قد تبتلى الكثير من
المجتمعات بمسألة الفتنة، فمن أين تأتي الفتنة التي تصيب ركائز المجتمع؟
سواء في داخل العائلة أو في داخل المواقع الاجتماعية الصغيرة أو الكبيرة
أو في المواقع السياسية، والتي قد تتحرك من خلالها الأحقاد التي تنتجها
هذه الفتنة والمنازعات وربما الحروب والتقاتل؟!
إن الله سبحانه وتعالى
وضع لنا خطاً مستقيماً واضحاً في ما نقبله من أحاديث ومن أخبار أو ما
نعيشه من انطباعات وما يثور في داخل نفوسنا من وساوس نتيجة نظرة عابرة أو
ما إلى ذلك. وهو قوله تعالى: {ولا تقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر
والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً} [الإسراء:36]، أي إذا أردت أن تقوم
بأيِّ عمل لنفسك أو تجاه غيرك، فعليك أن تنطلق من موقع علم، بحيث تكون
المسألة بالنسبة إليك بمستوى الموضوع الذي ليس فيه أي غموض وأي ضباب، في
أي شيء.
فإذا أردت أن تحمل
فكرة، أية فكرة كانت، سواء كانت فكرة تتصل بالمسائل الدينية أو بالمسائل
السياسية أو الاجتماعية، فلا بد من أن يكون هذا الشيء الذي تلتزمه وتعقد
عليه قلبك وتتحرك من خلاله في حياتك، أن يكون واضحاً عندك، بحيث تستطيع
أن تدافع عنه، فإذا كنت صاحب فكر، فإنك تصل إليه من خلال حركته الفكرية،
وإذا لم تكن صاحب فكر، فإن عليك أن تعتمد على الناس الذين يحملون الثقافة
الواسعة العميقة في هذا الموضوع أو ذاك، ولا تعتمد على كل شخص يدّعي
علماً أو ثقافةً أو معرفةً، لأن هناك الكثير من الناس قد يتزيّا بزيّ
العلم أو زي الثقافة، أو حتى زي المعرفة السياسية، من دون أن تكون لديه
دراسة أو إحاطة بهذا الموضوع، وهم كُثُر في المجتمعات، هؤلاء الذين
يعيشون الجهل، ولكنهم يبرزون إلى المجتمع بصورة العلم. هناك أناس يحدثونك
عن السياسة من دون ثقافة سياسية، أو عن الواقع الاجتماعي وخلفياته
ومشاكله من دون أن تكون لديهم معرفة بالمجتمع، وإنما ينطلقون من نظرة
سطحية.
هناك أناس يحدثونك عن
الدين لأنهم يلبسون زياً دينياً، وقد لا يملكون اختصاصاً بهذا الموضوع،
لأنّ الدين واسع، لنفرض أن هناك شخصاً قد درس الفقه لكنه لم يدرس
العقيدة، أو درس سنة أو سنتين ولم يتعمق، وهكذا على مستوى المفاهيم
العامة، فهو قد يُدخل إليك الخرافة باسم الحقيقة، وقد يُدخل إليك التخلّف
باسم الدين، لأنه لا يملك علماً، كما نشاهد في كل المجتمعات، فهناك
الكثير من الناس يتزيّون بزيّ الدين ولكنهم لا يملكون ثقافة الدين لأنهم
لم يدرسوه دراسةً معمّقة، والناس تنظر إلى الصورة ولا تنظر إلى الواقع.
وهناك أيضاً أناس
يبرزون للمجتمع كجماعة متدينين ومشايخ يكتبون كتب المحبة وكتب البغض وضرب
المندل والحديث عن الغيب والمستقبل وفتح القرآن، وكأن القرآن فيه (متى
تتزوج.. وغيره)، القرآن كتاب هداية، فهم يغشون الناس ويعيشون على استغلال
أحلامهم وآلامهم.
لذلك وضعوا الناس في
أجواء الخرافة وتبعهم الكثير منهم، فأنت الآن عندما تريد أن تعطي فكرك
لشخص، أو عقيدتك، أو موقفك السياسي أو موقفك الاجتماعي، عندما تريد أن
تعطي صحتك لشخص، عليك أن تملك الثقة بأن هذا الشخص هو مؤتمن على دينك،
وعلى فكرك وسياستك وسلوكك الاجتماعي وعلى صحتك وليس هكذا.
{ولا تقفُ ما ليس لك
به علم}، لا تقف أي لا تخض في الأمر الذي لا اختصاص لك فيه، ولا وضوح لك
فيه ولا ثقة عندك من خلاله، لأن الله سيسألك عن ذلك كله، {إن السمع
والبصر والفؤاد}، يعني العقل {كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً}، وذلك عندما
تقف غداً بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيقول لك على أي أساسٍ تصرَّفت هذا
التصرف بحقِّ فلان، أو كيف تحركت في هذا الاتجاه، تقول له سمعت، هل سمعت
من شخص مؤتمن أم من شخص غير مؤتمن؟ هذا الذي سمعته هل له أساس أم لا أساس
له؟ ثم كيف سمعت؟ سوف يسألك الله وعليك أن تقدم الحساب، و"البصر" في
الأشياء المرئية، هل رأيتها وكيف رأيتها؟ "والفؤاد" العقل، في الشيء الذي
تفكر فيه، على أي أساس أنت فكرت وعلى أي أساس أنت انتميت إلى هذه الفكرة؟
وعلى أي أساس اعتقدت بهذا الفكرة؟ ما هي الوسائل التي حركتها في تفكيرك؟
{كل أولئك كان عنه مسؤولاً}.
ولذا ورد: السمع وما
سمع، والبصر وما رأى، والعقل ما وعى. فكيف يمكنك أن تطبخ الطبخة؟ هل
تطبخها كيفما كان، أم أنك تركز في كل عناصرها؟ أيضاً مثلما تطبخ الطعام
الذي تملأ به معدتك، لا بد أن تطبخ الفكرة التي تملأ بها عقلك، ولا بد لك
أن تحرك الأمور المرئية والمسموعة أيضاً من خلال دراستك لطبيعة ما سمعت
وما رأيت.
لا بد أنكم جميعاً
تحفظون الكلمة المروية عن أمير المؤمنين(ع) عندما قال: "بين الحق والباطل
أربع أصابع ـ سُئِل ما دخل الحق والباطل بالأربع أصابع؟ فأشار إلى
المنطقة الفاصلة بين العين والأذن. الآن عندما نأتي إلى المنطقة الفاصلة
بين العين والأذن هناك حجم أربع أصابع ـ قال: الحق أن تقول رأيت والباطل
أن تقول سمعت"، وهذا موجود عندما يتكلم أحدنا على الناس ويحكم عليهم
ويحاسبهم، وعندما نُسأل على أي أساس تحكمون؟ نقول قد سمعنا بذلك.
ولهذا، أيضاً عندما
يُقال: أما رأيت؟ فيقول لم أرَ، ولكن سمعت. وهذا هو الذي جعلنا ـ أيها
الأحبة ـ في حياتنا العائلية وحياتنا الاجتماعية وحياتنا السياسية في كل
خطوطها العامة والخاصة، جعلنا تحت رحمة الذين يحركون الإشاعات حتى يسقطوا
شخصاً أو حتى يرفعوا شخصاً، لعوامل ذاتية ولعقد نفسية وما إلى ذلك.
والحجّة عندهم أن
الناس هم الذين يتكلّمون، والبعض يقول كل الناس يتكلّمون، مع أنه قد يكون
سمع عدّة أشخاص فقط. ألسنا نتكلم بهذه الطريقة؟! هذه المسألة موجودة في
حياتكم، وأنا أسمعها منكم، مثلما يحصل عندما يختلف الناس في مسألة الهلال
والعيد، فيأتي من يقول لك العالم الإسلامي كله عيَّد، وهو في ذلك لم يسمع
إلا من شخصين أو ثلاثة، فهل يمكن الاستناد إلى قول شخص أو أكثر لنقول إن
العالم كلّه عيّد؟! مشكلتنا أننا نبني مواقفنا على الإشاعات والتكهّنات،
ولا نستند إلى الوسائل التي أمرنا الله سبحانه باعتمادها لمعرفة الحقيقة.
الإسلام ـ أيها الأحبة
ـ يريد للأمور التي تتعلق بمصير الإنسان، سواء مصيره في القضايا المحدودة
أو مصيره في القضايا الواسعة، أن يعمل فيها على أساس الضبط والحساب، الآن
نحن في المعادلات ألا نقول واحد زائد واحد يساوي اثنين، هل يصح أن نقول
واحد زائد واحد يساوي خمسة؟ لا يصح، حتى الأطفال عندما تسألهم يقولون لك
هذا.
نحن في بعض الحالات
نتيجة عدم تدقيقنا في الأمور يصبح عندنا 1+1=10، لأننا لا نفكر في
المسألة قبل إعطاء النتيجة، بل نتبع ما تسمعه الأذن ونخضع له حتى لو كان
خطأً. وقد قرأت لكم مرّة بيتين من الشعر لشاعر هو من العلماء والباحثين،
وهو عراقي اسمه الشيخ محمد رضا الشبيبـي، يقول: