|
مفاهيم
>
تـقـوى الله وآثارها
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يا أيها الناس
اتّقوا ربكم} (لقمان:33)، فهو يريد من الناس أن يأخذوا بأسباب التقوى.
والتقوى هي أن تراقب الله وتحسب حسابه، وتخاف عقابه، وترجو ثوابه في كل
أمرٍ من أمورك، بحيث تكون كل حياتك، في صعيدها الفردي والاجتماعي، خاضعةً
للشعور برقابة الله، حتى وأنت تفكر في كل ما تريد أن تدير الفكر فيه، في
ما تخطط من علاقات ومن مواقف ومن معاملات، فإنّ عليك أن تعرف أن الله
يراقب حركة فكرك التي لا يملك الناس اكتشافها، لأنّ الله {يعلم خائنة
الأعين وما تخفي الصدور} (غافر:19)، فعندما تشعر برقابة الله على حركة
فكرك، فإنّ ذلك يمنعك من أن تفكر بالشر، وبالإضرار بالناس، وبالأذى لهم،
وأن تفكر بما يؤدي إلى إذلال أمتك وإسقاطها، لأن الله يريد العزة لنفسه،
ولرسوله، وللمؤمنين.
آثـار التقـوى
وقد ورد في بعض الأحاديث في اختصار مفهوم التقوى: "أن
لا يفقدك الله حيث أمرك ـ بحيث يجدك الله في كل مواقع أوامره، قائماً بما
أمرك به ـ وأن لا يجدك حيث نهاك"، بحيث لا يجدك في كل مواقع نهيه.
وقد اعتبر الله سبحانه أن الجنة هي للمتّقين:
{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين*
الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله
يحب المحسنين} (آل عمران:133-134)، وفي آية أخرى: {يا أيها الناس اتقوا
ربكم واخشوا يوماً}، أي خافوا من تأثيرات يوم القيامة، هذا اليوم الذي
تقبلون فيه على الله، لتقفوا بين يديه، ليحاسبكم على أعمالكم، إن خيراً
فخير، وإن شراً فشر، عندما ينطلق النداء من الله: {وقفوهم إنهم مسؤولون}
(الصافات:24)، {لمن المُلك اليوم لله الواحد القهّار} (غافر:16)، {يوم لا
تملك نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ لله} (الانفطار:19)، {يوم تأتي كلّ
نفسٍ تجادل عن نفسها} (النحل:111)، {وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا}
(مريم:95)، إذ ليس هناك علاقات أنساب يوم القيامة، {فلا أنساب بينهم
يومئذٍ ولا يتساءلون} (المؤمنون:101). هذه المسألة التي يؤكدها الله
سبحانه بهذه الآية، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا
يجزي والدٌ عن ولده}، عندما يقف الولد يوم القيامة وهو يتعرض لعقاب الله،
فلا يستطيع الوالد أن يدافع عنه أو أن يخلّصه أو ينصره، {ولا مولود هو
جازٍ عن والده شيئاً} (لقمان:33)، وكذلك إذا كان الوالد يستحق عذاب الله،
فإن ابنه لا يستطيع أن يجزي عنه أو ينصره أو يدافع عنه.
{إن وعد الله حق}، فالله سوف يجمع الناس يوم القيامة
كما وعدهم، ليجزي المُحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. {فلا تغرنّكم الحياة
الدنيا}، أي لا تتصوّروا أنكم خالدون في هذه الدنيا، عندما تملكون فيها
المال الكثير، والجاه الكبير، والموقع الخطير، والأولاد والأعوان وما إلى
ذلك، فلا تغرنّكم ولا تخدعنّكم الحياة الدنيا، لأنّه سوف يأتي يوم
تفارقون فيه هذه الحياة، {ولا يغرنكم بالله الغرور} (لقمان:33)، والغرور
هنا هو الشيطان، الذي يسعى إلى أن يخدعكم، ويقول لكم إن عليكم أن تعصوا
الله، وسوف يغفر الله لكم، وسوف لن يحاسبكم، وما إلى ذلك...
تقديـر الأمور بيد الله
{إن الله عنده علم الساعة}، فهو الذي يقدّر للإنسان
ساعته على المستوى الفردي، أو على المستوى العام في يوم القيامة،
{وينـزّل الغيث}، لأن نزول الأمطار إنما هو من خلال القوانين التي أودعها
الله في الكون، حيث يتنـزّل المطر عندما تتوفّر هذه القوانين بإرادة
الله، {قد جعل الله لكلٍّ شيء قدراً}.
وهكذا، فهو {ويعلم ما في الأرحام وما تحمل كل أنثى}،
وإذا كان بعض الناس يقولون إن الأطباء أصبحوا يكتشفون ما في الأرحام،
إلاّ أنّ هناك فرقاً، فالله يعلم بذلك من خلال خلقه له، ومن خلال اطّلاعه
عليه بشكل مباشر، فهو يعلم عندما تنطلق النطفة وتتلقح بالبويضة، أن هذه
النطفة تحمل ذكراً أو أنثى، فهو الذي يعرف ذلك، لأنه هو الذي يخلق ذلك،
{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} (الملك:14).
{وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً}، فالإنسان قد يخطِّط
لغده، ولكن ربما تأتي الكثير من الأوضاع والظروف والطوارىء، فتقلب كل
مخططاته، ويُقبل على شيءٍ لم يكن قد حسب حسابه {وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ
تموت} (لقمان:34)، فربما يموت الإنسان وهو في سفر أو في بلده. ومما يُنقل
عن النبي سليمان(ع)، أنّ ملك الموت كان يزوره ويجلس في مجلسه، وكان هناك
شخص جالس في مجلس سليمان، وكان ملك الموت يحدق بهذا الرجل تحديقاً
عميقاً، والرجل يعرف أن هذا ملك الموت، فخاف منه وأراد الهرب ـ حسب ما
جاء في القصة، سواء كانت مثالاً أو حقيقة ـ وطلب هذا الرجل من النبي
سليمان أن ينقله إلى الهند على بساط الريح، {فسخّرنا له الريح تجري بأمره
رخاءً حيث أصاب} (ص:36)، فنقله سليمان(ع) ـ حسب القصة ـ من مكانه إلى
الهند، وبمجرد انتقاله، قام ملك الموت وودّع سليمان(ع)، وبعد عودته قال
له سليمان: رأيتك تحدق بهذا الشخص، وقد خاف منك، فطلب مني أن أنقله إلى
الهند هرباً منك، فقال له ملك الموت: إي والله، فقد أمرني الله أن أقبض
روح هذا الإنسان في الهند، ولكني وجدته عندك، فكنت أحدِّق به وأفكر كيف
سأقبض روحه في الهند، فإذا به يطلب منك ذلك، فذهبتُ إلى الهند وقبضتُ
روحه، وها أنا قد جئت بعدما انتهيت، {وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموت}. هناك
من الناس من يسقط في طائرة ويغرق في البحر، أو يأكله سبع أو حيوان مفترس،
وهناك من يموت بالسكتة القلبية أو غيره... فليس هناك من يعرف أين ومتى
تقبض روحه.
{إن الله عليمٌ خبير}، فهو يعلم كل شيء، وهو الخبير
بما يعيشه الناس. لذلك علينا أن نتّقي الله في كل أمورنا، وفي كل حياتنا،
حتى نستحق رضوان الله وثوابه، {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}
(المطففين:26). والحمد لله رب العالمين.
موعظة ليلة الجمعة (7 – 7 - 2005م) |