|
مفاهيم
>
أسلوب الدعوة إلى الله
أسلوب الدعوة إلى الله
يقول الله سبحانه
وتعالى في كتابه المجيد: {ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً
وقال إنني من المسلمين} [فصّلت:33]، إنّ الله سبحانه وتعالى يريد في هذه
الآية أن يؤكد للإنسان مسؤوليته عن الدعوة إلى الله. والدعوة إلى الله
تعالى تمثّل القيام بالدور الإعلامي في كل ما يتضمّنه الإعلام من عناوين
الفكر الذي يؤكد وجود الله ويؤكد توحيده ويؤكد ألوهيّته في كل صفاته التي
تمثلها أسماؤه الحسنى، كما تمثل الدعوة إلى الله تعالى هذه الرحابة في
انفتاح الإنسان على الله من خلال انفتاحه على الكون كله، فأنت عندما تعيش
هذا الكون الممتلىء بالظواهر الكونية وبالموجودات الإنسانية والحيوانية،
فأنت تتمثل عظمة الله في عظمة خلقه. ونحن نعرف أننا عندما ندرس كل ما وصل
إليه الإنسان من علوم استطاع من خلالها أن يكتشف كل ما يمثل أجهزة
الإنسان في ما يتحرك فيه الإنسان أو يُصاب به في عالم الإيجابيات
والسلبيات، نجد العلم هو الوسيلة التي استطاع الإنسان من خلالها أن يفهم
الكون، فكل علم الكون يدل على الله سبحانه وتعالى، لأنه ما من شيء يدركه
العلماء أو يستنتجونه، إلا وهو مظهر لقدرة الله سبحانه وتعالى في خلقه
جميعاً، فالدعوة إلى الله هي دعوة إلى أن ينفتح الإنسان على أسرار الكون
كله، الكون الثابت والكون المتحرك.
والدعوة إلى الله
أيضاً هي دعوة إلى أن يفهم الإنسان ويتعرف نِعم الله، {وما بكم من نعمةٍ
فمن الله} [النحل:53]، الآن عندما يجلس كل واحد منا ويتأمل في النعم التي
يعيشها، هل يستطيع أن يكتشف نعمة يتقلب بها ليس لله دخل فيها؟! فكل شيء،
سواء داخل الجسم أو خارجه، نرى أن الله هو الذي خلقه وهو الذي يسّره وهو
الذي سهّله،؛ الهواء الذي يتنفّسه الإنسان، الماء الذي يشرب، الطعام الذي
يتغذى به، الوسائل التي وضعها الله تعالى بين يديه مما يهيىء له إدارة
شؤون حياته كلها، {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [النحل:18].
لذلك عندما يدعو
الإنسان إلى الله، فإن عليه أن تكون دعوته في توجيه الناس إلى أن يدرسوا
كل مواقع الإبداع والقدرة والعظمة في الكون كله، كما إن عليه توعية الناس
بكل مواقع نِعم الله عليهم، الآن مثلاً، هناك الكثير من الناس يبحثون عن
كيفية تعريف أطفالهم على الله تعالى، لأن الطفل لا يمكنه أن يتعرّف على
الله بالاستدلالات الفكرية، ولكن يمكن للإنسان أن يقول للطفل إن كل ما
يأكله ويشربه وكيف ينام ويستيقظ، إن كلّ هذا من الله، هو الذي أعطانا
إياه، وبهذه الطريقة الطفولية نعمّق الفكرة في نفس الطفل.
كيف كانوا في أيام
ستالين وأيام الشيوعية يربون الأطفال على الإلحاد؟ كانوا يضعون الطفل في
غرفة فيها نافذة وعندما يجوع يقولون له قل لله أطعمني أو أنا عطشان، فلا
جواب، يا فلان يا فلان، لا شيء، ثم يقولون له قل يا ستالين أعطني، ففي
الحال يأتي الطعام، وهذه الأمور تنكر معناها في نفس الطفل.
ولذلك، نحن نستطيع
بالكثير من الوسائل التي نتقمّص فيها شخصية الطفل، أن نعرّف الطفل على
الله، لأن الطفل بحسب فطرته، ومن دون أن تدخله إلى المدرسة، عندما يأتيه
شيء يبادر إلى القول مَن الذي أتى به، فتستطيع أن تدخل الله من خلال هذا
الشيء بلباقتك وأسلوبك. ولذا نحن نقول للذين يجحدون بالله تعالى ويلحدون
به، والذين يقولون إن الكون وجد صدفة بعد أن تفجّرت بعض العناصر وصار
الكون، كما عندما نأتي في بعض الحالات بمحبرة ونلقي بها على الجدار
فتتشكّل لوحة فنية بالصدفة، نقول إنّ هؤلاء يعيشون قصر النظر، فالكون فيه
عناصر تفجرت، ولكن من أين أتت هذه العناصر؟ المفروض أن هذه العناصر ليس
عندها عقل، وليس عندها دراسة وليس عندها علم، لا يمكن أن تكون قد وجدت من
دون شيء، لا بد أن يكون هناك من أوجدها.
يُقال ـ وهذه للذين
ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى ـ إن شخصاً في أيام الخلافة العباسية،
جاء وقال أنا ملحد، وأنا أريد أن أناقش علماء المسلمين في قضية وجود
الله، فعيِّنوا موعداً، قالوا إن الاجتماع يعقد عند الساعة العاشرة
والنصف صباحاً، هذا العالم المؤمن المسلم الذي جاء من أجل أن يناقش هذا
الملحد، جاء الساعة الحادية عشرة، قيل له: لماذا تأخرت وقد اتّفقنا أن
يكون الموعد عند الساعة العاشرة والنصف، قال لهم: أنا بيتي في الجانب
الثاني من النهر ـ حيث كان يسكن في بغداد، وبغداد يشقها النهر إلى نصفين،
هناك جانب يسمونه جانب الكرخ، وجانب آخر يسمونه جانب الرصافة ـ وقد وصلت
إلى النهر ولم أجد زورقاً ينقلني، ولكني رأيت خشباً ومسامير، ثم رأيت
المسامير تقفز إلى الخشب، وانضمّت الخشبات بعضها لبعض، وهذه العملية
تأخرت بحدود الربع ساعة.
عندها قال الملحد:
وهل أتيتم بهذا حتى يناقشني، ما هذه الخرافات التي تتكلم بها أنت، هل
يعقل أنه بهذه البساطة تقفز المسامير إلى الخشبات والخشبات ينضمّ بعضها
لبعض لتصير زورقا؟ فقال له العالم: جيد، إذا كنت تقول عني إني مجنون أو
خرافي، فهذا الكون الكبير المنظم في سماواته وأرضه وإنسانه وحيوانه وكل
ما فيه، هل من المعقول أن تكون العناصر قد انضمّ بعضها إلى بعض لتشكّله؟
فأسقط في يد ذلك الشخص، الله سبحانه وتعالى يقول: {فطرة الله التي فطر
الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم} [الروم:30].
إن الله سبحانه
وتعالى فطر الإنسان على الإيمان به. يقال إنّ شخصاً جاء إلى الإمام جعفر
الصادق(ع) وقال له: "يابن رسول الله، دلّني على الله ما هو؟" يعني كيف هي
هذه الفطرة؟ الفطرة هي بمعنى أن تنجذب إلى الفكرة بشكل عفوي من دون
مقدمات، قال له(ع): "هل ركبت سفينة قطّ؟ قال: نعم، قال: فهل كُسِر بك حيث
لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم، قال: فهل تعلّق قلبك هنالك
أن شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم، قال
الصادق(ع): فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى
الإغاثة حيث لا مغيث".
ويذكر أيضاً أنّ
امرأة قالوا لها كيف تستدلين على وجود الله تعالى؟ قالت بهذا المغزل؛ إن
حرّكته تحرَّك وإن سكّنته سكن. هذا الشيء لا يمكنه أن يأخذ أجواءه وحركته
لوحده، فهو بيدي أحركه، فلا بد أن يكون هناك من يحرك الأشياء ويُسكّن.
ويُقال إن هناك
أعرابياً قالوا له كيف تستدل على وجود الله تعالى، قال: "البعرة تدل على
البعير ـ يعني إذا رأينا بعرة فإننا نعرف أن هناك بعيراً قد مرّ من هنا ـ
وأثر الأقدام يدل على المسير ـ عندما نرى أثر الأقدام فإننا نعرف أن هناك
أناساً مشوا في هذا الطريق، وكانوا في أيام الجاهلية عند العرب عندما
يريدون معرفة أين ذهب أحدهم يقتفون الأثر، بحيث يراقبون حركة الأقدام
واتّجاهها ـ قال له: أفسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج لا تدلان على
اللطيف الخبير". ولذلك قال ذاك الشاعر:
فوا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده
الجاحدُ
وفي كل شيء لـه
آيـة تدل على أنـه واحدُ
{ومن أحسن قولاً ممن
دعا إلى الله}، وهذا من
الأمور التي لا بد أن نحمل مسؤوليتها، {ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير}
[آل عمران:104]، أن يدعو الإنسان إلى الخير الذي يمثل جوهر الإيمان، وأن
لا تكون الدعوة إلى أشخاص كما نرى الآن الكثير من الناس يتعصّبون لشخص أو
لحزب أو منظمة، ويتحمّسون لذلك، ويدعون الناس إلى الارتباط بهذا الشخص أو
الحزب، ونتقاتل من أجل ذلك، ونختلف ونتعصّب، وهؤلاء الناس قد يكونون من
الذين يصلّون ويصومون ويحجّون، فهل يتحمّسون للدعوة إلى الله تعالى كما
يتحمّسون للدعوة إلى هذه الجهة أو تلك؟!
هل نصرف وقتاً على
دعوة شخص لا يؤمن بالله تعالى أو لا يطيع الله تعالى، كما نصرف وقتاً على
عصبياتنا؟! قد نجلس مرتاحين ونقول لا فائدة من فلان. وليس الأمر أنه لا
يوجد فائدة من فلان، بل لا يوجد فائدة منك أنت، فهل تصبر وتؤمن بهذا
الشيء؟ّ
الله سبحانه وتعالى يقول: {ومن
أحسن قولاً}، يعني هذا الإنسان الذي يدعو إلى الله سبحانه وتعالى ويحرك
كل طاقاته في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، وفي سبيل تعريف الناس بالله
تعالى وربطهم به، هو الإنسان الذي يعتبر من أحسن الناس قولاً، فهل نسير
في هذا الاتجاه حتى نكون من أحسن الناس قولاً، ليكون لنا الفوز والثواب
العظيم؟! والحمد لله رب العالمين.
موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 1- 7 - 2004م. |