|
مفاهيم
>
أصـل الشكـر للـه
أصـل الشكـر للـه
يقول الله سبحانه
وتعالى في كتابه المجيد: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر
فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنيٌ حميد} [لقمان:12]. أول عناصر
العقيدة، هو أن يعرف الإنسان ربه، وأن يعي ما هي علاقته به في أصل وجوده
وفي استمرار وجوده وفي كل تفاصيله، لذلك لا بدّ لنا أن نعرف الله، لا
معرفة الحسّ، لأن الله تعالى لم يظهر لنا بذاته، فهو في عالم الغيب ليس
كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار.
لذلك، لا نستطيع أن
نتعرف الله تعالى في ذاته بشكل مباشر، ولكننا كما علّمنا الله تعالى في
كتابه العزيز، لا بد أن نعرف الله في مواقع عظمته، من خلال ما نكتشفه من
أسرار خلقه، فعندما نفتح أعيننا على الكون كله، فإننا نطّلع بشكل سطحي
أولاً، ومعمّق ثانياً، على أسرار عظمة الله وإبداعه، فهو بديع السموات
والأرض، {ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً} [آل
عمران:191]، فلكلِّ ظاهرة من ظواهر السموات والأرض سر يدل على عظمة الخلق
وعلى روعة الإبداع، وبالتالي على عظمة الخالق، "وفي كل شيء له آية تدل
على أنه واحد".
وهكذا نتعرّف الله
تعالى في علاقتنا به من خلال نعمه، فوجودنا هو نعمة من الله، حيث كنا
عدماً، فخلقنا الله تعالى بقدرته، من خلال خلق الأب الأول للإنسان،
آدم(ع) قال تعالى: {إني خالقٌ بشراً من طين* فإذا سوّيته ونفخت فيه من
روحي فقعوا له ساجدين} [ص:71-72]، فالله سبحانه خلق من قبضة التراب
إنساناً نفخ فيه من روحه، أي أعطاه من قدرته، ولا يمكن أن نقول إن الله
أودع جزءاً من روحه في الإنسان، لأنّ روح الله لا تتجزّأ، ولكنه نفخ فيه
من روحه، يعني من قدرته، لأن القدرة منطلقةٌ من الروح.
فلذلك عبَّر عن القدرة
بالروح، كما في خلق عيسى(ع) في قوله تعالى: {فنفخنا فيها من روحنا}
[الأنبياء:91]، أي من قدرتنا.
فالله تعالى خلق
الإنسان {فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [ص:72]، وأعطى
الإنسان العقل والإرادة والإحساس والشعور وزوّده بكل الأدوات التي يستطيع
من خلالها أن يتحرك في الوصول إلى مقاصده في الكون، قال تعالى: {ألم نجعل
له عينين* ولساناً وشفتين* وهديناه النجدين} [البلد:8-10]، وهكذا في كل
أجهزة الإنسان، في الجهاز العصبي والجهاز الهضمي، والدماغ في كل ما يشتمل
عليه، وفي الجهاز التناسلي، وما إلى ذلك من أجهزة في داخل هذه الأجهزة،
بحيث إنّ كل أجهزة الجسم تتكامل في جعل الإنسان يصل إلى غاياته التي
أودعها الله فيه من حيث العقل الذي يفكر به، والقلب الذي ينبض بالعاطفة،
ومن خلال الجانب الحركي، وهكذا.
ثم عندما تجاوز الخلق
الإنساني خلق آدم، أعطى الله قانوناً لخلق الإنسان، هو قانون الزوجية
بقوله: {فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} [القيامة:39]، فالرجل يفرز هذه
النطفة والمرأة تفرز البويضة، وتلقّح النطفة البويضة، فتبدأ رحلة الوجود
الإنساني من خلال هذا التزاوج بين النطفة والبويضة، ثم يبدأ تطور الخلق،
من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، حيث يصبح الإنسان قطعة لحم تتطور، ثم بعد ذلك
عظاماً، فكسونا العظام لحماً، {ثم ـ بعدما تكاملت مسألة الجسم ـ أنشأناه
خلقاً آخر} [المؤمنون:14]، صار إنساناً يعي ويبصر ويسمع وما إلى ذلك.
وبعد ذلك بدأ النمو
الإنساني، طفلاً ثم شاباً ثم كهلاً ثم شيخاً، {ومنكم من يُردُّ إلى أرذل
العمر} [النحل:70]، يعني كان رأسه مرفوعاً، ثم أصبح رأسه إلى الأرض نتيجة
تقدّم العمر به، وبعد ذلك ينـزل إلى القبر، {ثم إنكم بعد ذلك لميتون}
[المؤمنون:15]، وبعد الموت يُبعث الإنسان.
الله تعالى هيّأ
للإنسان في هذا الكون كل ما يحتاجه، فسخّر له الشمس والقمر والكواكب
ليهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وسخّر لنا الماء الذي نشرب من خلال
المطر الذي سلكه ينابيع في الأرض، حيث تتحوّل الينابيع إلى أنهار. وهكذا
أيضاً سخَّر لنا الحيوانات التي جعلها مادة للغذاء، وسخر لنا الزرع، كلّ
ذلك وغيره سخّره الله للإنسان، ولولا ذلك، لما استطاع الإنسان أن يسير في
الأرض، والله تعالى اختصر الموضوع كلّه بقوله: {وما بكم من نعمة فمن
الله} [النحل:53].
فليفكر كل شخص، ما
الشيء الموجود عنده وليس لله دخلٌ فيه، لأنّ بعض الناس عندما يصبح عندها
مال، ينسى الله، ولا يعتبر أن له دخلاً في ذلك، كقارون عندما نصحه قومه،
فقال لهم: {إنما أوتيته على علمٍ عندي} [القصص:78]، ما دخل الله، فأنا
بقدرتي وذكائي قد حصلت على هذا المال، فكانت النتيجة: {فخسفنا به وبداره
الأرض} [القصص:81]. فكروا في شيء ليس لله دخل به، إن من حيث التركيبة
الجسدية والروحية للإنسان، إلى كل شيء خارجي، فكله من الله، وبهذا يقول
الإمام علي(ع): "أقلّ ما يلزمكم لله، أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه".
وكأنّ الإمام(ع) يقول إنك إذا كنت تريد أن تعصي الله فخذ حريتك في ذلك،
ولكن أعصِ الله بشيء لم ينعم به عليك. هل يوجد هذا الشيء؟ إذاً لماذا
تعصي الله، جسدك مَن خلقه؟ الخشب الذي تستعمله، المال الذي تملكه، كلّ
هذه الأمور من الله، {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إنّ الإنسان لظلومٌ
كفّار} [النحل:18].
الله يعطيك النعمة
وأنت تعصيه بما أنعم به عليك، على طريقة ذاك الشاعر الذي يقول:
أعلّمه الرماية كلّ
يـوم فلمّا اشتدّ ساعده رماني
وكم علّمته نظم
القوافي فلمّا قال قافيةً هجانـي
ألا يوجد كثير ممن يجد
مَن يعلّمه ويدربه ويرشده، ولكنه عندما يريد أن يجرّب عضلاته الجسدية أو
عضلاته الفكرية فإنه يضرب من علّمه، ونحن هذا ما نفعله مع الله تعالى.
ولذا كان أول شيء أوصى الله تعالى به لقمان: {ولقد آتينا لقمان الحكمة}
[لقمان:12]، ما هي الحكمة؟ لقمان لم يكن نبياً، ولكن كان صاحب عقل يفكر
ويرصد الحقيقة ويعرف مواقع الأشياء، ويضع الأشياء في مواضعها، وهذه هي
الحكمة.
والحكيم هو الذي يضع
الأشياء في مواضعها، فالله تعالى ألْهَمَ هذا الرجل، لقمان، ألهمه
الحكمة، وقد كان عندما يقصده الناس يعطيهم الحكمة، التي ألهمه الله
إياها، فيوجههم إلى ما يريدونه وما يقصدونه. وأول شيء من الحكمة علّمه
الله للقمان هو {أن اشكر لله} اشكر ربك في ما أنعم به عليك، لأن أول حق
لله على الإنسان هو أن يشكره، يعني أن يتعرف نِعَم الله عليه، وأن يدرس
عظمة هذه النعم في وجوده وفي حياته، وبذلك يتحسس جميل الله عليه.
ومن الطبيعي أن
الإنسان الذي يحترم إنسانيته، ويعيش معنى إنسانيته، هو الذي يشكر النعمة،
{أن اشكر لله}، والله تعالى لا يستفيد من الشكر شيئاً، أي إذا شكرت الله
أو لم تشكره فالله سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية
من عصاه، وهذا ما نقرأه في الآية الكريمة: {يا أيها الناس أنتم الفقراء
إلى الله}، أنت فقير إلى الله في كل شيء، حتى في الهواء الذي تتنفسه، هل
تستطيع أن تستغني عن الهواء؟ ومن الذي خلق هذا الهواء؟ إذا حصل عندك نقص
قليل في الأوكسجين، وإذا حصل عندك التهاب قليل في الرئة، ألا يأخذونك
مباشرة إلى المستشفى حتى يضعوا لك الأوكسجين؟ من أين هذا الأوكسجين؟ أليس
من الله؟ من أين هذا الجهاز الذي يمتص الأوكسجين، أليس من الله؟ هل
تستطيع أن تستغني عن الله في شيء؟ فكروا في الماء الذي تشربون، والغذاء
الذي تتغذون، وفي الطاقة التي خلقها الله سبحانه وتعالى في تكامل جسمك،
فأنت فقير إلى الله في كل شيء، {والله هو الغني الحميد} [فاطر:15].
الله تعالى قال لبعض
الناس الذي يمشي ويطرق الأرض بقدمه، {ولا تمشِ في الأرض مرحاً ـ لماذا
تمشيء بخُيلاء وبتكبّر ـ إنك لن تخرق الأرض ـ أي حاول أن تضرب الأرض
بقدمك، هل تستطيع أن تنـزل للأرضين السبع، إنك ستؤلم قدميك ـ ولن تبلغ
الجبال طولاً} [الإسراء:37]، فأنت تعرض أكتافك، فهل تستطيع أن تُصعّد
أكتافك حتى تصبح بطول الجبال؟ تواضع قليلاً وانظر لنفسك، إعرف حجمك، إعرف
قدرتك.
ثم يقول الله تعالى في
هذا المجال: {إن يشأْ يذهبْكم ويأتِ بخلق جديد} [فاطر:16]، من أنتم؟ الآن
العالم خمس مليارات ـ حسب ما يقولون ـ فالله تعالى مثلما قال لهذه
المليارات كن فيكون، يمكن أن يقول زل فيـزول. أين الأجيال التي كانت
قبلنا؟ {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً}
[مريم:98] أي حركة، اذهب إلى المقابر، فكل هؤلاء الذين كانوا يختلفون
ويتحاربون ويتحاسدون ويتباغضون ويحاربون ويعملون كل شيء، أين هم؟ اذهب
إلى المقبرة فلن تجد إلا الهدوء والصمت.
فالله تعالى يقول:
{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكون} [يس:82].
وحتى الإمام زين
العابدين(ع) في دعائه يؤكِّد بعض أدعيته هذه القدرة بقوله: "فهي بمشيّتك
دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منـزجرة"، أي أنّ الله تعالى يوجد
الأشياء بمشيته وبإرادته، فأنت عندما تشكر الله، تشكر لنفسك، وبذلك تحترم
إنسانيتك وتحصل على رضوان الله سبحانه وتعالى من خلال ذلك كله، {ومن يشكر
فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد} [لقمان:12].
وهناك شيء آخر، وهو
كيف علينا أن نشكر الله، الشكر ليس فقط أن نقول شكراً، الشكر هو أن تطيع
الله سبحانه وتعالى في كل ما أمرنا أن نفعله، والانتهاء عن كل ما نهانا
عنه فنتركه. وهذا نتمثله في حديث الرسول(ص)، عندما قيل له كما ورد في
سيرته: لماذا تجهد نفسك لأن النبي(ص) كان يقوم الليل كله في عبادة الله
والصلاة، وقد أعطاك الله الشفاعة؟ وأنت حبيب الله وشفيع المذنبين إلى
الجنة، قال لهم، صحيح ذلك ولكن "أفلا أكون عبداً شكوراً"، الله تعالى
أعطاني، ألا يستلزم ذلك أن أشكر الله على هذه النعمة، حيث اصطفاني
لنبوّته ولرسالته، وأكرمني بكرامته، أفلا أكون عبداً شكوراً، والصلاة هي
التعبير عن شكر لله؟!
والشكر هو تعبير عن
إحساسك بإنسانيتك، لأن الإنسان هو الذي يعترف بالجميل، وهو الذي يشكر من
أنعم عليه، أما من لم يشكر من أنعم عليه، فأين إنسانيته؟! والحمد لله رب
العالمين.
موعظة ليلة الجمعة ، بيروت:
2- 12 - 2004م. |