، كما النبي(ص)، وكما الأنبياء الشهداء على الناس. وعظمة السيدة الزهراء(ع) أنها من الصدّيقين والشهداء، فهي التي عاشت منذ طفولتها مع أبيها رسول الله(ص)، وكانت تملك الإحساس والشعور والعقل الذي يراقب الأمور ويفكر، ولهذا فإنها حتى في طفولتها كانت تتألم لألم أبيها عندما كانت ترى المشركين يضطهدونه ويلقون الأوساخ على ظهره ويشتمونه وما إلى ذلك، فهي شاهدة على مرحلة الدعوة في مكة ومرحلة الهجرة في المدينة ومرحلة الظُلامات التي حدثت بعد رسول الله لعلي(ع) في إبعاده عن حقه وما جرى على أهل بيت النبي(ص) وما إلى ذلك.

{ويوم نبعث من كل أمة شهيداً ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون} [النحل:84]، لا يؤذن لهم لأن الحجة قامت عليهم، فلا معذرة لهم يوم القيامة، لأنّ الله يعلم كل ما قدّموه، ولأنّ الحجة قامت عليهم من قبل الشهداء ثم الكتاب، {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً} [الكهف:49] فعناصر الحكم كلها موجودة، ولا يؤذن لهم ولا يُستعتبون، لا يطلب منهم أن يقدموا بعض الأساليب والوسائل من أجل إرضاء ربهم عليهم، كما يفعل الناس في الدنيا في مقام التوسل والتخضّع، لأنه في الدنيا عمل ولا حساب وفي الآخرة حساب ولا عمل، {ثم لا يؤذن للذين كفروا ـ في أي دفاع أو أي شيء ـ ولا هم يستعتبون* وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ـ بشكل حسي وعياناً ـ فلا يخفف عنهم ولا هم يُنظرون}[النحل:84-85]، أي لا يُمهلون، لأن الحكم صدر، وهو حكم لا بد فيه من التنفيذ.

وفي مشهدٍ آخر، يعطينا الله سبحانه صورة أخرى، وهي أن هؤلاء الذين كفروا يلتقون يوم القيامة بشركائهم الذين كانوا يعتبرونهم شركاء لله في الدنيا، ومسألة الشرك بالله سبحانه تتمظهر بأكثر من مظهر، فهناك شرك بالله في الألوهية، ولعله في زمن النبي(ص) لم يكن هذا النوع من الشرك موجوداً، لأنّ الناس كانوا لا يعتقدون أن هذه الأصنام التي صنعوها هي شريكة لله في الألوهية، بل كان المشركون في مكة ومن حول مكة يؤمنون بالله الواحد، ولذلك كانوا يكتبون في كل وثائقهم وكل ما يصدرونه من معاهدات أو وثائق: "باسمك اللهم"، وإنما كانوا يعتبرون أنّ هذه الأصنام هي شركاء لله في العبادة، يعبدونها كما يعبدون الله.

لذلك كانوا يطوفون حول الكعبة، والطواف كان في الكعبة مع وجود الأصنام فيها، كان هناك طواف حقيقي في الكعبة، وكان هناك حج، فكانوا يعبدون الله، وأيضاً كانوا يعبدون الأصنام، وهذا ما قصّه الله سبحانه وتعالى في قوله: {ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى} [الزمر:3]، أيّ أن هذه الأصنام، في نظرهم، تشتمل على بعض الأسرار الخفية التي تجعلها قريبةً من الله، وعندما يكون لهذه الأصنام علاقة بالله، فإن الخضوع لها واستعطافها يجعل هذه الأصنام كأنما تقرّب هؤلاء الناس إلى الله ليقضي حوائجهم وما إلى ذلك. هذا شرك في العبادة، وهذا أمر قد يتمثل في كثير من الحالات عندما يقوم الناس مثلاً ببعض أشكال وألوان العبادة لكثير من الأشخاص وما إلى ذلك، بحيث يعبدونهم، أو يخضعون لهم خضوعاً مطلقاً ليقربوهم إلى الله زلفى.

وقد حاول البعض من الوهابيين والسلفيين أن يتّهم الشيعة بأنهم في توسلهم بالنبي(ص) والأئمة(ع) وبالأولياء واستشفاعهم، إنّما يكررون المنطق الذي كان يتحدث به المشركون في مكة، وأنهم يعبدون النبي عندما يأتون إليه ويتوسلون به ويستشفعون به ويقبلون ضريحه وما إلى ذلك، أو عندما يأتون إلى الأئمة أو إلى الأولياء، وهذا ليس عند الشيعة فقط، بل إنهم يعتبرون الصوفية مشركون أيضاً، وحتى السنة الآخرين الذين يستشفعون ويتوسلون بالأولياء كالسنة في مصر الذين يتوسلون بمشهد الإمام الحسين(ع) أو يتوسلون بالسيدة زينب بزيارة المشهد المنسوب لها، ويعتبرون أن هذه الحالة هي حالة عبادة في هذا المقام.

والواقع أنها ليست كذلك، لأنهم يعتقدون أن الرسول هو عبد الله ورسوله، وأن الأنبياء والأولياء قيمتهم أنهم عبدوا الله وأنهم: {عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} [الأنبياء:26-27]، وإنما يتوسلون بهم، لأنّ الله أذِن لهم بالشفاعة، لأنه لا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، ووضع لهم برنامج الشفاعة: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء:28].

وهناك نوع آخر من الشرك، وهو الشرك بالطاعة، فالله سبحانه وتعالى له الحق على عباده أن يوحّدوه في طاعتهم له، وأن لا يطيعوا أحداً في أمر أو في نهي، وفي أي شيء، إلا إذا كان هذا الشيء داخلاً في البرنامج الذي وضعه الله سبحانه وتعالى للطاعة في أوامره ونواهيه.

ومعنى توحيد الطاعة، هو أن لا تطيع أحداً إلا الله، وأن لا تطيع إلا الذي يأمرك وينهاك من خلال الله، لا الذي يأمرك وينهاك من خلال نفسه، كالناس الذين يشرِّعون القوانين من عند أنفسهم في قبال القوانين التي شرّعها الله سبحانه وتعالى، وأيضاً كالذين يطيعون الاستكبار العالمي والاستكبار الإقليمي والاستكبار المحلي، هؤلاء الزعماء، الأغنياء، المترفون الذين يأمرون الناس بالباطل وينهونهم عن الحق، فيتّبعونهم في ذلك كله، هذا شرك وهو الشرك الدارج. حتى الرّياء في الأخلاقيات الإسلامية يعتبر نوعاً من أنواع الشرك، فالشخص الذي يقوم بأيِّ عمل خير ليراه الناس ويمدحوه، يعتبر عمله شركاً.

ولذا ورد في الحديث القدسي: "أنا خير شريك، من أشرك معي غيري في عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصاً"، ولذلك يقال إنه يوم القيامة يأتي الشخص وقد عمل الأعمال الخيرية الكثيرة، فيطلب من الله الثواب، فيقول له الله ليس لك عندي شيء، إنك عملت ليقول الناس عنك ذلك، وقد قال الناس عنك ذلك، فأنت أخذت ثمن ما عملت من هؤلاء الناس. وهناك حديث عن الشرك الخفيّ، فعن الإمام جعفر الصادق(ع) في تفسير قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف:106]، يقول(ع): "قول الرجل: لولا فلان لهلكت، ولولا فلان لضاع عيالي، جعل لله شريكاً في مكله يرزقه ويدفع عنه، فقيل له: لو قال: لولا أن منّ الله عليّ بفلان لهلكت، قال: لا بأس بهذا". فعلى الإنسان أن ينسب كل الأمور إلى الله، ولا يجعل العبد مستقلاً بالسببية بما حصل عليه منه.

لذلك علينا أن ننظر إلى الله في كل شيء وأن ننسب له كل شيء، وهذا هو الذي يؤصِّل معنى التوحيد في داخل النفس. هناك دعاء معروف يُسمى دعاء الفرج، هذا الدعاء ليس مروياً عن أحد، وليس له سند ولكنّ الناس يقرأونه، وهو: "يا علي يا محمد، يا محمد يا علي، اكفياني فإنكما كافيان، وانصراني فإنكما ناصران". بل نحن نقول يا كفيّ من كل شيء ولا يكفي منه شيء، هم لا يكفون بذاتهم، الله سبحانه وتعالى هو الكافي وهو الناصر وهو الرازق وهو المنقذ. نعم، هم إذا أريد لهم أن يكفوا، فإنما يكفون بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من باب أنه آلة في الكفاية، هم وسيلة من وسائل الكفاية، وليسوا هم الذين يكفون أو ينصرون أو يرزقون، وليسوا هم الذين يُحيون ويُميتون.

نحن عندما نقرأ أدعية النبي والأئمة(ع) كلها، نرى أنها أدعية تجعلنا نشعر أنهم ليس عندهم شيء أمام الله تعالى، ولذا نحن نقرأ في الدعاء: "يا من يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء"، هو الذي يكفي من كل شيء ولا يكفي من كل شيء غير الله سبحانه وتعالى.

هذا ما تمثّله أصالة التوحيد. أما بخصوص هذا الدعاء، فأنا دائماً أقول إنه حتى لو كان الذي يقصد من هذه الكلمات خيراً، إلا أنه علينا أن لا نقرأها، لأنها تقدم عقيدتنا للآخرين على عكس الصورة الواقعية التي نريدها في هذا المقام، فإذا أردنا أن نعبر عن تفكيرنا وعن عقيدتنا فلنعبّر عنها بوضوح من دون أن يكون فيها بعض الالتباسات التي ربما تعطي صورة مخالفة، خصوصاً أن هذه الكلمات لم يرد فيها نص ثابت وصحيح، لا من الله تعالى ولا من نبي ولا من إمام.

الآن هناك العديد من الأدعية لعلماء يؤلّفونها، وهناك زيارات أيضاً يكتبها العلماء، نحن نحترم العالِم، وكما قلنا، فإن الله يريد للإنسان أن يوحّده بالشكل الذي يؤصِّل له عقله وفكره، فالله، مثلاً، يقول: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً} [الجن:18]، فعظمة النبي أنه عبد الله سبحانه وتعالى، ودعا إليه وأطاعه وتقرّب إليه، والأئمة(ع) أيضاً كذلك، حتى إن الأئمة(ع) يقولون: "من كان مطيعاً لله فهو لنا ولي، ومن كان عاصياً فهو لنا عدو".

إذاً هذا ما يسمونه الشرك في الطاعة، كما إنّ هناك شركاً في العبادة وشركاً في الألوهية. وأما الشرك في الطاعة، فهو الذي يغرق الناس فيه عندما يطيعون المستكبرين ويطيعون الكفرة والفسقة حتى يتوصلوا من خلال طاعتهم لهم إلى أن يحصلوا على حوائجهم.

هؤلاء إذا ما التقوا بهم يوم القيامة، فإنهم يحاولون أن يحمّلوهم مسؤولية هذا الشرك، حتى يحاسبهم الله ويظهروا هم براءتهم، ولكنّ الله تحدّث عن ذلك في كتابه الكريم: {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون} [النحل:86]، أي نحن كنا في خط الكفر والضلال والغواية، لكن نحن لم ندعكم لتطيعونا، أنتم وجدتم حاجاتكم عندنا فعبدتمونا وأطعتمونا، فلماذا أطعتمونا؟ ألا تعرفون الله؟ ألا تعرفون النبي؟ ألا تعرفون الشريعة؟ عندكم عقل وعندكم إرادة، وقد قرأتم وسمعتم، فلماذا اتبعتمونا؟ نحن لا نتحمل مسؤولية ذلك أبداً، {وألقوا إلى الله يومئذٍ السَّلَم} بعد أن رأوا أنه لا عذر لهم ولا حجة أمام الله سبحانه وتعالى، {وضلّ عنهم ما كانوا يفترون} [النحل:87]، عندها يتحمل كل فرد مسؤولية عمله ولا يتحمل أحد معه أوزار ما فعل: {وكلّهم آتيه يوم القيامة فرداً} [مريم:95]، {يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها} [النحل:86]، لذا على الإنسان أن يعدَّ نفسه للدفاع عن نفسه بنفسه، لأنه يومئذٍ الأمر الله {يوم لا تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ لله} [الانفطار:19]، والحمد لله رب العالمين.

موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 01- 4 - 2004م.