مفاهيم > ابتـلاء الأنبيـاء

ابتـلاء الأنبيـاء

يحدثنا الله تعالى في القرآن الكريم عن الأنبياء، في أكثر أوضاعهم التي يواجهون فيها المشاكل والتحديات والآلام، فيرجعون إليه في ذلك في عملية التزام أو شكوى، أو في عملية طلب، وهذا ما نلاحظه في أكثر من موقف نبي في مسيرة الأنبياء. ومن بين هؤلاء الأنبياء، النبي موسى(ع)، الذي بدأ حياته في قلب الخوف والمأساة، فقد وُلد في مجتمع كان فرعون قد خطّط لأن يذبح كل وليد يولد فيه، لأنه كان قد رأى في منامه أن نهايته سوف تكون على يد شخص من بني إسرائيل، ولذلك كان يحاول أن يقطع هذا النسل من الذكور، فكان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم.

لذلك عندما وُلد موسى(ع)، ألهَمَ الله أمّه أن تلقيه في زورق في اليمّ ليصل به إلى الساحل، وهكذا فعلت ما أمرت به، ووقف الزورق على الشاطىء الذي بُنِيَ عليه قصر فرعون، ولم يكن لفرعون وزوجته ولد، فعندما وقف الزورق، رأوا طفلاً رضيعاً فيه، ولربما رأى فرعون في ملامحه السمراء أنه من بني إسرائيل، ولكن امرأته المؤمنة الصالحة، ألهمها الله أن تقنع فرعون بأخذه {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً}، [القصص:9].

وكان الرضيع يحتاج إلى مرضعة، ولكن الله تعالى حرّم عليه المراضع، فلم يلتقم ثدي أية مرضعة، وجاءت أخته وقالت لهم: {هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون} [القصص:12]، وهكذا كان، {فرددناه إلى أمّه إلى أمك كي تقرّ عينها ولا تحزن} [القصص:13]، وهكذا رجع إلى أمه، ولكنه نما في قصر فرعون. ولذا الله سبحانه وتعالى: {التقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} [القصص:8]، أي إنّ خاتمة الأمر سوف تنتهي بأن يكون موسى(ع) عدواً لفرعون.

ويحدثنا القرآن الكريم عن موسى(ع) بعد ذلك أنه كان يتجول في مصر، وشاهد عراكاً بين شخص من عدوه وشخص من شيعته، {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى}، ضربه، والظاهر أن يده كانت ضخمة وقوية، {فقضى عليه}، فعندما رأى موسى(ع) أن الرجل قد مات، {قال هذا من عمل الشيطان}، ليس معنى ذلك أنه عصى الله، بل إن الشيطان قد ورطه في ورطة لم تكن ضرورية، {إنّه عدو مضل مُبين} [القصص:15]، عندها أدرك موسى(ع) بأنه قد ظلم نفسه بذلك فقال: {ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي} [القصص:16]، فغفر له.

ثم إنّ هذا الشخص الذي أغاثه موسى(ع)، وقع في مشكلة مع شخص آخر، وعاد واستغاث بموسى، فلمّا لامه موسى(ع) قال له: أتريد أن تكون جباراً في الأرض، بالأمس قتلت رجلاً واليوم تريد أن تقتلني. عندها تبرّأ موسى(ع) من فعل الرجل الذي من شيعته وتركه. وعرفت دولة فرعون في ذلك الوقت أن موسى(ع) قد قتل شخصاً من آل فرعون، وجاءه شخص وقال: {إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج منها فخرج منها خائفاً يترقب} [القصص:20-21]، وأصبح موسى(ع) وحيداً، وكان قد انطلق بهذا الدعاء: {ربي بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، لأنك يا ربي أنعمت عليّ بأن جعلت لي القوة، وأنعمت عليّ بأن أنقذتني من المصير الذي كان لبني إسرائيل، فأنا سأشكرك شكراً من نوع معيّن، وهو أن هذه القوة التي أعطيتني إياها لن أحركها في نصرة المجرمين {ربي بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين}، أي ناصراً ومساعداً لهم.

ونفهم من ذلك، أن الله تعالى إذا رزق إنساناً قوةً في الجسد أو المال أو العشيرة أو العلم، فعليه أن يوظف هذه القوة من أجل نصرة المظلومين لا الظالمين، ومن أجل مساعدة ومساندة الضحايا لا المجرمين الذين يصنعون الجريمة للإنسان، وهذا الدعاء وإن كان مختصراً، إلاّ أنّه يعطينا فكرة عامة ومهمة جداً، وهي أن على الإنسان المؤمن إذا رزقه الله نعمة، أن يوظفها في خط العدالة، لا في خط الظلم والمجرمين.

فهناك مجرمو سلاح يقتلون الناس بغير حق، وهناك مجرمو سياسة يظلمون الناس في خطوطهم السياسية، وهناك مجرمون يصنعون الفتنة أو يتجسّسون لحساب العدو ولحساب الظالمين وما إلى ذلك. فأنا عندما يكون عندي أي نوع من أنواع القوة، وأريد أن أحركها في المجتمع، فعليَّ أن أدرس طبيعة هؤلاء الناس الذين أُحرِّك قوتي لمصلحتهم، لأن القوة التي أعطاني الله إياها هي نعمة من نعمه عليّ، وعليّ أن أعمل على شكر هذه النعمة، فلا أستخدم نعمته في معصيته.

هذا ما ورد في كلمة للإمام علي(ع) عندما قال: "أقلّ ما يلزمكم لله، أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه"، هذا في المرحلة الأولى، وفي المرحلة الثانية، أن تستعين بنعم الله على طاعته، بأن تسخِّر نعمة الله في طاعة الله، فإذا أعطاك الله تعالى مالاً، فاصرف هذا المال في ما يحبه الله ويرضاه، أو تبذله لمن جعل الله له الحق في هذا المال، فاصرف هذا المال في سبيل رفع حاجة المحتاجين، ورعاية الأيتام والمساكين، وما إلى ذلك، {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات:19]، فشكر النعمة هو هذا.

والقرآن الكريم يحدثنا دائماً أنّ الإنسان المؤمن يقول: {ربي أوزعني أن أشكُر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ} [الأحقاف:15]، إنك أعطيتني نعمة الصحة والقوة والمال والجاه، فألهمني يا ربِّ أن أشكر هذه النعمة التي أنعمت بها عليّ وعلى والدي من قبل، {وأن أعمل صالحاً ترضاه}، أي أن شكر النعمة هو أن توظِّف هذه النعمة في العمل الصالح الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى. ثم كما أن والديك أصلحا أمرك، فعليك أن تطلب من الله سبحانه وتعالى أن يعينك على إصلاح ذريتك، {وأصلح لي في ذريّتي}، وهذا أيضاً من الأمور التي نستفيدها من القرآن الكريم.

فمن بين الأمور التي يطلبها الإنسان من الله، إصلاح ذريته، لأن الإنسان إذا فارق الدنيا وترك ولداً صالحاً، فإن الله يغفر له ويرفع درجته بصلاح ولده الصالح، وقد ورد في ذلك أنّه: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية ـ كأن يحفر الإنسان بئراً أو يفجِّر ينبوعاً ثم يموت، فيبقى الماء يجري وينتفع منه الناس، أو كأن يبني مدرسةً، أو مسجداً، أو مستشفى، أو أي شيء ينتفع به الناس ـ أو علم ينتفع به ـ كالكتب التي يستفيد منها الناس، فما دام هناك من يقرأها وينتفع بها، فإنّ الله تعالى يرسل له الثواب وهو في الدار الآخرة ـ أو ولدٌ صالح يدعو له..."، أيضاً إذا ترك أولاداً صالحين، فإنّ هؤلاء يعودون عليه بالنفع، لأن عملهم الصالح يصل إليه.

وقد ورد في الحديث عن السيد المسيح(ع)، أنه مرّ بقبرٍ، فكشف الله تعالى له عمّا في القبر، فرأى أن صاحب هذا القبر يُعذّب في قبره، ثم مرّ به في العام القادم، فرآه وقد رُفع العذاب عنه، فناجى ربه، يا ربي إن كان هذا يستحق العذاب، فكيف رُفع عنه، وإن كان لا يستحقّ فكيف عُذِّب، فيُقال إن الله تعالى أوحى إليه: يا عيسى لقد نشأ له ولدٌ صالح، فآوى يتيماً وأصلح طريقاً ـ فالصلاح ليس فقط في أن يصلي الإنسان ويصوم، بل أن يعمل أعمال الخير، فيحلُّ مشاكل الناس ـ فغفرت له من أجل ولده.

{وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك}، فعلى الإنسان أن يستحضر التوبة في كل وقت، لأنّ الإنسان لا يخلو يومه من معصية، قد تكون بسبب كلمة أو ضربة، أو معاملة سيئة، والله تعالى إذا رأى من العبد صدق التوبة، يعني التوبة النصوح، فإنه يغفر له {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات} [الشورى:25].

{إني تبت إليك وإني من المسلمين} [الأحقاف:15]، فعلى الإنسان أن يعلن إسلامه، لأننا في الكثير من الأحوال نغفل عن إسلامنا، كأن ينتمي بعضنا إلى أحزاب بعيدة عن الإسلام، أو ضد الإسلام مثلاً، ولا يرى أنه فعل أي خطأ في ذلك، فعليه أن يوحي لنفسه دائماً بالخطأ، خصوصاً في مقام الاعتراف بين يدي الله تعالى، وأن يقول دائماً: {وإني من المسلمين}، وهذه ليست خاصةً بنا، فالنبي(ص) علّمه الله أن يقول: {وأُمرت لأن أكون أول المسلمين} [الزّمر:12].

وكذلك نحن في حوارنا مع أهل الكتاب نقول: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا ـ قالوا نحن لا نقبل منك هذا الشيء ـ فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون} [آل عمران:64]، بحيث يؤكد الإنسان انتماءه إلى الإسلام في كل وقت، ليوحي إليه ذلك بإخلاصه في إسلامه، وأن عليه أن لا ينتمي إلى غير الإسلام، لأن هناك نقطةً وهي أنّه سابقاً عندما كان شخصٌ ما يرغب في الخروج الإسلام، وكان يتحول إلى اليهودية أو إلى النصرانية أو إلى المجوسية، أما الآن فيصبِح شيوعياً أو قومياً بشكل معين، لأنه قد تكون برامجها وقوانينها ضد الإسلام.

لذلك لا يصح أن تكون مسلماً وتنتمي إلى حزب ضد الإسلام. الحزب هو دين، لأن الأحزاب أصبحت أدياناً، وأصبح الأمر كمن يقول أنا مسلم ماروني أو مسلم رثوذكسي، فهل يصح هذا؟ أما إنك تقول أنا مسلم ماركسي فهذا أصعب، لأن الأرثوذكس يؤمنون بالله وكذلك الموارنة، وإن كانت لهم طريقتهم الخاصة، لكن الماركسي لا يؤمن بالله، وقاعدة الماركسية قائمة على الإلحاد، فكيف تكون ماركسياً أو شيوعياً وتكون مسلماً؟ هذا لا يصح.

وهكذا الأحزاب الأخرى، لا تؤمن أن النبي محمد(ص) رسول الله، ولا تؤمن باليوم الآخر ولا بالقرآن، فكيف تنتمي إلى الإسلام ثم تنتمي إليها؟ هذه القضايا أصبح كثير من الناس يبتعدون عنها. لا يصح أن تجمع بين الإسلام وبين حزبٍ ترتكز قاعدته الفكرية والفلسفية على غير الإسلام.

وهكذا أيها الأحبة، يجب أن نفهم القرآن الكريم، ويجب أن نتدبّره، ويجب أن نعمل به، حتى نكون قرآنيين في كل حياتنا. والحمد لله رب العالمين.

موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 9- 12 - 2004م.